الديمقراطية هي الوصف الذي يُطلق على كل نظام «يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه»، وهذا المعنى المجرد يدعو إلى القول إن النظام الإسلامي هو نظام ديمقراطي وأن الديمقراطية من الإسلام أو لا تخالف الإسلام. والتوقف عند هذا الفهم دون ربطه بالأساس الذي يقوم عليه والواقع المتصل به يجعل الفهم مبتورًا ولا يكشف عن المراد من الدعوة إليه ولا يُعطي الصورة الحقيقية له ولا يجعل الموقف من الديمقراطية صحيحًا.

إن «حكم الشعب نفسه بنفسه» يستند إلى مفهوم الإرادة وينبع من تصور الغرب لجوهر الإنسان وطبيعته التي يتنازع حولها نظرتان: إرادة الخير التي تقتضي الحرية وإطلاقها وحمايتها؛ وإرادة الشر الناجمة عن الخطيئة الأصلية لآدم وتقتضي لجمها وتقييدها. ولهذا كان «العقد الاجتماعي» عند أغلب المفكرين ينطلق من الحق الطبيعي القائم على الحرية وصولًا إلى المجتمع المدني الذي يتواطؤ فيه الناس على ميثاق يعبر عن إرادتهم.

ولذلك كان مفهوم «سيادة الشعب» مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعلمانية (فصل الدين عن الحياة) والليبرالية (الحريات العامة) ولا يمكن فصله عنها أو تطبيقه دون رقعه باستحداث السلطات والفصل بينها؛ لأن حكم الشعب نفسه بنفسه فكرة نظرية تخلو من طريقةٍ لتنفيذها. وكما هو معلوم؛ فإن المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى كان يُحكم بأنظمة تدّعي «الحق الإلهي» الذي يُصادر «الحقوق المدنية» بموجب فلسفة «الخطيئة الأصلية» التي ابتدعها بولس وصاغها أوغسطين.

وكانت فلسفة الخطيئة تقضي بأن الإنسان يولد فاقدًا لإرادة الخير؛ لأنه يحمل خطيئة آدم التي أفسدت طبيعته وأفسدت الجنس البشري من بعده. وهذه النظرة إلى الإنسان تستند إلى نص إنجيلي يقول: «من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم… إذ أخطأ الجميع» رومية 12:5. ونتيجة لتلك النظرة إلى الإنسان والحياة تواطأت الكنيسة مع الملوك لمحو إرادة الشعب وفرض الوصاية على عقول الناس ومحاربة العلم والعقل وإلزام الناس بالتفسير الكتابي للوجود وشرعنة الثيوقراطية ونظام «الأبوة».

ومما ينبغي لفت النظر إليه في هذا الصدد هو أن مشكلة الفلاسفة مع فلسفة «الحق الإلهي» لم تكن في زعم الملوك بأنهم يستمدون سلطتهم في الحكم والتشريع من الله فحسب، بل في إلزام الشعب بالتفسير الكتابي للوجود أي في مصدر الأفكار والتشريع وطريقة العيش؛ كقضية مركز الكون وتناقض التفسير العلمي مع التفسير الكتابي بشأنها، ولم يكن حرق أكثر من 30 ألف عالم في العصور الوسطى إلا لمخالفتهم التفسير الكتابي للوجود، ولم تكن محاباة ديكارت وبيكون للكنيسة بشأن قبول التفسير العلمي والتفسير الكتابي معًا إلا لتجنب تهمة مخالفة التفسير الكتابي، بمعنى أن قضية الحق الإلهي لا تقتصر على موضوع مصدر السلطة بل في مصدر شريعة الحياة ونمط العيش؛ ولذلك صب الفلاسفة جام غضبهم على «الكتاب المقدس» وأثبتوا بطلانه وأنكروا الوحي ونقلوا السلطة والحاكمية من يد الكنيسة والملوك إلى يد الشعب عبر فكرة سيادة الشعب.

ومن هذه التربة الفكرية والسياسية والمجتمعية انطلق الفلاسفة في تصوراتهم لأنظمة الحياة. فقرروا أن حرية الإرادة وليس تقييدها هو المعبر عن الخير وجوهر الإنسان وهو طريق النهوض؛ وقرروا أن للشعب «الحق» في ممارسة إرادته في الحكم وتقرير المصالح وثاروا على الدولة وجعلوا الحق الطبيعي وتدرجه نحو المجتمع المدني والعقد الاجتماعي يحلان محل الحق الإلهي المزعوم و«نظام الأبوة»؛ واستبدلوا بمرجعية الدين والتفويض الإلهي ومزايا الملوك والنبلاء سيادة الشعب والقانون. وبالرغم من أن الحريات العامة خاصية ليبرالية إلا أنها مكوّن أساس في الأنظمة الديمقراطية وعلامة فارقة بينها وبين الأنظمة الاستبدادية والدينية إذ لا يمكن للشعب أن يمارس إرادته في الحكم والتشريع بدونها وبدون فصل الدين – المقيِّد للحريات – عن الحياة. وبهذا الوصف لا يمكن فك الديمقراطية عن العلمانية والليبرالية بحال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد