بعد عرض الأدلة والبراهين المثبتة لجهاد الطلب، هناك شبهات ومعارضات تُثار على هذا الأمر، فلنناقش بعضها.

الشبهة الأولى: قولهم كيف تتحدث عن جهاد الطلب وهناك آيات تعارضه؟ ويستدلون بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، وقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقوله تعالى أيضًا: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)… إلخ من الآيات التي تكفل حرية الدين؟

فأقول: من قال بأن هناك تعارض فلم يدرس الموضوع من كل جوانبه ، وأن حرية العقيدة ليست بذلك الإطلاق المتوهم والمُروج له وإنما لها تقييدات مثل أحكام أهل الذمة وعقوبة المرتد، فآية لا إكراه في الدين تشمل من دخل في عقد الذمة وقبل حكم الإسلام وتشمل غير المحاربين أما من رفض الإسلام وحكمه فلا تشمله الآيه فهو حينئذِ يُقاتل،ويقال أيضاً لو كان الإسلام يجبر الناس على الدخول فيه، ما وُجد أهل الذمة، فهم حينئذ يُقتلون بهذا الفهم، ولكن الإسلام خيّرهم؛ فاختاروا البقاء على دينهم، ولم يجبرهم. فمفهوم الجهاد كما قلنا سابقًا، وسنُعيد قوله: ليس مقصودًا لذاته، وإنما غايته نشر الإسلام في الأرض، فلا يكون حُكمًا أبدًا للكفار والطاغوت.
فتكون كلمة الله هي العليا وهي الحاكمة، وعلى الجانب الآخر فهذا غاية العدل، فمن كُفل له حرية الدين والعقيدة، فيرى الإسلام بالحق فلا يُنقل إليه مشوهًا أو يُمنع من الوصول له، فالجهاد يمنع من ذلك، فيضعه أمام الصورة الحقيقية الصحيحة، وهذا يخلق بيئة صالحة لهؤلاء للدخول في الإسلام. فعندما تكمل قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، وهنا الفارق: فترى الدين الرشد من الدين الغي فتدخل فيه بإذن الله بدون ضغوط من أحد أو تدليس من أحد.

ولتتضح الصورة أكثر اقرأ هذا النقل: القتال الإسلامي ليس موجهًا ضد الأفراد بأعيانهم، ولا لإجبار أحد على اعتناق الإسلام، وإنما هو قتال للأنظمة السياسية والاجتماعية التي تقوم على أساس العبودية للبشر بالتزام مناهجهم وتطبيق
أحكامهم، وهو قتال موجه ضد القائمين على تلك الأنظمة، وضد وسائلهم ومؤساستهم المُسخرة لحماية تلك الأنظمة والمناهج والقيم، وأما الأفراد فالمقاتلون المسلمون لا يتعرضون إلا بقدر ما يسهمون في المدافعة عن تلك الأنظمة. (1)

أما الآية الثانية فمقصودها هداية التوفيق ودليل ذلك قول الله تعالي قبلها (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ)   و أما الآية الثالثة فليست في سياق التخيير كما هو متوهم، وإنما في سياق الوعيد الشديد ودليل ذلك آخر الآية (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) 

الشبهة الثانية: قولهم إن الإسلام أمر برد العدوان، وقتال المعتدين فقط في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

فأقول: إن من يقول بذلك غفل عن تفسير السلف وإجماع المسلمين؛ لأن تفاسيرهم تدور حول تفسيرين:

الأول: أن تفسير (ولا تعتدوا) ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي ما قاله الحسن البصري من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان والسعدي وغيرهم، ذكره بن كثير -رحمه الله – في تفسيره. وذكر الطبري ذلك أيضًا، فقال: فمعنى قوله (ولا تعتدوا): لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابَين والمجوس. إنّ الله لا يُحب المعتدين الذين يجاوزون حدوده، فيستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم.

الثاني: أن هذه كانت مرحلة أمر فيها النبي برد الاعتداء على من اعتدى فقط لضعف وقله المسلمين حينئذٍ، ولكن بعدها أتت المرحلة الأخيرة بابتداء جميع الكفار بالقتال ليقعوا تحت حكم وسلطان الإسلام، فإما يسلموا أو يدفعوا الجزية. فقد كان المسلمون قبل الهجرة (المرحلة المكية) مأمورين بالصبر والعفو، ويدل عليه حديث ابن عباس أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً فَقَالَ: إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا. ثم أول ما شرع من الجهاد بعد الهجرة بقتال من قاتله، ويكف عمن لم يقاتله والنصوص فيها كثيرة، ومنها ما استشهدوا بها بالأعلى.

ثم أمروا بقتال المشركين كافة لتحكيم الشريعة وكانت في آخر عهد النبي. ويذكر الشنقيطي رحمه الله ذلك فقال: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه تدريجيًا، فأذن فيه أولًا من غير إيجاب بقوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. [الحج:39] ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإذن فيه، أوجب عليهم فقال: من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)، وهذا تدريج من الإذن إلى نوع خاص من الإيجاب. ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجابًا عامًا جازمًا في آيات من كتابه؛ كقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. وقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). وقوله تقاتلونهم أو يسلمون، إلى غير ذلك من الآيات.

واعلم: أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالًا غير ما ذكرنا، ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة. (2)

الشبهة الثالثة: استشهادهم بقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، فيقولون بوجوب وجود السلام بين المسلمين والكفار ولا يُحاربون إلا إذا اعتدوا، ويستشهدون أيضًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً).

فأقول: أما آية الأنفال ففيها ثلاثة مذاهب:

الأول: أنها منسوخه بآية السيف، وقال بهذا ابن زيد والحسن البصري وعكرمة وقتادة. (3)

الثاني: قيل إنها ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرًا من بلاد العجم على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أهل البلاد على مال يؤدونه، من ذلك خيبر، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف. (4)

الثالث: المسالمة معهم حال الضرورة أو تحقيق مصلحة المسلمين كما قال ابن العربي: وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد قال الله عز وجل: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم. فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة فلا صلح، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه.(5) فيتبين للباحث عدم وجود أي قول يميل لنفي جهاد الطلب كما يقول المعاصرون.

أما آية البقرة فيُقصد بقوله تعالي (السلم) أي الإسلام أو الطاعة ولا يوجد معنى للسلام، فهذا من الأمور العجيبة التي يحتجون بها، وهذا وإن دل فيدل على جهل وعدم علم.

الشبهة الرابعة: سيقول الكثيرون كما اعتدنا، هل الإسلام إذًا انتشر بالسيف؟

أقول: إن كنت تقصد السيف الذي يجبر ويُكره الناس على الدخول في الإسلام فلا. وإن كنت تقصد السيف الذي يزيل الأنظمة الحاكمة لغير شرع الله والتي تحكم بالطاغوات والأهواء وعبودية الناس للناس؛ لإقامة شرع الله ليعيش فيه كل أصحاب العقائد آمنين أحرار تحت ظل حكم الإسلام وبالشروط المُحددة فنعم.

أكتفي بهذا لأن ما أريده قد ظهر، وهو إنما الإحتجاج ضد جهاد الطلب يكون بسوء فهم وعدم اطلاع من المحتج أو ضغط الواقع أو الجماهير، فآل الأمر لإنكار شريعة جهاد الطلب فقام البعض بحقن المضامين الشرعية بمعاني توافق هواهم موهِمين الناس بأنه مراد الله ورسوله كما قال شيخ الإسلام: (ولا ريب أن القوم أخذوا العبارات الإسلامية القرآنية والسنية فجعلوا يضعون لها معاني توافق معتقدهم، ثم يخاطبون بها ويجعلون مراد الله تعالى ورسوله صلى الله
عليه وسلم من جنس ما أرادوا، فحصل بهذا من التلبيس على كثير من أهل الملة). وسأسرد الآن بعض اللمحات الهامة في هذا الموضوع.

أولًا: جهاد الطلب معلوم نصًا كما رأينا، وواقعًا فمن يرى الفتوحات الإسلامية في عهد الصحابة ومن بعدهم علم بالضرورة وجود جهاد الطلب ولا يعميه عن ذلك إلا هوى.

ثانيًا: أن الكثير ممن يطرح قضية الحرية في كثير من الأحكام الشرعية ينسى أو يتناسى حق الله. فالله سبحانة وتعالى يأمر بالعدل، والحرية المطلقة التي يتصورها البعض ويروج لها حينئذ تكون مقيدة بالعدل. فالإسلام ينفي الظلم مهما كانت صوره، والشرك كما هو معلوم ظلم كما قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) فتخيل أنه عظيم فكيف نهون الأمر هكذا!     وبالتالي يجب وقوع هذا الشرك بضوابط معينة ومحددة تحت حكم الإسلام.

ثالثًا: تلك الدعاوى المنادية بالتعايش السلمي من قبل الغرب ومثله، ومن يريدون تطبيقها في العالم الإسلامي متلبسين بزي الغرب ولا أعلم، أيعلمون حقيقة الغرب هذا ويتناسونه أم لا يعرفون وهذه طامة كبرى. هذا الغرب المتحضر المتقدم على حساب الشعوب الأخرى ارتكب الكثير من المجازر؛ فخلال العقدين الأخيرين فقط. حصدت المجازر مئات آلاف المسلمين في البوسنة، والشيشان، وكوسوفو، وكشمير، والهند، والفلبين، وأفغانستان، والعراق، وفلسطين، ولبنان، والصومال، وإندونيسيا، ونيجيريا، وبورما، وإريتريا، وكردستان العراق، وسوريا… وغيرها.

ثم يصف البعض بعد ذلك بأن الإسلام دين إرهاب، بل عقولهم المتمسحة بأحذية الغرب هي الإرهاب. هل الإسلام من قتل مليون جزائري؟ هل الإسلام من كانوا يستعبدون الأفارقة ويبيعونهم في سوق النخاسة؟ أم الإسلام من أولاد هتلر وستالين ونابليون؟ وأنا منتظر لتحصي الملايين الذين قُتلوا تحت أيديهم! أم الإسلام من أقام الحرب العالمية الأولى والثانية، وقتل في مجموعهما فوق الـ70 مليون؟ هل الإسلام من دمر العراق وقتل 2 مليون شخص؟ هل الإسلام من قصف سوريا؟ هل الإسلام من قام بالفتح الإسرائيلي لفلسطين وقتل الآلاف من الفلسطينيين؟

أرسلوا هذه الأسئلة لهؤلاء لنعلم أي تعايش سلمي يريدون، إنما يريدون تحاكمًا للطاغوت وذلًا واستعبادًا له. وسبحان الله أرى الآن عظمة قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؛ لنرى الحق والعدل الذي سيقيمه الإسلام على هذه الأرض، فيعتنق الإسلام الكثير ومن بقي على دينه فيُعامل بالعدل كما وعد النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن من يقتل ذميًا بأنه لن يرح رائحة الجنة. هذا هو السلام الحقيقي، السلام الذي كتبه سيدنا عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس، والذي أقامة عمرو بن العاص في مصر، والذي قامت به الحضارة في الأندلس وغيرها.

سأختم قائلًا: إنه يوجد الكثيرون من يدلسون في الأحكام الشرعية لأغراض كثيرة، ذكرنا منها ما شاء الله أن نذكر، فعلى كل منا تحرّى هذه الأقوال وتتبعها وفهم مآلاتها وعرض هذه الأقوال على الكتاب والسنة والإجماع والقياس للعلماء، فإن كانت مخالفة لهم فاضربوا بها عرض الحائط.                                                                                                                                   ___________________________________________

(1) حقيقة الجهاد في الإسلام ص55 لمحمد نعيم

(2) أضواء البيان 5/236

(3)انظر تفسير الطبري للآيه

(4) انظر تفسير القرطبي للآيه

(5) المصدر السابق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد