نعم، الجماعة تحتاج إعادة تفوير. في الأفكار وليس بالضرورة في الأشخاص. لكن يبقى دائما السؤال: من؟

وتأتيك الإجابة التي يطلقها العدو قبل الصديق: (الشباب) طبعا!

العدو يقولها بسوء نية تمنيه بتمزق ونسف داخلي للجماعة. والصديق يقولها بحسن نية تختلط بسطحية الطرح الذي لن يجيبك أبدا عن سؤال: ما هي ضوابط وحدود كلمة (شباب) بالضبط؟!

المهم بعيدا عن هذه النوايا والإشكاليات، وتماهيا مع هذا الطرح الذي لم يبقَ أحدٌ لم يطرحه تقريبا، ذلك الحل السحري لكل مشاكل الجماعة: “فليتنحَ (العجائز) وليتقدم (الشباب)”!

فإذا سلمنا مثلا بأن فئة الشباب هي المنضوية تحت الشريحة العمرية (20 – 40)، فسنضطر أن نتتجاهل – مرغمين – تولي (الشباب) بالفعل الحراك الأرضي، ونتجاهل – مرغمين – وجود نسبة ضخمة من (الشباب) في الهيكلة الجديدة للجماعة حتى طالت مكتب الإرشاد. سنتجاهل كل ذلك ونسأل: وماذا يمنع الشباب من التقدم؟!

* * *

هنا أستدعي بتركيز – مما طُرح أمامي – أهم الأسباب التي تمنع غالب (الشباب) داخل الجماعة من محاولات التغيير:

1- منهم من يسيطر عليه تنزيه قرارات القيادة عن الخطأ!

2- ومنهم من يسيطر عليه الخوف – العاطفي – من شق صف الجماعة سيما في محنتها الحالية!

3- ومنهم من يطغى عليه احتياجه إلى الالتحام بجسد التنظيم؛ ليظل قادرًا على الاستمرار وسط هذه العواصف!

4- ومنهم من يتواكل مخدرا نفسه بدعوى “إخوانّا اللي فوق عارفين كل حاجة”!

5- ومنهم من يفزع من حملات التشهير والتخوين التي سيتعرض لها عند مخالفة المسار العام للجماعة!

6- ومنهم من لا يثق في قدرات الشباب حاملي نفس اتجاهه النقدي ورغبته التغييرية – وهذا الافتقاد للثقة ينطبق عليه ضمنيا -، فضلا عن استسلامه للقناعات السلبية المرتبطة بعملية التغيير مما جعله وأقرانه حبيسي مربعهم!

* * *

أرى أن الأسباب من (1) إلى (4) باتت قديمة وصار استدعاؤها مكررا ومملا!

أقول: قديمة؛ لأن غالبية أفراد الصف تجاوزوها فصار من النادر بعد الثورة – وسيما بعد الانقلاب العسكري – أن ترى ذلك الشاب الإخواني الذي يخشى الخروج عن المجموع أو الثورة على قرارات الجماعة فقط لأنه (يرى أن القيادة لا تخطئ أبدا) أو (خوفا من شق صف الجماعة) أو (خوفا من الانفصال عن الجماعة وعدم القدرة على الاستمرار بدونها) أو (اتكالا على أن “إخوانا اللي فوق عارفين كل حاجة”)!

نعم هذه الأسباب موجودة، لكن لم تعد هي المؤثر الأكبر ضد رغبات التغيير.

الحقيقة أن السببين (5) و(6) فقط هما الأكثر تأثيرًا مع التأكيد على أن الخامس (حملات التشهير والتشويه) يعتبر هامشيا خاصة أنه ينبع غالبا من أفراد صغار أو غير مسئولين ولا يصل أبدا إلى توجه رسمي تتبناه القيادة!

يبقى إذن السبب السادس ليكون هو العقبة الأساسية والمانع الحقيقي: قلة ثقة الشباب في قدراتهم من جهة، وفي بعضهم البعض من جهة أخرى، واستسلامهم للقناعات السلبية المرتبطة بالتغيير!

* * *

إذن فالسبب الرئيسي والمؤثر هو (الشباب) أنفسهم -أعني الفئة التي تدعي أن إزاحة القيادات هي الحل-، وهذا – إن أردنا الجانب الإيجابي من هذه الرؤية – يدل على أن الحل في أيديهم وليس في أيدي غيرهم سيما من القيادات. فلو كانت لديهم (حقا) إرادة التغيير وكانت لديهم (حقا) القدرات والكفاءات التي تغني عن تلك القيادات فلينطلقوا في تنفيذ مشاريعهم (العملية) على أرض الواقع، وليثقوا أن نجاح هذه المشاريع هو الذي سيفرض التغيير داخليًا نتيجة لاتساع القاعدة التي ستؤمن بأفكارهم التي خرجت من حيز التنظيرات والأوراق والخطط إلى أرض الواقع، وهذه القاعدة المتسعة يومًا بعد يوم هي التي ستغير الأفكار القديمة، ولا أقول القيادات القديمة!

أما الذين لا يدعون أنهم حاولوا ولكن (بيئة العمل العقيمة) داخل الجماعة لم تسمح لهم، فأقول لهم: إذا كنتم تثقون في أفكاركم وقدراتكم، فلماذا لا تؤسسون كيانًا جديدًا؟ لماذا لا ينشقون؟

وبالمناسبة ليس (الانشقاق) دائما علامة سوء.

ففي عالم الأحياء هناك أنواع كثيرة جدا من الكائنات الحية تتكاثر عن طريق التبرعم، وهو أن يبدأ برعم صغير في البروز من الكائن الأصلي ويستمد منه بعض مقومات الحياة ثم ينشق منفصلا عن الكيان الذي منحه الحياة، لا لشيء سوى ليؤسس لكيان جديد يُثري البيئة بحياة جديدة.

لكن – إن اخترتم الانشقاق – فتذكروا أن البرعم ينفصل دون إضرار بالكائن الأصلي، ودون أدنى انشغال بمحاولة إثبات أنه أفضل من الكائن الذي أمده قديمًا بأسباب الحياة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد