ﻟﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺟﻌﻞ ﻟﻪ ﺍﻷﺭﺽ ﺩﺍﺭًﺍ ﻟﻠﻌﺒﻮﺭ إلى الآﺧﺮﺓ؟ ﺃﻭﺿﺢ ﻟﻪ ﻣﻌﺎﻟﻤ ﻭﺧﻄﻮﻃًﺎ ﺗﺘﻼﺋﻢ ﻣﻊ ﻓﻄﺮﺗﻪ ﺍلمكنونة، ﻭﻛﻴﺎﻧﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﻤﻠﻪ ﻣﻦ ﺷﻌﻮﺭ، ﻭﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺤﻤﻠﻪ ﻣﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﻭﻣﻀﻤﻮﻥ. ﻭﺇﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺧﻠﻄًﺎ ﻭﺍﻟﺘﺒﺎﺳًﺎ ﻋﻈﻴﻤًﺎ، ﻭﻓﻬﻤًﺎ ﻓﺎﺷﻼً ﻳﻨﺎﻗﺾ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ، ﻭﻳﺼﻄﺪﻡ ﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻓﻲ ﻣﻼءمته ﻟﻠﻔﻄﺮﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻳﻔﺼﻞ ﺍﻟﻜﻴﺎﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﻟﺸﻄﺮﻳﻦ، ﻭﻳﻤﺰﻕ ﺗﻜﺎﻣﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺗﺴﺘﻘﻴﻢ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﻻ ﺑﻪ، ﺇﻧﻪ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻷﺣﻤﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ أﻭ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻓﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻌﺘﺒﺮﻭﻥ ﺃﻥ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻻ ﺗﺼﺎﺣﺒﻪ ﺗﻜﺎﻟﻴﻒ، ﻭﻻ ﺗﺠﺎﺭﻳﻪ ﺳﻨﺔ ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍلاﻋﺘﺒﺎﺭ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ، ﻭﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﺴﺘﺤﻴﻠﺔ، ﻷﻥ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻳﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﻻ ﺗﺴﺘﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺍﻟﺴﻮﻳﺔ، ﺇﻻ ﺑﻜﻠﻴﻬﻤﺎ ﻣﻌًﺎ.

ﺇﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﺌﺔ ﻣﺨﺘﺼﺔ ﻓﻲ ﺗﻀﻠﻠﻴﻦ ﺍﻷﻣﺔ، ﻣﺨﺘﺼﺔ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ الاﺳﺘﺒﺪﺍﺩ، ﺗﺸﻮﻩ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻥ ﺷﻌﻮﺑﻨﺎ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺳﺘﺒﺪ ﺍﻟﺤﻜﻢ، ﻭﻧﻬﺐ ﺛﺮﻭﺍﺕ ﺍﻷﻣﺔ، ﻭﺍﻧﺘﻬﻚ ﻣﻘﺪﺭﺍﺗﻬﺎ، ﻭﻗﺘﻞ ﺷﻌﻮﺑﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﺩﻭﺭ أوﻟﺌﻚ ﺍﻟﻤﻀﻠﻠﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﻨﻌﻮﺍ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻟﺮﻛﻮﻥ، ﻭﻳﺜﺒﻄﻮﻫﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺎﺗﻬﻢ ﻭﺩﻣﺎﺋﻬﻢ باﺧﺘﻼﻕ ﺩﻋﺎﻭﻯ ﻣﺰﻭﺭﺓ ﻣﻜﺬﻭﺑﺔ ﻣﻐﺸﻮﺷﺔ ﺗﻔﺘﻘﺪ ﻷﺩﻧﻰ ﺃﺑﺠﺪﻳﺎﺕ ﺍﻹﻗﻨﺎﻉ، ﻓﻤﺜﻼً ﻳﺮﺩﺩﻭﻥ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ: ﻭَﻟَﻮْ ﺃَﻥَّ ﺃَﻫْﻞَ ﺍﻟْﻘُﺮَﻯٰ ﺁﻣَﻨُﻮﺍ ﻭَﺍﺗَّﻘَﻮْﺍ ﻟَﻔَﺘَﺤْﻨَﺎ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢ ﺑَﺮَﻛَﺎﺕٍ ﻣِّﻦَ ﺍﻟﺴَّﻤَﺎﺀِ ﻭَﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ﻭَﻟَٰﻜِﻦ ﻛَﺬَّﺑُﻮﺍ ﻓَﺄَﺧَﺬْﻧَﺎﻫُﻢ ﺑِﻤَﺎ ﻛَﺎﻧُﻮﺍ ﻳَﻜْﺴِﺒُﻮﻥَ ‏( ﺍلأﻋﺮﺍﻑ 96 ‏)، ﺇﻥ ﺍلآﻳﺔ ﺑﻜﻞ ﻭﺿﻮﺡ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ أﻥ الإيمان ﻭﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﺳﺒﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺯﻕ، ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ؟ ﻭﻫﻞ ﻫﺬﻩ ﺍلآﻳﺔ ﻓﻌﻼً ﺣﺠﺔ ﻟﻠﺮﻛﻮﻥ ﻟﻠﻈﻠﻢ؟ ﻭﻫﻞ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻫﻮ ﺍلاﺳﺘﺴﻼﻡ ﻭﺍﻟﺠﺒﻦ؟ ﺇﻥ ﺍﻟﻐﺮﺍﺑﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ أﻥ ﻫﺅﻻﺀ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻳﻮﺭﺩﻭﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﻋﺪﻡ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﺤﻜﺎﻡ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ، أﻣﺎ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ، ﻭﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻤﻦ ﺳﻮﺍﻩ ﻭﻗﻮﻝ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﻣﻦ ﺣﻘﻖ ﺫﻟﻚ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻜﻴﻦ ﻟﻈﻠﻢ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﺗﻮﺍﺑﻊ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺇﻧﻜﺎﺭﻩ ﻭﺩﺣﺮﻩ ﻭﻣﺠﺎﻫﺪﺗﻪ، ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻫﻮ ﺳﻢ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻗﺼﺮ ﻧﻈﺮ ﻋﻤﻴﻖ، ﻭﻓﻬﻢ ضحل ﺧﺮﺏ طبيعة ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭأﺑﺠﺪﻳﺎﺗﻪ ﻭﺭﻛﺎﺋﺰﻩ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻟﻌﺪﻝ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎﻓﻰ ﺗﻨﺎﻓﻴًﺎ ﺻﺮﻳﺤًﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻌﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﻓﺴﺎﺩًﺍ.

ﻟﻘﺪ ﺩﻣﺞ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻲ ﺧﻄﺎﺑﻪ ﺑﻴﻦ ﺛﻨﺎﺋﻴﺎﺕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺗﺘﻼءم ﻭﺗﺘﺴﻖ ﻣﻊ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻓﻠﻢ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻣﺜﻼً ﻋﻦ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻭﺣﺪﻩ، ﺑﻞ ﺑﻤﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺗﺤﺪﺙ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻮﺿع ﺣﺪًﺍ ﻟﻠﺴﺎﺭﻗﻴﻦ أﻳﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺤﻜﻮﻣﻴﻦ ﺃﻭ ﺣﺎﻛﻤﻴﻦ، ﻭﻻ ﻳﺴﺘﺜﻨﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﻓﺌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﻣﺘﻰ ﻣﺎ ﻭﻗﻌﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﻡ، ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻟﻢ ﻳﺪﻉ ﻣﺠﺎلًا للاﻧﺘﻬﺎﺯﻳﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﺮﻗﻮﻥ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﺛﻢ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻟﻬﻢ ‏(ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻣﻦ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ‏)، ﻧﻌﻢ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﻣﻦ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ: ﻭَﺍﻟﺴَّﺎﺭِﻕُ ﻭَﺍﻟﺴَّﺎﺭِﻗَﺔُ ﻓَﺎﻗْﻄَﻌُﻮﺍ ﺃَﻳْﺪِﻳَﻬُﻤَﺎ ﺟَﺰَﺍﺀً ﺑِﻤَﺎ ﻛَﺴَﺒَﺎ ﻧَﻜَﺎﻟًﺎ ﻣِّﻦَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ۗﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻋَﺰِﻳﺰٌ ﺣَﻜِﻴﻢٌ ‏(ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ 38‏)، ﻭﻫﻨﺎ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺗﻔﻌﻴﻞ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺗﺘﺴﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ، ﻓﻼ ﻧﻘﺘﺺ ﻣﻨﻪ ﻣﺎ ﻳﻮﺍﻓﻖ أﻫﻮﺍﺀﻧﺎ، ﻭﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻪ ﺟﻤﻠﺔ، ﻻ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺠﺰﺀ ﻭﺍﻟﻜﻔﺮ ﺑﺎﻵﺧﺮ.

ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻗﺪ أﻟﺤﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻌﻤﻞ ﻭﺗﻜﺎﻟﻴﻒ ﻭﻣﺴﺆوﻟﻴﺎﺕ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻳﺘﻼءم ﻣﻊ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻄﺒﻴﻌﺘﻬﺎ ﺗﻨﺒﺬ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻭﺗﻘﺎﻭﻣﻪ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻛﻞ ﺩﺍﻋ ﻟﻠﺘﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ ﻣﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺍﻟﻈﺎﻟﻤﻮﻥ، ﻓﻬﻮ ﺇﻣﺎ ﻣﺨﺘﻞ ﻓﻲ ﻓﻄﺮﺗﻪ ﻭﻋﻘﻠﻪ، ﻭﺇﻣﺎ ﻫﻮ ﻇﺎﻟﻢ ﻣﻦ ﺃﻧﺼﺎﺭ ﺍﻹﻓﺴﺎﺩ ﻭﺍﻟﻔﺴﺪﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻟﻴﺲ ﻣﺆﻣﻨًﺎ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺣﻖ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﺳﻜﺖ ﻋﻠﻰ ﻇﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻌﻜﺲ؛ ﻷﻥ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻳﺪﻓﻊ ﻹﺯﺍﻟﺔ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻻ ﻟﺘﻜﺮﻳﺴﻪ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺮْﻛَﻨُﻮﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻇَﻠَﻤُﻮﺍ ﻓَﺘَﻤَﺴَّﻜُﻢُ ﺍﻟﻨَّﺎﺭُ ﻭَﻣَﺎ ﻟَﻜُﻢ ﻣِّﻦ ﺩُﻭﻥِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻣِﻦْ ﺃَﻭْﻟِﻴَﺎﺀَ ﺛُﻢَّ ﻟَﺎ ﺗُﻨﺼَﺮُﻭﻥَ ‏(ﻫﻮﺩ 113‏).

ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ ﺳﻴﺪ ﻗﻄﺐ ﻣﻘﻮﻟﺔ ﺟﻤﻴﻠﺔ

‏(ﻻ ﺇﻳﻤﺎﻥ ﺑﻼ ﻋﻤﻞ ﻭﻻ ﻋﻤﻞ ﺑﻼ ﺇﻳﻤﺎﻥ، ﺍﻷﻭﻝ ﻣﺒﺘﻮﺭ ﻟﻢ ﻳﺒﻠﻎ ﺗﻤﺎﻣﻪ، ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻘﻄﻮﻉ ﻻ ﺭﻛﻴﺰﺓ ﻟﻪ، ﻭﺑﻬﻤﺎ ﻣﻌًﺎ ﺗﺴﻴﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻠﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﻗﻮﻡ‏)، ﺇﻥ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻴﻪ ﻗﻄﺐ ﻫﻮ اﻣﺘﺰﺍﺝ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺗﻜﺎﻟﻴﻔﻬﺎ، ﻭﺗﺨﻠﻴﺺ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺍﻟﻤﺸﻮﻩ ﺍﻟﻤﺒﺘﻮﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﻟﺪ ﺍﻟﺪﺭﻭﺷﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﻜﻨﺔ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺮﺩ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻋﻦ ﺃﻱ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺗﻀﺎﺭﺑﺎﺗﻬﺎ.

ﻟﻘﺪ ﺟﺎﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻟﻴﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﻭﻳﺆﺳﺲ ﺍﻟﻜﻴﺎﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ، ﻭﻟﻴﺲ ﻟﺪﻳﻦ ﺟﺎﺀ ﻟﻴﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺃﻥ ﻳﺒﺘﺮ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻋﻦ ﻭﺍﻗﻊ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ ﻭﻣﺸﻜﻼﺗﻬﺎ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ: ‏(ﺇﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺃﺭﻓﻊ ﻣﺮﺍﺗﺒﻪ ﻟﻴﺲ ﺇﻻ سعيًا ﻭﺭﺍﺀ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﻋﻈﻢ)، ﻧﻌﻢ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺳﻌﻲ ﻭﺭﺍﺀ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﻋﻈﻢ، ﺣﻴﺎﺓ ﻳﺘﺄﺳﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﻭﺗﻘﻮﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ، ﺣﻴﺎﺓ ﻳﺤﺎﺭﺏ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻭﺗﻘﺎﻭﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﻔﺎﺳﺪ، ﺣﻴﺎﺓ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻛﺮﻳﻤًﺎ ﻣﻜﺮﻣًﺎ ﻻ ﻣﻬﻴﻨًﺎ ﻣﺬﻟًﻼ.

ﺇﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺟﺎﺀ ﻟﻤﺰﺝ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻧﺴﺎﻧًﺎ، ﻭﺇﻥ ﻛﻞ ﻓﺼﻞ ﻹﻳﻤﺎﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻦ ﻭﺍﺟﺒﺎﺗﻪ ﻭﺗﻜﺎﻟﻴﻔﻪ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺗﻔﻜﻴﻚ ﻟﻠﻜﻴﺎﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﻭﺗﻤﺰﻳﻖ ﻟﺨﺼﺎﺋﺼﺔ، ﻓﺎﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻳﺒﺘﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻟﺸﻄﺮﻳﻦ، ﻭﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻟﻴﺲ ﻣﺆﻣﻨًﺎ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻌﻤﻞ، ﻭليس ﻋﺎﻣًﻼ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺆﻣﻦ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد