تعد ظاهرة التطبيل ظاهرة قديمة منذ قديم الأزل، وحديثة ما دامت الديكتاتوريات قائمة راسخة، ولا يقصد بالتطبيل الاعتداء أو الاستهانة بمهنة فن استخدام الطبلة، فقد كانت الطبول تستخدم قديمًا في حروب الدولة الأيوبية والعثمانية وغيرها لإرعاب الخصوم، إنما قصد بالتطبيل ما درج على تسميته النفاق، والتزلف، ومسح الجوخ، والوجهنة باللهجة المحلية.

وهذه الظاهرة القديمة الحديثة ذكرت في القرآن في معرض الكلام عن الشعوب الفاسقة، التي فسدت أخلاقها، عندما ذكر الله قصة فرعون مع قومه في قوله تعالى: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ»، وفي القصة نفسها وصل الحال بنفاق تلك الأمة لحاكمها أن قال لهم كما في قوله تعالى على لسان فرعون: «مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى»، وفي قوله تعالى على لسان الأخير: «مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي»، فقد وصل الاستخفاف من فرعون بتلك الأمة أن دعاهم لعبادته لعلمه بتفاهتهم وتابعيتهم؛ فقد كانوا يتبعونه خوفًا من بطشه وطمعًا في المنافع الناجمة عن رضاه، على حساب عقولهم، وقلوبهم، وكرامتهم.

وما حصل بقصة فرعون يتجدد في التاريخ المعاصر مع بروز الديكتاتوريات على سطح المشهد السياسي، فترى صفوفًا كثيرة ممن يسمى بالبطانة على جميع مستويات الدولة الفاسدة، يجامل الحاكم ولا يخالفه، وكما قلت سابقًا خوفًا من بطشه أو طمعًا في مودته، وللأسف وصل الحال لدى كثير من كتابنا وأدبائنا إلى وصف الحاكم بصفاة الإلهية؛ فقد قال بعضهم عن الحاكم إنه يعلم ما كان وما سيكون، ولسان حالهم أن الحاكم لا ينطق عن الهوى، وكأنه نبي مرسل، فما تجد قرارًا صادرًا من السلطان في شأن من شؤون الأمة حتى ينبري المنافقون ليسوقوا ذاك القرار، وكأنه أنزل في القرآن كأنهم لا يعقلون، مع تحفظي على تقديسهم للقرآن فكثير منهم يقدس الزعيم الملهم ويشكك في آيات القرآن، فهو يجد جرأة على كتاب الله، لكنه لا يفعل ذلك مع السلطان، للأسف فإن تلك الظاهرة قديمة ممتدة في تاريخنا الإسلامي، مع أن الإسلام منها براء، وكلنا نعلم قصة المرأة التي خطأت عمر بن الخطاب في شأن حكم شرعي، وهو على المنبر، وهو أمير المؤمنين، وحاكم المسلمين، فما كان من عمر إلا أن قال أصابت المرأة وأخطأ عمر، فقد تنازل للحق.

ونحن لا ندعو للتطاول على الحاكم أو المسؤول، فذلك ليس من شيمنا أو آداب ديننا، وإنما نتمنى أن نرتقي في طبيعة علاقتنا مع المسؤول؛ لأنه أخيرًا إنسان يخطئ ويصيب، نحن بحاجة إلى الوصول إلى مستوى الأمم المتقدمة في خطابنا مع من يلي أمرنا، ضمن دائرة الديمقراطية ودولة القانون، تلك الدولة التي تحفظ لكل حقه وتلزمه بحدوده، فليس من الأدب والديمقراطية الإيجابية التطاول والسب والقدح بالحاكم، فالله تعالى وجه موسى وهارون في مخاطبتهم لفرعون بقوله لهما: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ»، فالخطاب من الشعب للجهات المسؤولة يجب أن يكون موضوعيًّا وضمن الأدوات الديمقراطية، ودون التهجم والتطاول وقلة الأدب، ويساعد على ذلك وجود نظام داخل تلك الدولة يسمح للمواطن بالتعبير عن رأيه بحرية وأدب دون الخوف من الملاحقة الأمنية، أو ما يسمى بالمخابرات وأمن الدولة، والأصل أن الحاكم والمحكومين جميعًا سائرون في سفينة واحدة، وهي سفينة هذا الوطن، وقد ذكر هذا رسولنا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم-: عندما وصف حال الناس في الأمة الواحدة أنهم إن سكتوا عن المنكرات أو ما يضر بأمتهم فإن الكل سيغرق في سفينة الوطن والكل سيتضرر.

إن الانسان بطبعه يحب من يمدحه ويذكر مآثره، وله يحلو السمع وتطنب الأذن، والحاكم جزء من هذا أيضًا، لكن كقاعدة تربوية نطبقها في بيوتنا ومجتمعاتنا يجب أن نقول للمصيب أحسنت، وللمخطئ لم تصب فيما فعلت، لكن و للأسف فإن واقعنا المعاصر في كثير من دول العالم الثالث على وجه العموم، والشرق الأوسط على وجه الخصوص هو واقع مرير، فهذا يعتقل لأنه تكلم عن الفساد الخلقي بالمجتمع بتهمة الإرهاب، وهذا يعتقل لأنه طالب بالإصلاح، وهذا يسجن لأنه لم يسبح بحمد الحاكم ويمدحه بلا أي تهمة صريحة، أو سبة قبيحة من ذلك العالم أو الأديب، بينما نجد ذلك الحاكم المتنمر بأجهزته الأمنية يتباهى بالديمقراطية في بلده عندما يزور الغرب، لكنه أبعد ما يكون عن صورة الديمقراطية الحقة، كما هي في الغرب، ولنا فيما يحدث الآن مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خير مثال، فهو يتعرض ومساعدوه لتحقيق قاس وطويل، فلا أحد فوق القانون، ومع كل صلاحيات زعيم أقوى وأعظم دولة بالتاريخ المعاصر؛ فإنه لم يستطع أن يمنع محاكمة أن تستمر أو صحيفة من أن تكتب، ولم يستطع أن يزج بأحد في السجن لمخالفته، لأن الدولة هنا هي دولة قانون ومؤسسات، وأقول للمسؤول العربي أو المسلم وكل حسب مسؤوليته، إن الإقصاء والتهميش، والسجن أو حتى الإعدام لن يمنع هؤلاء المفكرين والعلماء من إيصال أصواتهم وعلمهم وكتاباتهم، ولنا خير مثال في شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قضى مسجونًا فانتشر علمه، وفي العالم سيد قطب -رحمه الله- الذي قضى إعدامًا شهيدًا فتكالب الجميع على مؤلفاته.

أخطأ المسؤول إذا اعتقد أن الاعتقال سبيل لتكميم الأفواه، بينما يطلق العنان للمطبلين، فذلك لا يدل إلا على ضعف حجته وقلة حيلته، وأخيرًا هل نستطيع كحكام ومحكومين أن نرتقي بعلاقتنا؛ لتكون علاقة تكاملية مبنية على إعطاء الحقوق، وأداء الواجبات؟ أم تستمر بهذا الشكل الدموي المتخلف؟ التاريخ يخبرنا أن إمبراطور الروم قهر شعبه الثائر وأحرق روما، لكن لم يدم له الكرسي بعد ذلك إلا عامين وخلع، ودمتم سالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك