نحن يوميا نخوض مساومات، ومجادلات، مع سائق التاكسي، وبائع الخضار، والبواب، كما ندخل في نقاشات، ومفاوضات. مع شريك الحياة، والأصدقاء، وزملاء العمل، كما نشاهد برامج التلفاز، ونقرأ الجرائد، ونستمع إلی خطب الساسة، والمثقفين، ولكي نستطيع أن نسلك سلوكا صحيحا، او نتخذ قرارا رشيدا. بالرفض أو القبول، والتصديق أو التكذيب، لموضوع تلك المناقشات، أو المساومات فإننا يجب أن نكون علی قدر من المعرفة بأصول الحوار المثمر، وقواعد الجدل الصحيح، التي أصبحت مبحثا قائما بذاته يسمی: “المنطق غير الصوري”.

و تتضح أهمية هذا المبحث إذا تأملنا أحوال مجادلات هذه الأيام، وطبيعة البرامج، والنقاشات المنتشرة في الفضائيات، ووسائل الاعلام المختلفة،  حيث نجدها مكدسة بالأخطاء المنطقية؛ التي تجعل النقاش غير مُجد، ومجهض من البداية، ويؤدي بالضرورة إلی تصديق ما لا يصدق، وتكذيب ما لا يكذب، لكل من لا يعرف بعض أصول المنطق، ولم يتعلم قواعد التفكير النقدي، ولنا في جهاز العلاج بالكفته المثال الكافي .

إذن ما هو المنطق الغير صوري؟

هو استخدام قواعد المنطق في التعرف علی الحجج، او البراهين التي يستخدمها الإنسان العادي؛ ليثبت بها صدق اعتقاده، وصواب رأيه خلال المحادثات الشخصية، أو الاعلانات، أو الخطب السياسية، أو البرامج التلفزيونية، ومن ثم نقوم بتحليل هذه البراهين، وتقييمها، وتوضيح هل هي مبنية علی أسس وقواعد منطقية سليمة أم لا؟

فإذا كانت مبنية علی أساس منطقي سليم، فإننا نقبل الحجة، والنتيجة المترتبة عليها، وإن لم تكن مبنية علی أساس منطقي سليم رفضناها وأسميناها: “مغالطة منطقية”، وبالتالي رفضنا النتيجة المبنية عليها

ولمزيد من التوضيح نضرب هذا المثال:
“قبل يوليو عام 2005 كانت الحكومة البريطانية تناقش الإجراءات القانونية، والأمنية لمواجهة الإرهاب، وكان الوزراء ـ الذين يرفضون إجراء أي تعديل علی الإجراءات ـ يقدمون حجة مفادها: أن القوانين والخطط الأمنية الحالية كافية؛ بدليل أنه لم تحدث أية حادثة ارهابية في بريطانيا حتی تاريخ المناقشة”.

وبتحليل هذه الحجة يتضح ما يلي:

مقدمة1:إذا كانت القوانين، والإجراءات الأمنية كافية، فلن تحدث هجمات إرهابية.
مقدمة2:إلی الآن لم تحدث هجمات إرهابية.
النتيجة:إذن القوانين كافية.
التحليل: هذه الحجة باطلة، ومغالطة منطقية، تسمی مغالطة: “اثبات التالي”، حيث استخدم في “المقدمة1” جملة شرطية، والجملة الشرطية معناها ببساطة أنه إذا حدث (أ)، فإن (ب) ستحدث.
ثم قال في “المقدمة2” ان (ب) حدثت وحاول ان يثبت من خلالها أن (أ) أيضا حدثت. ويعد هذا خطأ منطقيا؛ حيث تحرك عكس الجملة الشرطية وجعل النتيجة سبب، والسبب نتيجة مثل قول أحدهم: إذا كنت في ميدان التحرير، فلابد انني في القاهرة، انا الان في القاهرة،إذن أنا في ميدان التحرير.

وغني عن البيان ان كون الشخص في القاهرة لا يلزم عنه وجوده في ميدان التحرير؛ حيث يمكن أن يكون في العباسية، أو إمبابة، أو أي مكان، والدليل الآخر علی الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الوزراء أنه بحلول شهر يوليه عام 2005 وقعت الهجمات الإرهابية التي هزت بريطانيا وقتها.

والجدير بالذكر ان الحجة ترد في الكلام العادي متوارية، ومتخفية وراء غطاء كثيف من الدلالات، والتشبيهات، وتتنكر قي هيئة الحجة المنطقية، وهنا يأتي دور المنطق غير الصوري لإخراج الحجة من مخبأها، وتسليط الضوء عليها لمعرفة نصيبها من الصحة، والخطأ، ويكون وسيلتنا في هذا التفكير النقدي.

ولكن ما هو التفكير النقدي؟

يقسم جان بياجيه مراحل النمو المعرفي للإنسان إلی إربع مراحل بيولوجية، تلقائية، مرتبطة بالنمو العمري (تشمل كل البشر ولا تحتاج لتعلم).

ويضيف بعض العلماء مرحلة خامسة، أرقی من المراحل السابقة تسمی “مرحلة التفكير النقدي” يكتسب فيها المرء الحس النقدي، ويدرك مفارقات الحياة، ويرفض وجود مسلمات، ويضعها موضع التساؤل، والنقد. هذه المرحلة لا يبلغها المرء إلا بالتعلم، والتدريب، كما أنها عملية شاقة تتطلب الكثير من الذكاء الذهني، والانفعالي؛ لأننا إذ نمارس التفكير النقدي نسبح ضد تيار عارم من الأهواء، والعوائق الاجتماعية، والبيئية؛ التي تربينا عليها، ويزيد من المشقة ما في طبيعتنا من حب للسكون، والهدوء، والبحث عن اليقين، والإجابات البسيطة الواضحة علی الأسئلة المركبة والمعقدة.

انها رحلة طويلة، وشاقة غير أننا يمكن أن نستعين ببعض المبادئ المرشدة؛ التي تساعدنا علی اجتيازها:

  1. فكر بنفسك، ولنفسك لايوجد شئ اسمه (افهم لي هذا من فضلك).
  2. اكتسب القدرة علی الانفصال عن رأيك، ووضعه تحت التحليل، والنقد كما تفعل مع الآخرين.
  3. لا تصدق كل ما تسمع، ونصف ما تری، واخرج من كهف الآراء الشائعة في بلدك، أو مجتمعك، أو أجدادك.
    كن علی استعداد للتخلي عن رأيك إذا تبين خطؤه.
  4. لا تنظر للرأي نفسه، ولكن انظر للاساس، والافتراض الذي بني عليه وضعه تحت النقد.
  5. لا تجعل أمنياتك معيارا للحق. ليس للحق علاقة بما ترغبه، وتتمناه
  6. فرق بين القول المزخرف الجميل، وبين الحجة، والبرهان.
  7. ليس كل من يؤمن بشئ بشدة يكون علی صواب. بل كثيرا ما يكون العكس فلا تنخدع بحرارة الاعتقاد.
  8. استمر في التعلم، وتحصيل المعرفة، ولا تغتر بما تعلمته، وتذوق لذة السؤال، وتعود صحبة السر، وتحل بشغف البحث والتساؤل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام

المصادر

المغالطات المنطقية – دكتور عادل مصطفى
عرض التعليقات
تحميل المزيد