يعتبر الشعب في الأنظمة الديمقراطية هو مصدر القرار، وإرادة الجماهير هي التي تحدد شكل النظام السياسي واختيار من يمثل الأمة في المجالس النيابية، والبلدية، والتنفيذية. وإذا كانت الديمقراطية في المجتمعات الغربية قد قادت الناس إلى الخروج عن بعض القيم الأخلاقية والإنسانية التي نتشاركها جميعًا فلا ينبغي أن يحدث ذلك في المجتمعات المسلمة. صحيح أن الديمقراطية الغربية قادت المجتمعات الأوربية إلى العلمانية، والليبرالية، والتحرر وما شابه ذلك. ولذلك، بموجب القوانين الغربية النافذة فالشخص متحرر من كل القيود شرط أن لا يخل ذلك بالأمن العام للبلد والمساس بقوانين البلد، وماعدا ذلك فهو حر في حياته. لذلك، رأينا ظاهرة الشذوذ الجنسي، وظواهر إجتماعية أخرى تخل بالقيم الإنسانية، بل الفطرية التي يتشاركها الناس جميعا.

في المقابل لا بد أن نعرف أنّ الاسلام ليس ضد الديمقراطية والحرية، بل دعا إليها وحث الناس على ذلك، لكن جماعات العنف المسلحة كالطوائف الجارودية الطائفية وجماعات العنف الأخرى ترفع شعارات دينية ضد الديمقراطية وتحاول ربطها بالأعمال ألغير أخلاقية، وأن الديقراطية ثقافة دخيلة ومستوردة من دول الكفر … إلخ. تحاول هذه الجماعات المؤدلجة أن تُشرعن لأعمالها البربرية والهمجية، وتُرغم الناس بإسم الدين أن يطيعوا قادتها باعتبارهم أولياء الله وخلفاؤه في الأرض، ويستدلون ببعض الأيات التي يفسرونها حسب رغباتهم ومصالحهم. ولذلك، على مر التاريخ لم يستطيع الطغاة والظلمة والجبابرة التربع على عروشهم إلا على أساس عصبية أو طبقية يكسبونها في قومهم ويشركونها في مكاسبهم ويضطرون إلى استرضائها بضروب من الزلفى والإصلاح، بحسب توصيف الشهيد محمد محمود الزبيري في كتابه (الإمامة وخطرها على اليمن).

أدخلت جماعات العنف المؤدلجة والمسلحة المنطقة العربية في صراعات وحروب طائفية كي لا تقوم لهذه الشعوب قائمة ويحدث فيها تحول ديمقراطي حقيقي. بل تريد هذه العصابات أن تبقى الشعوب العربية رهن التخلف ونبش الماضي البعيد كي يستمر القتال بين أبناء الشعوب العربية تحت مسميات كاذبة كتلك التي ترفعها جماعات العنف الطائفية في العراق، واليمن، وسوريا، ولبنان تحت مسمى نصرة الحسين والانتقام لدم الحسين!

مما يزيد الطين بِلة هو أن هذه الجماعات الطائفية تزج بالأبرياء في حروبها العبثية وشعارها المأثور من أحبنا أهل البيت فليستعد للبلاء جلبابًا. حسب الواحد منهم أن يتربع على العرش ثم يقول للناس أن الله هو الذي ولاه، أن الله هو الذي أمر الناس أن يطيعوه، وأن يخدموه، وأن يقدسوه، وأن يموتوا في سبيل نصرته. إن حكمه ليس مستمدًا من الشعب، ولا من فضل الشعب، بل منحة من السماء، إنه ظل الله ونائب الله وخليفته. (محمد محمود الزبيري). وبهذه النظرية الثيوقراطية القائمة على المغالطات والخرافات استطاعت حركات العنف الطائفية المسلحة أن تغرس أفكارها الهدامة في عقول الشباب وتجعلهم يرفضوا الديمقراطية على أساس أنها مفهوم مستورد من دول الكفر. تحاول هذه الجماعات تزييف الوعي المجتمعي ونشر ثقافة العبودية بدل الحرية، والديمقراطية، والعدالة، وسيادة القانون، كي تستمر في الحكم؛ لأنه لو انتشرت هذه القيم الإنسانية النبيلة في المجتمعات العربية بكل تأكيد سيكون صوت الحق هو الأعلى، وسيختار الشعب من يحكمه، وستختفي ظاهرة العبودية والثقافات الطائفية، وستذوب الطبقات والفوراق، وستنتشر قيم المحبة، والسلام والأمن، بدلًا عن ثقافة العنف، والحقد، والاقتتال الطائفي.

ما يحصل اليوم في بعض بلدان الوطن العربي هو بسبب غياب الديمقراطية وسيطرة جماعات العنف المسلحة على الحكم في هذه البلدان بقوة الحديد والنار. فالحركة الشيعية في لبنان ضد إرادة الشعب اللبناني وتستخدم العنف في حال لم تحصل على مقاعد كافية في البرلمان أو المجالس المحلية، أما حركة الحوثي في اليمن فقد دمرت كل مؤسسات الدولة، وتريد أن تعود بالشعب اليمني إلى الوراء. نهبت هذه العصابة المال العام، ونشرت ثقافتها الطائفية المبنية على الخرافات، والتعصب السلالي المذهبي، وتدعي حقها الإلهي في الحكم. عرّف الرئيس اليمني عبدربه هادي خلال كلمته في الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة جماعة الحوثي على أنها جماعة عنف طائفية حيث قال: إن الشعب اليمني يتصارع مع جماعة دينية معقدة، فهي تؤمن سياسيًا بحقها الحصري في الحكم باعتباره حقا إلهيا وترمي بكل القيم العصرية من الديمقراطية وحقوق الإنسان عرض الحائط. وهي اجتماعيا ترى نفسها عرقًا مميزًا يطالب الشعب بالتبجيل والتقديس. وهي جماعة تستخدم كل أساليب العنف الذي مزق المجتمع وخلق الكراهية في الشعب، وهي وطنيًا جماعة باعت ولاءها الوطني وتعمل كوكيل لصالح إيران وحزب الله.

كما أن الأنظمة القمعية العسكرية والملكية والتي من وجهة نظر كاتب هذه السطور تندرج تحت مفوم جماعات العنف المسلحة وإن كانت تدعي هذه الأنظمة أنها سلطات شرعية، إلا أنها تمارس نفس أساليب جماعة العنف المسلحة. لا تقبل بالديمقراطية وتفضل استخدام العنف لإخماد المعارضين؛ مما جعل الشعوب العربية تعيش في ظلام دامس وجهل، وفقر، وحروب، وصراعات والسبب هو غياب الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون.

ختامًا: لا حل في الوطن العربي إلا بمواجهة جماعات العنف، وإزاحة قادة الأنظمة القبلية التقليدية، والعسكر من الحكم وإقامة أنظمة ديمقراطية مبنية على أسس حقيقية. نأمل أن يتحقق ذلك في القريب العاجل فقد دفعت الشعوب العربية الثمن؛ كي تعيش في أمن وسلام مثل باقي شعوب الدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد