شتان ما بين شعب يطالب بحقوقه من ناحية المعاناة، وبين شعب مترف لديه جميع الحقوق الإنسانية والاجتماعية وغيرها، ويطالب مثلاً بإلغاء عقوبة الإعدام أو إقرار حق المثليين في الزواج أو قانون يتيح إنهاء الحياة بمساعدة الطبيب، فالجميع هنا يهدف للكمال والارتقاء لدرجة أعلى من الحقوق والرفاهية، فكيف الحال بمجتمع جائع غني الموارد يتظاهر من أجل أبسط مقومات الحياة كماء صالح للشرب ولقمة عيش وكهرباء؟

لا أحد يتكلم عن حرية الاعتقاد والتفكير، وحرية اختيار الدين والتعبير، ولا إلغاء تعدد الزوجات وأضرار زواج القاصرات، ولا المطالبة بمساواة المرأة بالرجل وضرورة إقرار قانون العمل، فالجميع مشترك في التقصير والمطالبة بحقوق لم تتجاوز حواجز الدين والتفكير.

فما زال الحديث هنا في العراق لا يتعدى المطالبة بالخدمات الرئيسية، بالإضافة إلى خروج الأحزاب الدينية الحاكمة التي أثبتت فشلها على مدى العقد المنصرم والمتواطئين معهم بالصمت على الانتهاكات التي حدثت على المتظاهرين العزل في العاصمة بغداد ومدن جنوب البلاد.

أغلبية  العراقيين ظنوا خيرًا بعد استعادة الموصل والإعلان عن إنهاء تنظيم داعش في العراق وعقد مؤتمر الأعمار في الكويت وتقديم التعهدات من قبل الحكومة بفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار للشعب، وبعد إجراء الانتخابات البرلمانية وسط اتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج وتأخير إعلان النتائج وإعادة فرز الأصوات، إلا أن كل الأنظار كانت تتجه نحو بداية جديدة، غير أن هذه الظّنون ما هي إلا أوهام فالزّمن الذي يعتقدونه ساكنًا قد تحرك حتى جعلهم فاغري الأفواه تحرك بحناجر شباب ولدوا في زمن المعاناة وصبروا ففاض بهم الكيل انتفضوا ورفعوا شعارات كانت مفاجأة للقوى السياسية والدينية فمن شروط المشاركة مع الجماهير في بغداد والمدن الجنوبية؟ أن لا يرفع علم غير راية العراق، وتلك غريبة بل وغير مقبولة من قبل القوى التي تعدت على اسم العراق كل التعدي، ولم تترك لهؤلاء الشباب طريقًا غير الانفجار.

وكان بإمكان رئيس الوزراء العبادي أن يثبت أن تعامله سيكون مختلفًا عن تعامل الحكومة السابقة مع المتظاهرين، وأنه سيستجيب للمطالب المشروعة عبر محاسبة الفاسدين ويعلن التحقيق في مليارات الدولارات صرفت على ملف الكهرباء، ولكن يبدو أن العبادي يسير على نفس خطا حكومة المالكي السابقة، فقرر قطع الإنترنت وفتح يد أجهزة الأمن لقمع المواطنين، مما تسبب بمقتل عشرات المتظاهرين وجرح المئات واعتقال آخرين بحسب بيان لمنظمة هيومن رايتس وتش، ما عدا عن السماح للعناصر المسلحة التابعة للأحزاب السياسية بأن يقمعوا المتظاهرين والمحتجين بالقوة والرصاص الحي، ورغم كل هذه الإجراءات القمعية إلا أن الحكومة تطالب المتظاهرين السلميين بأن يكونوا عقلانيين في ظل تجريدهم من كافة حقوقهم وتحريك القوات العسكرية لقمعهم.

قطعة خبز وماء صالح للشرب وكهرباء هي أقصى أحلامه على أمل ان يرتفع سقف المطالب إلى دولة تتوافر فيها حقوق الإنسان.

فجميع السياسيين بمختلف انتماءاتهم تواطؤوا مع رئيس الحكومة في قمع المحتجين، لا يجرؤون على أن ينبسوا ببنت شفة، فالسياسيون السنة في أمان من غضب الشعب في الوقت الحالي على أقل تقدير، وتهمة الانتماء لداعش جاهزة لكل مواطن يطالب بحقه في المحافظات الغربية، ورئيس الجمهورية لن يتحدث ما دام لا يوجد من يوجه أنظاره صوب آبار النفط التابعة لعائلة بارزاني أو شركات آل طالباني في الشمال، أما السياسيين الشيعة فلا غبار عليهم فهم متورطون بكل الجرائم وشركاء بكل السرقات التي قامت بها الأحزاب الحاكمة، ومتعاونون بتفكيك وحل كل مؤسسات الدولة وإضعاف وإرهاق البلاد، وجميعهم ساهموا فيما آلت إليه الأوضاع المعيشية، والحاضنة الشعبية لهذه الأحزاب باتت تضيق ذرعًا من فسادهم وسوء إدارتهم للبلاد، حتى أضحى العراق الذي يطفو على بحر من النفط يعاني أهله الفقر والعوز، فالجميع خان واشترك بقتل العراقيين المتظاهرين حتى بالسكوت، إلا من أدان هذه الجرائم وحاسب من نفذ وأعطى الأوامر بقمع شعب لا يبحث عن الرفاهية، بل يبحث عن حياة بسيطة وكريمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد