ديچاڤو.. لقد حدَث هذا الموقف من قبل، رُغم استحاليَّة ذلك بالمنطق!

ديچاڤو.. لقد كُنتُ هُنا، لقد دخلتُ في ذات هذا الحوار في ذات هذا المكان!

ديچاڤو: غالبًا، قرأت عنها أو لديكَ فكرةٌ عن الموضوع، وهذا جيِّد مُصطلح ديچاڤو هُو من اختراع الفيسلوف الفرنسي إميل بويريك، حيثُ ذكرهُ لأول مرة في كتابه، علم نفس المُستقبل، إذ أفاض في شروحات هذه الحالة المألوفة، ولكن – الغريبة – في كُل مرَّة تحدثُ فيها!

بالتأكيد، هُناك تفاسيرٌ علميَّة فريدةٌ وبسيطة ومُباشرة لهذه الظاهرة، ولن نذكرها هُنا بالتَّفصيل طبعًا، ولكن سنذكُر أقربها، وهو تفسير اختلال الذَّاكرة اللحظي وبدون تطويل، التفسيرُ واضحٌ من العنوان، تشابُك الأعصاب بين مناطق الذاكرة، ومناطق العاطفة، قد يُعطي انطباعًا خاطئًا للوعي، بأن المشهد / الموقف، قد تكرَّر من قبل، أو حدث في زمن ما.

هُناك منطقة في وسط الدماغ تُسمى hippocampus أو «حصان سيد البحر» لو أرجعناها إلى اللاتينية، وهي ما يُعتقدُ بأنها «مركزُ» العاطفة والذَّاكرة، والنظام العصبي التلقائي، وفي هذه المنطقة تحديدًا، يحدثُ ذلك الخلل البديع، لضمور في الخلايا أو شذوذ وقتي في عملية «نقل الداتا» عبر الأعصاب، منها وإليها مما يُسبب لنا باعتبارنا أنظمة واعية، بعض التشويش الدقيق في وعينا، ومدى قُدرتنا على استقبال العالم الخارجي «كما هُو» حقًا، بحواسِّنا الاعتيادية!

تقولُ الموسوعة: «يلازم هذه الظاهرة، شعورٌ بالمعرفة المسبقة وشعور بـ«الرهبة» و«الغرابة» أو ما أسماه عالم النفس فرويد بـ«الأمر الخارق للطبيعة». التجربة السابقة التي يهيأ لنا بأننا عشناها، عادة ما تكون زارتنا في أحد أحلامنا، ولكن في بعض الحالات ثبت بأن ما نشعر بأنه موقف سابق، قد كان حقيقة ووقع في الماضي والآن يُعاد.

من الرائع، أن تعرف بأنَّ تلك المشاعر الغريبة والمؤثرة التي تنتابك خلال حياتك، من حُب وغضب وشَهوة وألم وأمل وراحة وتعب، هي في الواقع، ترجمةٌ حسيَّة لعمل مليارات الخلايا في دماغك، والتي تنبضُ بمليارات النبضات الكهربية، لتوصل كمًا معلوماتيًا يفوق قُدرتك على الاستيعاب، بين عشرات المناطق مُختلفة الوظائف!

مادَّة الدوبامين أيضًا، في حالة وجود معدلات عالية منها – أيًا كان السبب – تدفعُ لحدوث الديچاڤو والدوبامين كما تعلمون، له دور رئيسي في حياتنا بدون مُبالغة، فهو من مجموعة الناقلات العصبية الرئيسية وأي اختلال يتعلق به، سيؤدي إلى شيء ما من المُتعة واللذة والهيجان، إلى الإدمان والفصام ومرض باركنسون!

نعودُ لفكرة «حدث من قبل»، والتي لها نصيبٌ رائعٌ من التفاسير الماورائية – الميتافيزيقيَّة – والتي أقربُها وأكثرها تداولًا في الثقاقات البشرية – بشكل عام – هيَ أن الإنسان، يعرفُ حياتهُ كاملة قبل الولادة، وما هذه اللحظات الغريبة التي نشعرُ بأنها «تكررت»، إلا واحدةٌ من تلك اللحظات التي علقت بالذاكرة – كخلل بسيط – من «system» ذلك العالم الذي كُنا به، قبل أن نكون هُنا!

وأحد هذه التفاسير الماورائية الفائقة الغرابة – للمُفارقة – يتعلقُ بنظريَّة الأكوان المُتوازية! وهُنا، يختلطُ الحابل بالنابل ولكن، بصورة مُدهشة ومُمتعة! مثلًا، يقول هذا التفسير الأسطوري، بأن الديچاڤو، هي لحظاتٌ تكونُ أنت خلالها، على اتصالٍ بكونٍ موازٍ يتطابقُ فيه ما يحدثُ لك ولنسختك هُناك بدقة لا يُمكنُ تصوُّرها! بدقَّة «آنيَّة» تسمحُ بحدوث هذا الاتصال الذهني لثوانٍ معدودة! وهذا التفسير الميتافيزيقي يُذكرُّنا أيضًا بالكثير من الأفكار الثوريَّة في فيزياء الكوانتوم، اليوم!

وهُنا يا سادة، نحنُ لا نربط العلم بالخُرافة، ولكن، نُمتِّعُ عُقولنا بعالم من الاحتمالات المُدهشة التي يدفعُنا إليها العلم.

لاحظ أن هذه الأفكار الغريبة، لن تدفعك لكراهية آدمي آخر، لأنهُ لا يُؤمن بالعالم الموازي مثلًا، أو لأنهُ يُقدِّس النواقل العصبية، بينما كان من الأجدر، أن يُقدس الدوبامين كما تفعلُ أنت!

عُمومًا، حينَ تشعرُ بأن موقفًا ما قد تكرَّر مُستقبلًا فحاول الاستمتاع بتلك اللُّعبة الدماغيَّة الوُجوديَّة.

ومجِّد تلك «الداتا» التي ذهبت إلى المكان الخطأ في دماغك، ومنحتك تلك التجرُبة الـــ«روحانيَّة» الفريدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد