بالطبع سيختلف معي كثيرون ويعلقون على ذلك العنوان، تارة سيقولون: لم نفهم، وتارة سيتقززون، ولعل بعضهم سيقول: ألم تجد عنوانًا وكلامًا غير هذا؟

ولكني أريد أن أكون واقعيًا بعض الشيء لعلي أوصل لكم معاناة بعض من أحبابنا وذوينا من معارضي الانقلاب، وحتى غيرهم من الجنائيين داخل سجون العسكر.

وفي البداية أريد أن أسألكم سؤالاً، هل تستطيع أن تتعرى ويظل عليك ملابسك الداخلية فقط أمام أحد؟ أظن أن ذلك من الممكن أن يحدث تحت ظرف من الظروف. لكن لا أظن أن أحدًا يقدر على قضاء حاجته على مرأى ومسمع ممن لا تعرفهم لمدة أيام بل أسابيع، وتكون المسافة الفاصلة بينك وبنيه، وأنتما بمكان الخلاء، قرابة المتر ونصف المتر فقط.

فبعد ما يقارب 13 ساعة من تحقيقات النيابة وحجزنا داخل سيارة ترحيلات بـ”ليمان طره” تلك المدة كنا نحو 50 فردًا، تحركت السيارة لا ندري إلى أين، كل ما أدركته بعد هذا ونحن فوق بعضنا من قوة فرامل السيارة حينها إني على وشك الانهيار. يظهر رقم السجن “992 طره” ينزلوننا عشرة تلو عشرة، وإذا بصوت الصراخ والضربات تعلو في الثانية بعد منتصف الليل تشعر حينها وأنت ما زلت داخل السيارة أن الجسد ينهار، لا تقدر على إخراج نفسك من بين ضلوعك وإذا بك تنزل من السيارة مسرعًا تهرول خوفًا من كف أو قدم يطولك.

يأمرونك بخلع ملابسك ويصادرون أموالك وملابسك ويحلقون لك شعرك – نعم لأول مرة أحلقه هكذا – وتلبس “بدلة” السجن وتساق إلى حتفك لا تعلم إلى أين أنت راحل وسط الظلام، فتسأل الشرطي “هل لي باتصال لأطمئن أهلي؟” فيجيبك: نعم يا حبيبي! أنت في “شديد الحراسة” أنت في العقرب يا حبيبي! فتسلم أمرك لله تحتسب عند الله في صمت خشية الضرب.

سجن العقرب “شديد الحراسة” لا أعلم للآن لماذا ساقني العسكر إلى هناك، وأنا الذي ليس لديه لا ملفات في أمن الدولة ولا شهرة شخصية ولا ناشط سياسي، كل من هنالك أني خرجت يوم مذبحة “رمسيس الثانية” أطالب بحريتي والمطالبة للقصاص لأكثر من 2000 شخص قضوا أمامي يوم أن كنت في مستشفى رابعة يوم المجزرة، رمتني الأقدار على هذا المكان الذي لم أر له مثيلًا إلى الآن، لا في درجة إحكامه التي لا تحتاج إلى حراس، ولا في درجة حرارته المرتفعة التي لا تغطيها المكيفات.

من المعروف عن “العقرب” أن كل زنازينه فردية طولها متران في ثلاثة، بحوض مياه وجوار الباب “قاعدة” لقضاء الحاجة، دخلنا ليس معنا أي شيء سوى “بدلة” السجن، بعضهم كان يخاف أن يخلعها حتى لا يعاقب، ولكن وفي شهر أغسطس فتك الحر بنا فتكًا فخلعنا كل ما علينا إلا من شيء يستر العورة المغلظة فقط، ووقت الصلاة نلبس شيئًا ساترًا ونصلي، تتوضأ وتصلي وتنام وتتغوط وتأكل في مكان واحد، بل فعلتها بعض مرات مع الشعور بالضيق وابتسامة السخرية من القدر في الوقت نفسه أن تأكل في نفس الإناء الذي تستعمله في الاستنجاء.

تظل شهرًا كاملًا تقضي حاجتك وتتعرى كلية وتغتسل “تستحم” على مرأى ومسمع من 4 أفراد كان كل نصيبهم أنهم ليسوا من المشاهير أو القيادات حتى لا يسجنوا انفراديًا، ويقضوا حاجتهم فيما سمي بـ”بيت الراحة” لا بيت العذاب.

لن أحدثكم عن الحالة النفسية لذلك التي أظن أن الجميع استشعرها، بالمناسبة لم نضرب ولم نعذب طيلة الشهر حقيقة، ولكن العذاب النفسي من قضاء الحاجة أمام الجميع وحدة عذاب فوق العذاب البدني، والتعري أمام الكل طيلة اليوم إلا من شيء يستر العورة.

هل من مبادرة تنقذ هؤلاء القوم القابعين في السجون؟

هل من تراجع للخلف ينقذ بعضهم من قضاء حاجتهم أمام بعض؟

هل من استرداد لإنسانية ضاعت في بلد ضاع فيه كل شيء؟

أنا لا أتحدث عن خنوع أو تراجع عن القصاص لدماء الشهداء حتى لا أفهم بالخطأ، ولكن ما أريد أن أقوله أن المعتقلين فقط من حقهم قضاء حاجتهم بعيدًا عن أنظار بعض!

وقتها علمت فقط أن الحبس الانفرادي أرحم بكثير من الاجتماع بالناس وقضاء الحاجة أمامهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد