شهدت العلاقات المصرية التركية إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي انفراجة واسعة لأسباب عديدة منها: رغبة القاهرة في ترميم شبكة علاقاتها الخارجية بعد إزاحة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتي كانت قد قُزمت، وتم اختزالها في عدد محدود من الدول ـ الدول الخليجية باستثناء قطر وأمريكا وحلفائها الغربيين ـ فضلًا عن رغبتها في إقامة علاقات اقتصادية قوية مع ثقل اقتصادي إقليمي كتركيا وتوجت هذه العلاقات بزيارة رئيس الوزراء التركي – آنذاك – رجب طيب أردوغان على رأس وفد يضم 14 وزيرًا و200 رجل أعمال إلى مصر يومي 17 و18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012؛ وتمخض عن هذه الزيارة توقيع اتفاقية بين الجانبين تقضي بإعطاء مصر قرضًا ميسرًا بقيمة مليار دولار، والتأكيد على أهمية التعاون لجذب الاستثمارات التركية ومضاعفتها لتصل إلى 5 مليارات دولار كما تم توقيع 27 اتفاقية ثنائية في عدة مجالات، لعل أهمها: التجارة والاستثمار، التعليم والصحة، البنية التحتية والنقل؛ وعلى الجانب الآخر حاجة تركيا إلى مصر، باعتبارها قطبًا عربيًا يمثل رقمًا صعبًا في معادلة توازنات المنطقة، وكسب هذا النظام الجديد، والذي يحمل أفكارًا قريبة من أفكار النظام القائم في تركيا، فكلاهما ينتمى لفكر جماعة الإخوان المسلمين بشقيه الأيديولوجي والتنظيمي.

وعندما اندلعت ثورة الشعب المصري على نظام الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو (حزيران) 2013 وتم الإطاحة بحكمه؛ دخلت العلاقات بين القاهرة وأنقرة منعطفًا خطيرًا قد يكون الأول في تاريخ العلاقات بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية على إثر اعتراف تركيا باستقلال سوريا عقب انهيار الوحدة المصرية السورية عام 1961؛ حيث تبنى النظام التركي سياسة معادية للترتيبات الجديدة التي اعقبت ثورة 30 يونيو (حزيران) وإعلان القوى الوطنية بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو (تموز) لخارطة الطريق التي تقضي بإزاحة مرسي ونظامه من الحكم؛ ما اعتبره النظام التركي انقلابًا، قام به الجيش على الرئيس المنتخب.

وبعد تكرار التصريحات التي اعتبرتها القاهرة استفزازية من جانب النظام التركي بقيادة أردوغان؛ قامت القاهرة باستدعاء السفير التركي إلى مقر وزارة الخارجية وإبلاغه استياء مصر من التصريحات التركية تجاه الأوضاع الجديدة في مصر، ولكن شيئًا لم يتحسن؛ ما دفع إلى طرد السفير التركي طبقًا لتصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية لمصرية بدر عبد العاطي في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013؛ وفي ردة فعل على هذا التصرف استدعت الخارجية التركية القائم بالأعمال المصري لديها، وأبلغته بأنه شخص غير مرغوب فيه، وهو ما يعني دبلوماسيًا – طرد المبعوث الدبلوماسي الممثل لدولته.

وشهدت القمة الإسلامية الأخيرة التي عقدت في إسطنبول في 14 إبريل (نيسان) 2016، والتي كان من المزمع أن تسلم فيها مصر رئاسة القمة إلى تركيا تبادلًا للتجاهل بين الطرفين؛ حيث لم يحضر الرئيس السيسي القمة، وألقي الكلمة نيابة عنه وزير الخارجية سامح شكري، والذى لم يشر إلى تركيا في خطابه، ولم يحيي رئيسها، ولا وزير خارجيته، الذي كان يجلس بجانبه؛ وكانت ردة الفعل التركية أيضًا بنفس الدرجة من التوتر، حيث لم يشكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصر لرئاستها القمة السابقة، ولم يوجه التحية للمسئولين المصريين كما جرت العادة في هذه المناسبات.

وفى مساء 15 يوليو (تموز) 2016 قامت مجموعة من الجنرالات داخل الجيش التركي بالإعلان عن تسلم زمام الحكم في تر كيا، وأكدوا في بيان لهم أنه تم تعيين مجلس سلام لقيادة السلطة في البلاد، وتعليق العمل بالدستور، وفرض الأحكام العرفية على كامل أراضي الدولة؛ ثم ما لبس أن أعلن الرئيس التركي ونظامه فشل الانقلاب وتعقب العسكريين المتورطين فيه.

جاء ردة الفعل المصرية على مستويين : أولًا المستوى الرسمي: اعترضت مصر – وهي العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي في دورته الحالية – على عبارة: ضرورة احترام الحكومة المنتخبة ديموقراطيًا بتركيا، في بيان مجلس الأمن المقترح أمريكيًا للتنديد بالمحولة الانقلابية في تركيا؛ ما آثار حفيظة الأتراك.. وعلى المستوى غير الرسمي جاء دور الإعلام المصري في التهليل والتصفيق للمحاولة
التي لم تكن بعد قد تم التأكد من نجاحها من عدمه ليزيد التوتر بين البلدين.

وبعد هذا العرض لأهم المحطات التي مرت بها العلاقات بين البلدين عقب ثورة 25 يناير ؛ يمكن توضيح أهم المقومات للعلاقة بينهما، وكذلك أهم التحديات التي تعيق عودة العلاقات بين البلدين على النحو التالي:

مقومات العلاقة بين البلدين:

1- المقوم الاقتصادي: يعد هذا المقوم الأكثر دفعًا للعلاقات بين البلدين إلى مزيد من التقارب والتجاذب؛ فبنظرة سريعة إلى الأرقام والإحصاءات التي تعبر عن هذا المقوم نجد أنه ووفقًا للأرقام الصادرة عن وزارة التجارة والصناعة، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين يقدر بنحو أكثر من 3 مليارات دولار؛ كما يقدر حجم الصادرات المصرية لتركيا، بنحو 1،5 مليار دولار، بينما بلغ عام 2010 حوالي مليار دولار، أي بزيادة قدرها 500 مليون دولار، والتي تتمثل في السماد والرمال والكيماويات والملابس الجاهزة والملح والبولي إثيلين؛ كما بلغت الواردات المصرية من تركيا خلال عام 2011 حوالي 2.6 مليار دولار، في حين كانت عام 2010 حوالي 1.9 مليار دولار، قرابة ٢٪ من إجمالي الصادرات التركية؛ وتأتي على رأسها السيارات والحديد والخضر والفواكه والمنسوجات، وهو ما يعني تفوق تركيا في الميزان التجاري بين البلدين؛ وعلى صعيد المساعدات الاقتصادية؛ قدمت تركيا حزمة من المساعدات لمصر في أكتوبر (تشرين الأول) ٢٠١٢ بلغت ٢ مليار دولار: مليار دولار منحة لا ترد من أجل تمويل الواردات المصرية من تركيا، ومليار دولار قرضًا من أجل تحسين أوضاع الاحتياطي من النقد الأجنبي؛ كما قدرت الأرقام الواردة من وزارة التجارة والصناعة المصرية حجم الاستثمارات التركية في مصر بنحو5 مليار دولار، تحتل بها تركيا المرتبة رقم 47 ضمن قائمة أهم الدول المستثمرة في مصر، من خلال المصانع التركية في المناطق الصناعية بمدن 6 أكتوبر وبرج العرب ؛ فضلًا أن عدد العاملين المصريين في المنشآت الصناعية التركية الموجودة بالمناطق الصناعية بمدن 6 أكتوبر وبرج العرب التي ترتكز فيها المصانع التركية، والتي يبلغ عددها ٤١٨ منشأة صناعية، يقدر بـ ٥٢ ألف عامل؛ وحسب بيانات صادرة عن وزارة السياحة المصرية، فإن أعداد المصريين الذين يسافرون إلى تركيا سنويًا يقدر بـنحو 60 ألف سائح مقابل عدد قليل لا يتجاوز الـ10 آلاف من السائحين من تركيا إلى مصر ؛ فضلًا عن اكتشاف الغاز في شرق البحر المتوسط وإمكانية تحويله إلى أوروبا عبر تركيا، وحاجة مصر الاقتصادية في ظل الظروف الراهنة تحتم عليها النظر إلى كل هذه الاعتبارات عند تقييم علاقاتها مع تركيا.

2- المقوم الاستراتيجي: مصر دولة محورية في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط نظرًا لموقعها الجغرافي المميز، وتاريخها المديد، ودورها الريادي القائد في المنطقة لعشرات السنين، فضلًا عن امتلاكها لجيش وطني قوي ومؤسسات دولة عتية وشعب كبير نسبيًا مقارنة بتعداد السكان لشعوب المنطقة لذا فمن مصلحة تركيا ألا تخسر هذا القطب الإقليمي؛ وعلى الجانب الآخر، فإن تركيا دولة مهمة في المنطقة لها موقع جغرافي مميز، ويعد المدخل الجنوبي الشرقي لأوروبا، فضلًا عن امتلاكها شعبًا كبيرًا وقوة عسكرية معتبرة وتورطها في العديد من ملفات المنطقة؛ ما جعلها مفتاح للعديد من هذه الملفات، وعلى رأسها الأزمة السورية، ثم الليبية واليمنية والفلسطينية.

3- المقوم الثقافي والاجتماعي: الشعبان المصري التركي لهما أصول عميقة وحضارة تمتد لآلاف السنين في عبق التاريخ، وكلاهما شعبان أغلبيتهما مسلمون، يميلان إلى التدين السمح الذي ينبذ التطرف والتشدد، فضلًا عن امتلاك الشعبين لإرث مدني علماني أصيل عرفه
الشعب المصري بعد تولى محمد علي وتكوينه للدولة المدنية الحديثة، وعرفه الشعب التركي مع تولي كمال أتاتورك السلطة، وإعلان الجمهورية في بلاده.

4- برجماتية السياسة الخارجية التركية: المتابع للسياسة الخارجية التركية يلاحظ أنها تقوم بالأساس على العلاقات النفعية، وأن لا مكان فيها للأيديولوجيا – على الأقل قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، وتورط تركيا فى عدد من ملفات المنطقة، وعلى رأسها الأزمة السورية؛ فشرعية نظام أردوغان تقوم بالأساس، ليس لكونه يعبر عن الرئيس المسلم بقدر ما يعبر عن نهضة نقلت بلاده لتكون إحدى الدول العشرين المتقدمة اقتصاديًا؛ وهذه البرجماتية ظهرت جلية قبيل المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو (تموز)؛ حيث استأنفت تركيا علاقاتها مع روسيا بعد انقطاع، فضلًا عن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل؛ بالإضافة إلى تصريحات رئيس وزرائها، والذي أعرب عن ترحيبه باستئناف العلاقات بين بلاده، والقاهرة كما التقى وزير العمل والضمان الاجتماعي التركي سليمان صويلو بنظيره المصري محمد سعفان على هامش الاجتماع الوزاري للعمل، والتوظيف لدى مجموعة دول العشرين الذي عقد في بكين بناء على طلب الوزير التركي الذى أبدى رغبته في استعادة العلاقات بين البلدين طبقًا لما ذكره هيثم سعد الدين – المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل المصرية للشرق الأوسط في 19 يوليو (تموز) 2016؛ كما التقى القائم بأعمال السفير التركي في القاهرة علي رضا جوناي، مع عدد من قدامى المحررين الدبلوماسيين في 25 يوليو (تموز) 2016، شرح فيها ملابسات المحاولة الانقلابية الفاشلة، وكذلك أكد على أن الشعبين التركي والمصري، تربطهما علاقات قوية وممتدة، متمنيًا عودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها؛ فضلًا عن تأكيد القائم بالأعمال التركي في القاهرة بأن الإشارة التي رفعها أردوغان لم تكن تعبر عن رابعة – التي تشير إلى الميدان الذي اعتصم فيه المعارضون لـ 30 يونيو (حزيران)، وما جاء على إثرها من ترتيبات جديدة – وإنما يقصد بها دعائم الدولة التركية الأربعة طبقًا لما ذكره الإعلامي أحمد المسلماني في برنامجه الطبعة الأولى بتاريخ 25/7/2016؛ كما أن الأحداث الأخيرة في تركيا أدت إلى انكفاء النظام الحاكم فيها على الداخل لترتيب البيت التركي، وليس من المبالغة أن هذه المحاولة ستؤدي إلى انحسار الدور التركي إقليميًا بشكل كبير.

بالإضافة إلى حاجة اردوغان ونظامه إلى حلفاء جدد بعد الفتور الذي شهدته العلاقات التركية الغربية، الأمريكية والأوروبية، على إثر اتهام النظام التركي الولايات المتحدة والغرب لدعم الانقلاب عليه، وما أعقبها من إجراءات اعتبرها الغرب غير ديموقراطية، وتتناقض مع قناعات الغرب، وخاصة مع سعي تركيا، الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ وقد بدا ذلك جليًا في معدل سرعة التقارب التركي إلى روسيا، والذي توج بزيارة أردوغان إلى سان بطرسبيرج للقاء فلاديمير بوتين في 9 أغسطس (آب) 2016؛ والذي يشير إلى أن تقاربات أخرى قد يمضي إليها النظام التركي، وبالتأكيد منها التقارب مع القاهرة.

ولقد جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حول إمكانية عودة العلاقات مع مصر لتبرهن على نية الأتراك حيال ذلك؛ وقد لاقت هذه التصريحات تعجبًا من الجانب المصري؛ حيث أعرب وزير الخارجية سامح شكري عن تعجبه إزاء تصريحات الوزير التركي، والتي رأى أنها تحوي مواضع إيجابية تشير إلى وجود رغبة لدى الحكومة التركية لتحسين العلاقات مع مصر، وفي الوقت نفسه تحمل تناقضًا يدعو إلى الاستغراب؛ لكن على كل حال هي دليل دامغ على رغبة الأتراك في استئناف العلاقات مع مصر.

5- المقوم الإقليمي الضاغط: تمر المنطقة بحالة من الغليان بعد ثورات شعوبها ضد الأنظمة الحاكمة في 2011؛ وهذه الحالة أفضت إلى خلق توازنات جديدة وتهديدات جديدة لم تكن من قبل؛ فالإرهاب والتدخلات الخارجية ومحاولات تفكيك الدول والتهديدات الإيرانية أصبحت التحديات الكبرى لدي دول المنطقة ؛ فالتدخلات الإيرانية في المنطقة وبسط نفوذها على عواصم بعض دول المشرق العربي جعل المملكة السعودية تنتفض لفك هذا الطوق عن طريق تحالف سني، تمثل مصر وتركيا أهم أركانه؛ وهنا تأتى المملكة كجسر يمكن للبلدين أن يلتقيا من خلاله؛ نظرًا لقوة علاقة السعودية بكلتا الدولتين، والتي تصل للتحالف؛ فضلًا عن أن الدولتين يواجهان تحدي الإرهاب، فمصر تحارب الإرهاب على أرضها، وتركيا عضو في التحالف الضارب لداعش في سوريا وتحارب الإرهاب على أرضها أيضًا من داعش والمجموعات الكردية الخارجة عن الإجماع الوطني التركي.

التحديات التي تعيق تطور العلاقة بين البلدين:

1- إصرار النظام التركي على التمسك باعتبار ما اتفق عليه جموع المصريين من ترتيبات بعد الثلاثين من يونيو (حزيران)، والثالث من
يوليو (تموز)  2013، بأنه انقلاب، وتكراره تلك التصريحات في العديد من المناسبات والمحافل، دونما أي اعتبار لمصالح البلدين والشعبين التي هي أعلى وأهم من أي اعتبار أيديولوجي ضيق كونه عضوًا في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي يمثل حزب العدالة والتنمية التركي أحد فروعه.

2- استمرار دعم وإيواء الفارين من العدالة المصرية في تركيا؛ وهو أحد أبرز الملفات التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين؛ حيث إن عددًا كبيرًا من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معهم يتخذ من تركيا مقرًا ومنصة إعلامية له.

3- تعارض وجهات النظر بشأن بعض الملفات الإقليمية: ففي الملف السوري تمثل تركيا أحد أهم أعمدة التحالف الذي يدعم المعارضة السورية ووجوب الإطاحة بنظام بشار الأسد، وفى المقابل تقف القاهرة على خط المنتصف وتؤكد دعمها للشعب السوري وخياراته، وإن كان هذا يحمل ضمن معانيه تأييدًا لبشار الأسد على الأقل من وجهة النظر التركية؛ وفي الملف الفلسطيني، تمثل تركيا أحد أهم الداعمين لحركة حماس في الوقت الذي تنظر فيه القاهرة بعين الريبة تجاه هذه الحركة والتهديد الأمني الذي تمثله، وفي الملف الليبي: تدعم تركيا ما يعرف بحكومة طرابلس في الوقت الذي تدعم فيه مصر حكومة طبرق.

4- الإعلام في البلدين: يلعب الإعلام دورًا سلبيًا في تشويه العلاقة بين البلدين؛ فما قام به الإعلام المصري بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز)، لا يعبر إطلاقًا عن إعلام مسئول، بل إنه يعمل
ضد مصالح الدولة والشعب المصري، وكذلك وسائل الإعلام الموالية للنظام التركي التي لا تصف ما حدث في مصر، ولا ما أعقب ذلك إلا بأنه انقلاب عسكري.

5- إصرار المسئولين الأتراك على اعتبار محاولة الوفد المصري في مجلس الأمن تغيير عبارة: ضرورة التمسك بالحكومة المنتخبة ديموقراطيًا، في بيان مجلس الأمن، بأنها ذات مغزى – في إشارة إلى أنها محاولة كيدية من المصريين ضد نظام أردوغان المعادي للنظام المصري – بالرغم من تصريحات دبلوماسيين بأن الوفد فقط أصر على التأكيد على احترام القانون والمبادئ الدستورية، كما أن تصريحات وزير خارجيتهم الأخيرة حول عودة العلاقات مع مصر ربطها باحتضان القاهرة للرؤية التركية حول المحاولة الانقلابية في بلادهم؛ ما دفع بالوزير سامح شكري لاستهجان مثل تلك التصريحات، والتي رأى إنها تبغي تطويع إرادة المصريين.

ما زالت العلاقة بين الدولتين في وضع قد لا ينبئ بانفراجة عاجلة، لكن مؤشرات عديدة تدلل على رغبة تركيا في إعادة قراءة توجهاتها الخارجية والعودة إلى سياسة تصفير المشكلات التي دشن لها رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو، والتي بدأت قبيل المحاولة الانقلابية في تركيا بعد المصالحة مع روسيا، والتطبيع مع إسرائيل، والحديث عن استعادة العلاقات الاقتصادية مع مصر ، فالواقع أن تركيا بإدارتها لملفات السياسة الخارجية بناء على أفكار أيديولوجية تعبر عن فكر جماعة الإخوان المسلمين والزعامة الإقليمية وأفكار العثمانية الجديدة فقدت حلفاءها في المنطقة، وكان لزامًا على

أردوغان ونظامه أن يقوم بمراجعات لهذه السياسات، كما جاءت المحاولة الانقلابية تلك لتجعل الأتراك منشغلين بهموم الداخل كما كشفت أن الغرب لا يمكن الاعتماد عليه دائمًا، وإنهم بحاجة إلى أصدقاء جدد، ولعل زيارة أردوغان إلى سان بطرسبرج لإشارة قوية بأن البرجماتية – النفعية والمصلحية – وحدها كانت وما زالت المحدد الرئيس للسياسة الخارجية التركية كما لم يوفق الإعلام المصري في تناوله لأحداث المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا مساء 15 يوليو (تموز) 2016، والتي كانت فرصة ذهبية لإمكانية استئناف العلاقات بين الدولتين إذا ما أدينت هذه المحاولة من قبل السلطات المصرية – أو على الأقل صمت الشامتين في الإعلام ؛ كما جاء تصريح وزير الخارجية التركي الأخير بخصوص عودة العلاقات مع مصر ليدلل على توجه تركيا نحو استئناف علاقاتها مع القاهرة، وإن كان التصريح جاء ناقصًا باشتراطه قبول مصر للرؤية التركية تجاه التطورات السياسية الحاصلة في بلادهم. وعلى كل حال هي بادرة مضيئة على طريق عودة العلاقات بين البلدين.

فالعلاقات الدولية لا تحكمها إلا المصالح والمنافع، ولا يوجد في السياسة صديق دائم أو عدو دائم؛ فصديق اليوم هو عدو الغد، وعدو الغد هو صديق اليوم، والمكسب في العلاقات الخارجية يكون بكسب الأصدقاء، وليس بالمقاطعة والرفض، هناك رغبة تركية قوية في استعادة العلاقات مع مصر، ومن المناسب أن يبدأ استئناف العلاقات بالجوانب الاقتصادية فالعلاقات الاقتصادية تمهد وتذلل العبقات السياسية.

كما تجدر الإشارة إلى أن مجمل التوتر الحاصل بين القاهرة وأنقرة يكمن في شخص أردوغان الذى عليه أن يغير من نظرته الأيديولوجية، وهو ما بدأ فعليًا، وأن تذلل تركيا العقبات التي تقف في وجه استئناف العلاقة بين البلدين لمصلحة كلا الشعبين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمريكا, تركيا, قطر
عرض التعليقات
تحميل المزيد