الديمقراطية والفساد .. وجهان لعملة واحدة .

وجهان لعملة واحدة

الديمقراطية والفساد وجهان لعملة واحدة، هذه الحقيقة الخافية التي لم يتجرأ مثقفونا وسياسيونا وكُتابنا للحديث حولها، الديمقراطية وجه آخر وأساسي للفساد السياسي والمالي والانحلال الأخلاقي والديني، تعطيك حرية ما بعدها حرية من التعبير عن الرأي إلى حرية الانحلال في الحديث، وبذاءة الملبس والمشرب، الديمقراطية مفسدة ما بعدها مفسدة؛ أدت إلى تدهور عام في كافة المجتمعات، التي اتخذتها خيارًا باعتبارها ممارسة شعبية، ومصدرًا للسلطة.

فالفساد أصبح في عصر الديمقراطية أقوى من ذي قبل، فالفاسد بما حققه من ثروة بطرق غير مشروعة استطاع أن يستقوي بإيجاد السبل الكفيلة لاستقوائه، من خلال انخراطه وتزعمه واشتراكه في كل التكتلات الحزبية، والتنظيمات، والنقابات؛ فالنظام الديمقراطي يفسح المجال لفضح الفساد، ومعالجته من خلال الأجهزة الرقابية المستقلة، ويحكم على نفسه بالفناء إن لم يحرك ساكنًا حيال فساد مفضوح أمره؛ وهذا ما دفع أهل الفساد للانخراط في كافة الأجهزة الرقابية، ومن خلالها تعمل بقوة لتمييع صورة الديمقراطية، بعد ركوب الديمقراطية للحصول على حصانة تحمي نشاطه، وفساده، ومصالحه الشخصية باسم الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، وحقوق الإنسان، والأهم حماية متنفذي السلطة.

تشدق الفاسدين بالديمقراطية

فالفاسدون من خلال استماتتهم في الدفاع عن مصالحهم المكتسبة لن يتوانوا عن التشدق والتمسك بالديمقراطية، وركوب موجتها، وإن لم يفلحوا، فلن يصعب عليهم الإطاحة بها، وحينها لن تجد الديمقراطية من يسندها؛ لأنها لن تمثل مصلحة لأحد ما لم تبدأ باجتثاث الفساد قبل أن يجتثها.

ومن خلال ملاحظة بسيطة في عدد من البلدان العربية تجد أن هوامير الفساد الباسطين على أراضي الدولة، والمستحوذين على كافة مناقصات الدولة، وأصحاب كافة المنشآت التي خصخصتها الدولة هم أعضاء في البرلمانات العربية، ومشاركون بنسبة معينة ومحددة مع أعضاء في الحكومات، ومتقاسمون النسبة الأكبر مع متنفذي السلطة العليا في البلد، الغطاء الأكبر الذي يحمي هذا الفاسد وذلك المتنفذ، هكذا تتم الديمقراطية للأسف! حتى بعدما هاج وثار وغضب الشارع العربي إلا أننا نستطيع اليوم تطبيق المثل «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت».

بالفعل فشلت ثورات الربيع العربي من ليبيا إلى تونس إلى اليمن وسوريا وحتى العراق ومصر، فشل الشعب العربي جملة وتفصيلًا أمام غول الفساد المستشري والمنقوش نقش الحجر المزروع في جسم هذا الشعب العربي، الذي لا بد أن يكون قد أيقن مؤخرًا أن للفساد مدرسة تربى عليها جيل كامل من المفسدين والمتنفذين، نجح الشعب في الإطاحة بجيل السلف ليأتي جيل الخلف الذي تربى وعاش وتشّرب فسادًا منذ الصغر؛ ليصبح في الاستحالة إزاحة هذه الطينة من البشر إلا بموجة من الثورات المتكررة، حتى يستقيم الوضع، وينصلح حال أهل السلطة والحكم من الشعب والبشر.

والغريب أن البلدان العربية التي لديها نوع من الممارسة الديمقراطية البرلمانية (وحرية التعبير) هي من تعاني الفساد المالي والإداري، والمحسوبية، والواسطة فقد أصبح الفساد ظاهرة عامة منتشرة في كل مؤسسات الدولة، ربما كانت الديمقراطية سببًا في البذاءة، وقلة الاحترام، والشتم العلني، والتمادي على رموز الدولة نتيجة عدم فهم معنى الديمقراطية باعتبارها مصطلحًا راقيًا مهذبًا، يحترم كل الآراء، ووجهات النظر السليمة والصحيحة.

الديمقراطية أسوأ أشكال الحكم

لقد عانى الغرب من القهر، والاستبداد، وظلم الكنيسة، ورجال الدين متعددي المذاهب والأفكار، والتحريف الذي أصاب معتقدهم ودينهم المسيحي؛ لتخلص الشعوب الأوروبية إلى فكرة وثورة ما يسمى بالديمقراطية لترفع عن الشعوب عهودًا من الظلم، والفساد، والإرهاب الفكري والديني المستبد، وقمع كافة الحريات، والتعبير عن الرأي.

جاءوا بالديمقراطية باعتبارها حلًا لكافة مشاكلهم، ومعاناتهم؛ حيث كانوا متعطشين للحرية، وممارسة أبسط حقوقهم في التعبير عن آرائهم، دون ملاحقة أو مضايقة، فلذلك اعتنقوها وقدسوها وتفاعلوا معها، وتفانوا من أجل العمل لإنجاحها، وممارستها بصدق وشغف.

وهذا يفسر لنا السر وراء الالتزام العجيب لدى كل الغرب، والقبول طواعية دون اعتراض أو رفض لنتائج الانتخابات مع قلة في الأحزاب السياسية، وإذا حصل الاختلاف حول النتائج، فسرعان ما يتفقون عليها ويتنحى الرئيس السابق بكل سهولة ويسر، ويُسلم كافة الأمور لخليفته.

صحيح الديمقراطية ليست هي النظام الأمثل، ولكن إلى يومنا هذا لا يوجد نظام أفضل منها، هذا ما قاله «تشرشل» في وصف مكانة الديمقراطية بين الأنظمة السياسية الأخرى بأنها: «أفضل الأسوأ».

«الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم، باستثناء كل الأشكال الأخرى التي تم تجربتها»، كان تشاؤمه هذا مبررًا بعد أن صوت الشعب البريطاني لصالح إخراجه من منصبه بصفته رئيسًا للوزراء بعد أسابيع قليلة من الانتصار بالحرب العالمية الثانية.

الشعب لم يعد مصدرًا للسلطات

جاءت الديمقراطية باعتبارها أفضل الحلول المناسبة التي تنظم حياة الشعب السياسية، وكان خلاصته الشعب هو مصدر كل السلطات والتشريعات، ولا توجد سلطة أعلى من سلطة الشعب، وعلى الجميع الرضوخ لما يقرره الشعب، مع السماح لفتح مجال للحوار بين أبناء الشعب الواحد على أساس المواطنة العادلة المتساوية، وعدم تهميش أو إلغاء أي فكرة مصدرها الشعب، وفتح المجال للرأي والرأي الآخر، وفتح مجال أوسع للتعبير وطرح جميع أنواع الأفكار والمقترحات ودراستها، مع أهمية أن تكون الفكرة ذات رصيد جماهيري يدعمها بما يعطيها الثقل وحجمها الكافي لاعتمادها تمهيدًا للعمل بها، من قِبل كافة فئات الشعب، وإن اختلفت آراؤهم.

هذه الديمقراطية حظيت بقول واستحسان عند غالبية شعوب الأرض إن لم يكن كلها، وكانت من تلك الشعوب التي دخلت وتعلمت الديمقراطية الشعوب العربية والإسلامية، فصاروا يتبنون هذه الأفكار ويروجون لها ويدرّسونها للنشء، ويفتتحون المعاهد والمؤسسات المتخصصة المدعومة من الغرب لإشاعة نشر مبادئ الديمقراطية وأصولها، مع الترويج الإعلامي الذي يدعم ويتبنى ويُزين هذه المبادئ والأفكار البديلة.

وتعبيرًا عن حاجة الشعب العربي إلى نوع من التعبير وحرية الرأي، وتحت ضغط بعض المنظمات والحكومات الغربية، وفي ظل عدم إدراك وغياب الوعي الديني، ونتيجة عدم وضوح بعض المسائل المهمة للعقيدة الإسلامية، خلال هذه الظروف مع بزوغ الديمقراطية في بلاد العرب ظهرت بعض التيارات من الحركات الإسلامية تنادي بالحرية والعدالة، وحقوق الإنسان، مستشهدين في ذلك بما تحقق في البلدان الغربية الناجحة، باعتبارها محاولة للتخلص من الواقع الرديء والسيئ الذي فرضته الأنظمة الحاكمة المستبدة في بلدانهم.

الديمقراطية لتكريس السلطة

ومع تجاوب بعض الحكام العرب في تطبيق نوع من الممارسة الديمقراطية، أدرك هؤلاء الحكام أن البساط والسلطة المطلقة ستحسب على مضض من تحت أقدامهم، إن هم قبلوا بتطبيق النظام الديمقراطي وفق الطريقة الغربية، وكان لا بد من مسايرة ذلك، وممارسة الديمقراطية، والتقوقع خلفها من أجل تحقيق بعض الأهداف؛ الأول: إرضاء الشعب وبعض المثقفين ومنحهم بعض الحرية في التعبير عن الرأي. والهدف الثاني وهو الأهم: كسب ود الغرب كي يدفع بسخاء لمن يتبنى أفكاره، ويفرض على شعبه تطبيق أحدث تجاربه.

وسارت الأمور على هذا المنوال عدة عقود، لم يُرفع فيها الظلم، وظلت الحريات مقموعة لم تطبق، وحقوق الإنسان على ما هي عليه كما في السابق تنتهك باسم الديمقراطية، مع انتشار وسائل الإعلام الحديثة التي ما برحت تمارس الكذب وتضليل الرأي العام تحت شعار الديمقراطية غاية وهدف، وهو النهج الذي لا يرتضي الشعب بديلًا عنه، وحتى يستمر الحكام على كراسيهم، ومع إعلان التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطية واحترامها، كان لا بد من اتخاذ وسيلة ما، تضمن لهم ذلك، فلجأوا إلى كل أساليب الحيل والتضليل والتزوير لضمان الأغلبية الساحقة في الانتخابات، يمارسونها فيخرجون منتصرين في كل الأحوال، ومختلف الظروف، إلى أن يتغير خطاب الحكام بمن وصفهم باعتبارهم شركاء في الممارسة الديمقراطية، إلى عملاء لديهم أجندات خارجية ويسعون إلى الفوضى، ونشر الفساد، ولكن عن طريق الديمقراطية هذه المرة، ويقودون ضدهم حملات التشهير والتخوين، ويصفونهم بشتى الأوصاف التي تتنافى مع الممارسة الديمقراطية، وحرية التعبير عن الرأي، ليكرس الاستبداد، والقهر، وكبت الحريات تحت مظلة الديمقراطية، التي ما زالت هشة جدًّا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد