في قصة خلق الإنسان التي ذكرت في القرآن الكريم عديد المرات بصيغ مختلفة وأنماط سردية متنوّعة أجمعت كلها على أن الإنسان كائن مفسد في الأرض لا يمكن له بناء حضارة إنسانية بسبب إفساده في الأرض وسفكه للدم. كلما ذكر القرآن الإنسان أردف له أوصاف الظلم والجهل «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» (الأحزاب 72) أما حين يذكر القرآن بني آدم فنجده يرفق لهم أوصاف التكريم والتفضيل لهم في الأرض على سائر المخلوقات بما فيها السموات والجبال «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء 70).

لعل الاختلاف بين الإنسان وبني آدم هو العلم المساهم في بناء الحضارة الإنسانية لتكون حضارة كونية تساهم في تحقيق الرسالة الجوهرية في الأرض لكل فرد ألا وهي رسالة الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف. فحين علّم الله آدم «الأسماء كلها» أصبح آدم عالمًا بالأمور التي تخوّله لبناء الحضارة الإنسانية. فالعلم إذن هو المعيار الفاصل بين التكريم والذم وبين التشريف والتقزيم وبين أحقية تكليفه والظلم المعرقل للإنتاج الفكري والعلمي.

معلوم أن الإنسان خلق للعبادة بصفة عامة، والعبادة تتمحور حول معرفة الله ولا يمكن للإنسان الجهول أن يعرف الله إلا في صورة انتقال صفته الإنسانية (بما هي جهل وظلم) إلى صفته الآدمية (بما هي تكريم بالعلم رفعة الشأن) فتقتضي معرفة الله أن يطلع كل امرئ في خبايا نفسه حتى يتمكن من ملامسة جوهره الصافي المدفون فيه (الموهبة) فيكرس حياته كلها في سبيل تطويرها والإفادة فيها وتلك هي العبادة التي من شأنها خلقنا الله وهي حقيقة رسالته الآدمية.

قد يكون من الطبيعي ذم الإنسان لجهله وتكريم آدم لعلمه إلا أن صفة الظلم تمثل المعيار الذي يحدد من خلاله كيفية استغلال العلم بما يمكن الآدمي من الانتفاع به أو يمكن الإنسان من ظلم نفسه حتى يصبح العلم أداة تخريب وعنصر هدم في الحضارة الإنسانية. والواضح أن الظلم يعد المعيار الثاني الذي يحقق استخلاف الآدمي لله في الأرض مستثمرًا ما رزقه وما قدر له من الأقوات في الأمور التي تحقق نهضته وإعمار الأرض.

لذلك نجد أن معيار الظلم قد يخلّف نتائج كارثية على الآفاق (بما هي الطبيعة) والأنفس (بما هي المجتمع الإنساني) فيظهر الإفساد في الأرض؛ برًا وبحرًا وهي نتيجة طبيعية لظاهرة الفساد تمثل سنة من سنن الله في الأرض «ظَهَرَالْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الروم 41) والفساد ظاهرة اجتماعية تعبر عن حالة من الانحطاط القيمي والانحلال الأخلاقي التي تجعل الفرد يفعل المحظور دون مراعاة للمثل العليا المؤطرة للمجتمع ولذلك أرسل الله رسلًا وأنبياء يدعون الناس لعبادة الله ولتكريس القيم في المعاملات وتمثل بذلك ثورة روحية (لا وساطة بين العبد والله وهي ثورة على الكنيسة) وأخرى سياسية (لا وصاية بين الملك والله على الرعية وهي ثورة على الحق الإلهي).

إن الجاهلية هي الفترة التي يكثر فيها الفساد في الأرض ويكون ظاهرة اجتماعية متفشية في المجتمع بأسره حتى إنه حين يأمر مصلح بمعروف نادر الوجود وينهى عن فحش منتشر في الوعي المجتمعي فإنه يقابل بالرفض والتهديد والوعيد والتنكيل ليصل الأمر إلى اتهامه بالجنون. والأمثلة على ذلك عديدة؛ منذ قوم لوط وانتشار المثلية الجنسية إلى قوم مدين وانتشار التطفيف في الكيل والميزان وصولًا إلى بني إسرائيل الذين اشتهروا بالربا والزنا حتى بعث الله لوطًا لقومه يرشدهم للفطرة السوية، وبعث في مدين أخاهم شعيبًا وبعث موسى يهديهم للمنهج القويم.

وما محمد – صلى الله عليه وسلم – إلا رسول بعثه الله إلى العالم برسالة كونية لعرب الجاهلية والذين تفشى فيهم الوساطة الروحية (عبادة الأصنام) والفساد السياسي إثر الانحلال الأخلاقي وتوسع الفجوة الطبقية بين الأسياد والعبيد والنظام القبلي الرخو والقابل للذوبان والتلف في أبسط الخلافات السياسية.

ولعل ما يميز الثورة المحمدية على الجاهلية العربية هو كونية الرسالة المحمدية. فجميع الأنبياء كانت وظيفتهم الرئيسية أن يخرجوا أقوامهم فقط، من ظلمات الظلم والفساد في الأرض إلى نور العدل والقيم النبيلة الداعية للخير، وأما عن الرسالة المحمدية فهي رسالة كونية للعالمين أجمعين فلا فرق بين الأعجمي والعربي. فالجاهلية بما تحتويه من إفساد وظلم وانحطاط القيم لا بد لها من الثورة المحمدية التي ترتكز على الإصلاح والعدل ومكارم الأخلاق.

لقد كرّس الدين القيم العليا في جميع جوانب الحياة حتى يتمكن الفرد من العيش في إطار من الحرية والعدالة والكرامة داخل المجتمع. فالدين دعا إلى سن قانون يحمي من الرشوة وآخر يعاقب المطفف في الميزان وثالث يجرّم الزنا ويردع كل شارب للخمر وكل فعل ضار من شأنه أن يدخل البلبلة في الدولة، كما حث على العمل الصالح وجازى المحسنين والمصلحين الذين يدعون إلى عمل الخير ونبذ كل فعل ضار مضر.

إن الأخلاق بما هي دراسة معيارية، تهتم بالخير والشر تصل بالإنسان إلى الارتقاء عن السلوك الغريزي والحيواني بمحض إرادته الحرة وهي معنى الأمانة في الأحزاب 72، فينتقل بذلك الإنسان من غريزته الحيوانية الشهوانية إلى الفضيلة المطلقة. أما في صورة، وكنتيجة حتمية، يؤدي غيابها إلى انتشار الظلم والفساد في الأرض حتى إن العلم يمكن أن يستعمل في تدمير الحضارة الإنسانية.

يؤدي فساد القيم بالضرورة إلى التأخر والتخلف الحضاري أما التمسك بالأخلاق الفاضلة فهو السبيل الوحيد للاستئناف الحضاري لدور الأمة التاريخي. وهذا ما أكّده الباحث والروائي الإنجليزي المتخصص في الإسلام، مرماديوك باكتول: «إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها في السابق بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد