الديمقراطية تعني ببساطة ضرب الشعب بالهراوات بواسطة الشعب لصالح الشعب.

يضربُ عريض المنكبين خاصرتي بحذائه الثقيل، يتصببُ الدم من فمي؛ كرات، كلتا يديَّ مربوطتان بحبلٍ من مسد في خشبة الكرسي، رأسي قد ثقل فوقع في صدري، في وجهي ثم ينادي علي المأمور كي يجرني كدجاجةٍ إلى الغرفة المظلمة؛ وجدت ندى عبد القادر – بطلة رواية فرج – للكاتبة المصرية رضوى عاشور.

استيقظت، أمسح البصقات الصُفر عن وجهي بكتفي الأيسر، أستعيذُ برب الأمان من شيطان القهر. كان حُلمًا مروعًا، يا للهول!

كنت في الصباح في جلسةٍ حوارية مع بعض الكُتاب حول السلطة والمثقف، وما أن سألني أحدهم: لماذا لا تكتبين في السياسة يا صديقة؟ حتى هربت ضحكًا من الإجابة. وفي الحقيقة أني أحقد على ذلك العالم الذي يأكلُ فيه القوي لحم صاحب الرأي «نيًا»، أكرهُ العنف، الضعف، الخوف، ووجه الجندي المأمور.

كانت أمي تمنعنا من مشاهدة الأفلام المصرية قبل أن نتمم السادسة عشرة، لم تكن تسمح لنا إلا بمشاهدة قنوات الأطفال وبعض المسلسلات بحضرتها وفي ذات يوم جاءها اتصال على عجل يخبرها أن جدتي – أمها – قد نُقلت إلى مستشفى دار الشفاء إثر وقوعها؛ فكُسرت.

وما أن خرجت وبقيت وحدي بالبيت، رحت أركض إلى التلفاز بلهفةٍ وكأني عثرت على مصباح علاء الدين، دعكته ليخرج لي الجني وأطلب منه فيلمًا جميلًا من تلك الأفلام التي سمعت زميلاتي في المدرسة يتهامزن عنها لكن لا أعلم إذا كان لسوء الحظ أو حسنه أن أخرج لي فيلمًا قاسيًا. يا للهول! خرج لي ضابط شرطة بنظارته الشمسية يركب حصانه رأسه يوازي رأس سجين ببدلة زرقاء يقف في الصحراء ساعات طويلة، يتصبب عرقه، يسأله الضابط: عن عمله؟ ليجيبه كاتب؛ فيستهزئ به. ومن ثم يأمر أحدهم بأن يسكب الماء على الأرض أمام فم السجين بينما الشمس عمودية على ضعفه – فيلم البريء -.

ليس ذلك وحده كبرت بعض الشيء وبات يسمحُ لنا باختيار ما سنشاهد ببعض من الرقابة الطفيفة، وفي ذات يوم آخر -مرة أخرى لا أعلم إن كان لسوء أو حسن الحظ – أن خرج لي شابٌ كان يعمل في المسرح قبل أسره، يصرخُ «أنا ليا مين غيرك يا بلدي أنا ليا مين يلي علمتيني إيه مع الحنين، انتِ الي أرضك طيبة» ويدور حوله علّ الهواء الملوث بالدم يبردُ سخونة جسده المُزرق بفعل السوط؛ – فيلم إحنا بتوع الأتوبيس -.

حتى أدب السجون الذي تملأ كتبه رف المكتبة قد «زاد اللعنة بلة» وهو نوع من أنواع الأدب المعني بتصوير الحياة خلف القضبان، يناقش الظلم الذي يتعرض له السجناء، والأسباب التي أودت بهم إلى السجن، حيث يقوم السجناء أنفسهم بتدوين يومياتهم وتوثيق كل ما مرّوا به من أحداث بشعة داخل السجن. «شرق المتوسط»، «تلك العتمة الباهرة»، «يا صاحبي السجن» و«القوقعة».

فعلى سبيل المثال رواية «يسمعون حسيسها» للكاتب أيمن العتوم التي وأثناء قراءتي لها قد كنت لا أصدّق كل العذاب الذي تعرّض له السجناء في سجون «تدمر» السورية وفي سجون أو بالأصحّ «مقابر» أخرى، كدت لا أصدّق استيقاظهم على لكمات قاسية، شتائم بذيئة ضرب بالبسطار وبالسياط المنقوعة لعدة أيّام بالملح ليتلذّذ الجلاد بمنظر المعذَّب يتألم بانخلاط الدمع مع الملح! كدت لا أصدّق القتل والتعذيب بالخازوق والزحف على الزجاج وغيرها الكثير من أنواع التعذيب بينما جسدي يرتعش! كدت لا أصدّق الطعام والسوائل المخفوقة بالفضلات وأنواع الحشرات كالجرذان التي كانت تأكل نصيبها من الخبز والبرغل! كدت لا أصدّق تفشّي أمراض عدة مثل الجرب والسل والكوليرا دون أن يرقّ للسجانين جفن على ما يحصل! كدت لا أصدّق أن كل هذا يحصل لبشر أحياء، معاملتهم معاملة سيئة وقتل نفوسهم بكل لذة.

كنت مع كل ورقة أقلبها أتساءل: أي قلوب تلك التي يملكون؟ وأي قلوب نملك؟ أين كنّا عنهم؟ وأين نكون عن أمثالهم؟ ما شقاؤنا وحزننا في الدنيا مقارنة بدفن حياتهم في الحياة؟ كنت أتساءل طوال الوقت ما الذي صبّرهم! وماذا لو كنت مكانهم؟ حتمًا كنت سأقاد إلى موت التعب كما أصيب بعضهم بينما البعض الآخر قد أصيب بالجنون أو ظل صابرًا.

فالقمع يا صديقي هو الشيء الوحيد الذي يجمعنا، علامة عربية خالصة مطبوعة على جبين كل المدن، مُعلقة على أبواب البيوت، موجودة في كل مكان، في الشوارع، البيوت، الغرف وقد تجدها في جيوبنا أيضًا.

تنويه: ما زال الكثير من الحديث. كنت أود لو أكتب بجراءة أكثر بعض ما تعرضنا له في مدينتنا من قمع لكني أخشى السجن ودموع أمي. ففي الواقع يمكنك ممارسة ما تريد عدا حريتك في التعبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد