ثورة مصر في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني)، من أعظم الثورات في التاريخ، ليست عصبية، بقدر ما أحمل من حجة لا ينكرها أعداؤها أنفسهم. ثورة يناير أو الثماني عشر يومًا من بداية الاحتجاجات، حتى سقوط «حسني مبارك»، كان يحملها الشعب المصري بكافة توجهاته وأطيافه، عدا أولئك المنتفعين من فشلها، والتي قامت الثورة عليهم، أستطيع قول هذه الجملة بطريقة مختلفة، لقد كانت ثورة يناير (كانون الثاني) تحمل آمال الشعب المصري وطموحاته في حياة كريمة بكل ما تحمل كلمة «كريمة» من معنى.

تكمن عظمة ثورة يناير في أنها ثورة نظيفة، لم تحمل سلاحًا، ولم تقتل أحدًا، حتى وهي في أكثر الأوقات قوة، لم تفعل بأعدائها أكثر من أنها قدمتهم للمحاكمة، كانت الثورة تتسع للجميع، حتى أعداؤها، ففي أوقات كثيرة وجدنا قيادات من العهد القديم يتحدثون باسمها، بل يزايدون على أبنائها.

في إحدى النقاشات مع صديقي «أنس»، قال لي: إذا أردنا أن تنتصر الثورة، فعلينا بحرق مقر وزارة الدفاع ومكتب الإرشاد وكافة الهيئات العليا لكل الأحزاب والجماعات، وقتها قلت في نفسي: هذا كلام متطرف للغاية، وسأكون مجاملًا؛ إذا قلت عنه «راديكيالي»، وليس إرهابيًا، ولكن الآن أستطيع أن أفهم ما رمى إليه مجازًا، وليس بمعنى الحرق والإقصاء.

لقد كانت ثورة يناير حتى سقط مبارك. بعدها تفرقنا وذهب كل إلى معسكره ينظر من خندقه الضيق بعين الثورة، وكأنما هو الثورة، ومعسكره فقط، وهذه أول هزيمة لثورة يناير، وهنا تحولت الثورة إلى مسار سياسي ضيق، والثورات حينما تنحسر في المسارات الضيقة تتحول للعنف. أصبح كل تيار يسير برأيه في توجه واحد، لا يرى سوى رأيه، فحدث خلط رهيب بين الثورة والسياسة، وبين شعارات يسقط ويحيا، وبين الخصومة والعداوة، فأصبح كل تيار يعادي التيار الآخر، وأعداء الثورة الأصليين والجيش الحاكم، وهنا تحولت مطالب عموم الشعب إلى مطالب أيديولوجية ضيقة.

هنا ظهرت المعارك الجانبية أو المعارك السياسية عن الهوية الحاكمة، وكأنما انتصرت الثورة، وحققت مارمت إليه شعاراتها من عيش إلى حرية إلى العدالة والكرامة، وذهب كل تيار إلى قطف ثمار لم تنضج، وغنائم لا وجود لها، وتركوا الثورة ومطالبها التي لم ينل منها سوى الحرية التي فقدوها عند سقوط يناير.

ومع الانخراط في العمل السياسي ظهرت إشكالات أخرى، حيث كان التيار العلماني في مصر مجرد أحزاب لا تملك من الشعبية سوى الشباب الذي يحمل أيديولوجيتها، وقيادتها الكهول أو العجائز، وهنا لم يكن أمام هذا التيار سوى التحالف مع أحد التيارات الدينية أو مع اليمين القومي المتمثل في العسكر، وهنا كان كل اختيار بهزيمة لهذا التيار وشرخ لثورة يناير السياسية.

أما التيار الديني فكان يحمل في طياته ثلاثة توجهات أخرى: التيار المعتدل، والتيار الراديكيالي، فأصبح الخلاف أوسع بين عداوة بين التيار العلماني، والتيار الديني، وعداوة بين التيار العلماني والديني والعسكر، والخصومة بين التيارات فيما بينها. فتحولت ثورة يناير إلى ثلاثة أجزاء، ما بين من حمى الثورة، وبين الثورة نفسها، وبين الحزب الوطني المهزوم، والذي كان في حالة تعافي مع كل معركة جانبية تخوضه الثورة المتفرقة، وكل أحداث لا تحمل سوى العنف وتوسيع الخلاف والعداوة، فكانت الهزيمة الثانية.

في الأخير تحولت ثورة يناير إلى مجموعة من المصالح، مصالح أيديولوجية في حال التيارين العلماني والديني، والمصالح الاقتصادية التى حمى الجيش الثورة لأجلها، ومصالح رجال أعمال الحزب الوطني الساعين إلى ملكهم الضائع، وبتحول الثورة إلى مسارها الضيق الذي حولها إلى مجموعة أحداث يملؤها العنف ضاعت الثورة ومطالبها وبقيت المصالح المتصارعة، والتي حسمها القوي، وانقض الجيش على الحكم، وهزم الجميع، وهنا خرجت يناير من المعادلة تمامًا، سواء بمعناها ومطالبها، أو حاملي لوائها، حيث فرقت القوة العسكرية والقمع الأمني التيارات السياسية، وبقيت الثورة في وسط صراع عدويها عليها في طرف المجلس العسكري، والطرف الآخر رجال أعمال الحزب الوطني، وهذه آخر هزائم يناير، والضربة القاضية التي أسقطتها تمامًا.

ستنتصر يناير إذا أحرقنا وزارة الدفاع ومكتب الإرشاد وكافة الهيئات العليا لكافة الأحزاب، وكافة قيادات جماعات الضغط السياسي، ستنتصر يناير إذا حمل همها كل فرد فيها، وإذا تناقشوا جميعًا يسمع كل فرد فيهم رأي كل فرد، ستنتصر يناير إذا عرفت عدوها وصديقها، ستنتصر يناير إذا عادت إلى مربع الثماني عشر يومًا قبل سقوط حسني مبارك بمطالبها الحقيقية ضد كافة أعدائها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يناير
عرض التعليقات
تحميل المزيد