الربوبية أو مذهب التأليه الطبيعي كما يطلق عليه البعض، هو تصور عقدي ينطوي تحت مسمى الإلحاد الجديد، ويعتقد الربوبي أن الله خلق الكون، ثم تركه يعمل كالساعة الزنبركية، فلم يكلف الخلق إيمانًا ولا تدينًا، ولا هو بالذي يتدخل في شؤون هذا الكون بالمعجزات، ولا أرسل رسلًا ولا أوحى بشرائع، والتعرف على هذا الخالق يتم بالتأمل في الكون والاستدلال العقلي عليه، فالربوبي إذًا يؤمن بالخالق وينكر وجود الأنبياء والأديان بزعمه أن الاتصال مع الله يكون مباشرة بدون وسطاء أو وكلاء.

ظهرت الربوبية في أواخر القرن 17 خلال حقبة عصر التنوير الأوروبي كردة فعل على الطغيان الكنسي، وقد مرت الربوبية بثلاث محطات أساسية، أولها نشأتها في إنجلترا على يد بعض فلاسفة الأخلاق البريطانيين؛ فحاولوا إقامة الأخلاق بطرق مختلفة على أسس عقلية وتجريبية مستقلة عن الدين، فقاموا هنا بابتداع ما يسمى بالدين الطبيعي الذي يرتكز على العقل والتجربة، وكان من أهم رواد هذه الحقبة الإنجليزية فلاسفة مثل: لورد هربرت شربري، وجون تولاند، ومتى تندال وقد جرت بينهم وبين القساوسة مناظرات طاحنة حول الكتاب المقدس وتحريفاته؛ ثم انتقلت الربوبية بعد ذلك إلى فرنسا عن طريق الفيلسوف التهكمي فولتير،الذي كان يقطن بإنجلترا، وتأثر بفلسفة الربوبين هناك فقام بنقل مذهبهم إلى فرنسا وإشاعته، وقد تلقى مواجهات عنيفة وتصديًا قويًا من جانب الكنيسة والدولة، وكان مونتسكيو – صاحب نظرية فصل السلطة – من رواد هذا المذهب في فرنسا، ودافع عنه بقوة، وهاجم الأسفار المقدسة التي تعرضت لتحريف جذري، ولقد أدى النزوح الأوروبي إلى الأمريكتين إلى انتقال الفكر الربوبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يسمونه بالعالم الجديد الذي تحققت فيه إسهامات فلاسفة عصر التنوير، وقد ظهر مذهب التأليه الطبيعي في أمريكا في الأغلب الأعم كردة فعل لتشدد مذهب كالفن المسيحي البروتستانتي، وفي ظل الحقبة الأمريكية تطور الفكر الربوبي على يد شخصيات مثل بنيامين فرانكلين، وتوماس جيفرسون وتشير بعض الإحصائيات المجهولة إلى بلوغ عدد الربوبين في أمريكا إلى حوالي 50000 في عام 2001م؛ لكن غالبًا لا يتم التمييز في هذه الإحصاءات بين الإلحاد والربوبية؛ وذلك لأنها فرع من الإلحاد الجديد.

تعتبر الربوبية فلسفة عدمية عقيمة، فهي لا تعطي إجابات شافية عن الأسئلة الوجودية الكبرى الملحة لكل إنسان على وجه الأرض، وقد رد القرآن الكريم على القائلين بمثل هذه المقالة (عبثية الخلق) في قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فالربوبية تقر العبثية والعشوائية وتجعل ذلك من أصولها؛ لأن الإنسان في ظل هذا التصور العقدي كالأنعام خلقه الله، ثم تركه في دورته الحيوانية دون تكليف، ولا استخلاف في الحياة، ولا حساب وعقاب بعد الممات.

والفكر الربوبي ليس وليد التنوير الأوروربي كما قد يتصور البعض، فقد كان له حضور قبل ذالك في السياق الإسلامي وخصوصًا في القرنين الثاني والثالث الهجريين خلال العصر العباسي على يد بعض الزنادقة كابن المقفع صاحب كليلة ودمنة، وابن الراوندي الذي كان معتزليًا فألحد، وإذا رجعنا قليلًا نجد أن كفار قريش كانوا ربوبيين، إذ كانوا ينكرون النبوة، والوحي، والألوهية، ويقرون بالربوبية لله – عز وجل – وإذا ألقينا نظرة في مرحلة قبل الميلاد سنجد البراهمة هم أول من اخترع هذه الشبهات وزعمهم أن العلاقة مع الله تكون بدون رسول ولا نبي، فالربوبية إذًا هي فلسفة قديمة ذات نسخ متعددة ومتنوعة حتى تطورت إلى صيغتها المادية مع طغيان النزعة العلموية في عصرنا الحاضر، وقد اتخذت ذلك سندًا لها في هدم الدين، وعدم التمييز بين الصحيح والسقيم فالفكر الربوبي نسخة كربونية من الوثنيات الموغلة في القدم كالبرهمية، وصنف من الدهريين، ومشركي العرب الذي جاء الإسلام ثورة على جاهليتهم وضلالهم، فهناك تشابه كبير بين معتقدات هذه المذاهب وذلك أن الإقرار بالخالق دون عبادته، والتوكل عليه، والاستعانة به هو انتحار للعقل، وانخرام للمنطق، ومن ثم فالفكر الربوبي لا يكتفي بالعقل وحده كمصدر من مصادر المعرفة، بل يضيفون لذلك الحس والرؤية العملية، فهم كما قال اليهود لموسى عليه السلام: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فهم يزنون الغيبيات بميزان الحسيات، ويقيسون عالم الغيب بمقاييس عالم الشهادة،وهذا يعلم بطلانه كل ذي لب فهم كمن يزن الذهب بميزان الخضراوت.

يتضح لنا من خلال ما سلف ذكره أن الربوبية كمذهب إلحادي قديم جديد، هو إعوجاج عن الصراط المستقيم، وهو أيضًا بمثابة جاهلية معاصرة تدعو إلى إقصاء تام للجانب الروحي من حياة الإنسان، وهو ما يحدث جملة من الاضطرابات النفسية؛ لأن الإنسان في هذا المنظور يفتقد الوجهة ويسير نحو المجهول، فهو إذًا طريق مختصر نحو التعاسة الدنيوية والآخروية؛ لأن مبادئ الربوبية تتنافى مع الفطرة السليمة والمعقول الصحيح، ولذالك نجد أن نسبة كبيرة من المنتحرين هم من أنصار الإلحاد عامة، والمذهب الربوبي على وجه الخصوص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة -وليم كلي-
النبوة والرسالة في مناوئة الربوبية "رسالة جامعية -رياض صدقي-
عرض التعليقات
تحميل المزيد