طوفوا حول الفقراء بدل طوافكم حول الكعبة

طوفوا حول الفقراء بدل طوافكم حول الكعبة، ولقمة في فم جائع خير من بناء ألف جامع! دائمًا ما نسمع هذه العبارات يرددها بعض العلمانيين ومن تبعهم عن علم أو جهل، مثل هذه الأساليب وغيرها يسلكها هؤلاء لغرض النيل من الدين والطعن فيه، ويستغلون عواطف الناس من خلال لعبهم على وتر الرحمة والرأفة ورقة قلوب المسلمين.

إن الدفاع عن الفقراء والإحساس بهم شيء عظيم، وهو من فطرة الإنسان السليمة التي فطر عليها، لا سيما في هذا الزمن الذي عظمت فيه الفوارق الإجتماعية، وكثر فيه عدد الفقراء بشكل كبير جدًا، فقد أفاد تقرير للبنك الدولي صدر في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 أن حوالي 767 مليون شخص يعيشون مع أقل من 1.9 دولار في اليوم، ويعلم كل باحث ولبيب أن هذا العدد الكبير من الفقراء هو نتيجة لسياسات كبرى تنهجها الدول والمؤسسات الإمبريالية التي تنهب خيرات شعوب العالم ومقدراتهم، فالطبيعة معطاءة بجود وإسراف، ولولا السياسات القذرة للمتحكمين في العالم لعاش كل الناس في رغد ورخاء، لأن هذه الأرض التي لم يشبع فيها 7 مليار شخص يمكن أن تتحمل 1000 مليار إنسان ويعيشوا على اليابسة بسلام وتكفي موارد الطبيعة لسد حاجاتهم، هذا ما يذكره ويل ديورانت في كتابه مباهج الفلسفة، ويضيف قائلًا: إن سمكة سلمون واحدة تضع أكثر من ألف بيضة! هذه هي خيرات الله ونعمه، ولكن، كلا، إن الإنسان ليطغى.

إذا علمنا هذا الأمر المبهر والمحير للعقل، علمنا أن مشكلة الفقر ليست مرهونة بتعطيل الحج والعمرة وإيقاف بناء المساجد، فهذه أمور دينية لا يمكن للمسلم أن يحيا بدونها، وحفظ الدين في الإسلام أول الضروريات، قبل حفظ النفس والعقل والعرض والمال، فلا يمكن أن نعطل ركن من أركان الإسلام بدعوى أن الأموال التي تجنى عن طريق هذه الشعيرة يأخذها قوم ويضعونها في غير صالح المسلمين، هذا شأنهم وحسابهم على الله، كما نسأله سبحانه أن يخلص الأمة من شرورهم التي استفحلت حتى صارت معظم الغارات التي تشن على الدين هم سببها المباشر أو غير المباشر.

إذا نظرت إلى جل أصحاب هذه الدعوى الشريرة المقولبة بقالب الخير تجدهم يتعاطون التدخين والخمر، وينفقون كثيرًا من أموالهم في أمور ثانوية كشراء الماركات الثمينة من الألبسة والأحذية والأجهزة الفاخرة.. لهؤلاء أقول: تعالوا بنا لنناقش معًا قضية التدخين فقط دون غيرها من الأمور التي تنفقون عليها أموالكم دون فائدة، لنرى هل هذه الأموال هي الأولى أن تنفق على الفقراء، أم أموال الحج وبناء المساجد؟

خلال شهر يونيو (حزيران) 2018، وفي العاصمة البولونية وارسو، عقدت جلسات لمنتدى النيكوتين العالمي، والتي أفادت أن عدد المدخنين في العالم يتجاوز واحد مليار مدخن، ينفقون 800 مليار دولار على شراء منتجات التبغ، أضف إليه ما أفصحت عنه منظمة الصحة العالمية من أن فاتورة العلاج من أمراض السرطان الناجمة عن التدخين هي 1.9 ترليون دولار، إذا جمعنا هاتين الفاتورتين سنحصل على 2.7 ترليون دولار، هذه التكلفة الضخمة التي تهدر على التدخين إذا قسمناها على عدد فقراء العالم الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم والذين يبلغ عددهم 767 مليون إنسان ستعطينا 3520 دولار، يعني ما يفوق 30 ألف درهم مغربي لكل فرد من هؤلاء الفقراء!

هذا في ما يتعلق بالتكلفة المالية للتدخين، أما إذا تحدثنا عن الخسائر في الأرواح فنجد أرقامًا خيالية، ففي كل ست ثوان يموت إنسان بسبب السجائر، وقد بلغ عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم بسبب التدخين خلال القرن الماضي 100 مليون شخص، وفي المغرب فقط يموت أزيد من 17 ألف شخص سنويًا بسبب التدخين حسب تقرير أطلس التبغ 2018 الذي أعدته الجمعية الأمريكية للسرطان بتعاون مع منظمة الصحة العالمية.

إذا فتكلفة التدخين وحدها تكفي للقضاء على الفقر، أما إذا أحصينا الأموال التي تهدر في ساحات القمار والمخدرات والليالي الصاخبة والدعارة.. وما يصرف على الخمور، واحتفالات رأس السنة الميلادية التي تصرف فيها الملايير على الألعاب النارية فقط دون الحديث عن الأشياء الأخرى.. فسنحصل على ميزانية تكفل العيش الرغيد لكل سكان الأرض.

فلماذا نرى هؤلاء البشر يوجهون أصابعهم إلى شعائر الإسلام ويعتبرونها مضيعة للمال الذي يجب أن ينفق على مستحقيه من الفقراء ولا ينبسون ببنت شفة في مثل هذا الفساد الذي ذكرنا؟ لماذا لا يحسون بالفقراء إلا عندما يرو مسجدًا يشيد؟ هل هذا حقًا دفاع عن الفقير أم هي حاجة في نفوس هؤلاء يريدون من ورائها تعطيل ما بقي من هذا الدين؟

من أراد أن يدافع عن حقوق الفقراء فليتوجه إلى من أكل أرزاقهم، واستنزف ثرواتهم، وحكمهم بالحديد والنار، أما دين الله فقد أعطى لكل ذي حق حقه، وهو منظومة متكاملة بصلاتها وزكاتها وحجها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

داء التفاهة
شارك 27
مجتمع
منذ 3 أيام
درس كرة القدم
مجتمع
منذ 4 أيام