عندما نتتبع أو نقرأ وسائل الإعلام التقليدية أو مواقع التواصل الاجتماعي غير الأمريكية، وخصوصًا في المنطقة العربية، لا يمكن إخفاء أن العديد كانوا وما يزالون يشككون في نزاهة الانتخابات الأمريكية ومصداقيتها بشكل عام. كما يصفها البعض بأنها «مطبوخة مسبقًا» أو تقررها قوى «خفية» تعمل في الظلام وتقرر من يحكم الشعب الأمريكي. اشتد هذا الخطاب عندما بدأ دونالد ترامب في التشكيك في نزاهة الانتخابات مستخدمًا اتهامات كاذبة لإقناع قاعدته الشعبية بأن الانتخابات سُرقت منه.

فتساءلت لماذا هذا النهج شائع جدًا على شبكات التواصل الاجتماعي بين مواطني دول المنطقة على الرغم من عدم وجود قوانين انتخابات عادلة ودستورية ناهيك عن انتخابات حرة. يعزو العديد من المعلقين والباحثين في علم الاجتماع السياسي هذه الظاهرة إلى نظريات المؤامرة التي يتبناها الكثيرون. لقد تناولت في مقال سابق الأسباب التي تجعل من نظريات المؤامرة خيارًا مقبولًا في ذهن الأشخاص العاديين.

بالنسبة لأولئك الذين لم يعيشوا في الولايات المتحدة، قد يكون افتراض نظريات المؤامرة منطقيًّا تارة ومطلوبًا في بعض الأحيان من العديد من الحكومات غير الديمقراطية ويُروج له عبر وسائل الإعلام لأسباب كثيرة منها إلهاء الناس عن القضايا المحلية والملحة وإقناعهم بوجود قوى خارجية تمنعهم من ممارسة ديمقراطية الانتخابات.

دعونا نتفق على حقيقة أن العديد من السياسيين والباحثين يدركون أن السياسة الخارجية الأمريكية هي استراتيجية طويلة الأجل لا تتغير بشكل كبير بغض النظر أي الحزبين الرئيسيين يحكم الولايات المتحدة، وهي قائمة على المصالح ولا تحكمها القيم والأخلاق دائمًا، ولكن يمكن أن نُجادل في هذا السياق، أي من الحكومات في العالم تأخذ بالاعتبار القيم والأخلاق عندما تكون في السلطة؟

أما بالنسبة للسياسات الداخلية وإدارة الشؤون المحلية، فالوضع مختلف تمامًا وهو مصدر القوة الحقيقية الأمريكية في رأي الكثيرين. تُعتبر الانتخابات الأمريكية المُنتج النهائي لثلاث ركائز مترابطة ويعزز بعضها بعضًا: حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية، وهي تنتمي إلى القيم والمبادئ الأساسية لإدارة الشأن الداخلي في أي مجتمع وهي غير قابلة للتجزئة.

توقع مؤسسو الدستور الأمريكي النزعة البشرية للسيطرة خلال الحكم، فوضعو قوانين وإجراءات الانتخابات في يد مشرعي الولايات وليس تحت صلاحيات الرئيس الأمريكي، وذلك لضمان إيصال صوت الناخب العادي ودافع الضرائب. وهذا ما لم يتعود عليه بعض شعوب البلدان الأخرى.

إليك الآن 10 أسباب وراء فوز فلسفة وديمقراطية الانتخابات الأمريكية في 2020

1. سيادة القانون على الجميع

كتب جون آدامز (ثاني رئيس للولايات المتحدة) في عام 1735 أن الجمهورية هي «دولة قانون وليست دولة رجال». أشارت كلماته إلى القاعدة الأساسية في حكم الشان الداخلي الأمريكي، لا أحد فوق القانون ويجب أن يعامل كل شخص تحت سقف القانون. كانت الولايات المتحدة قد خرجت لتوها من الحكم الاستبدادي للملك جورج الثالث ملك إنجلترا وسعت إلى إقامة دولة تحكمها سيادة القانون، بدلاً من الحكم الاستبدادي والفاسد لقلة متسلطة.

2. العدل للجميع

منذ الأيام الولى لحكم المؤسسين، واجهت سيادة القانون والعدالة العديد من التحديات مثل الحرب الأهلية، وقضية وترجيت وغيرها حيث ابتكر أصحاب النفوذ واعوانهم طرق عديدة للتغلب على القانون، وأحيانًا نجحوا. ولكن على عبر التاريخ الأمريكي، كان هذا المبدأ عادةً حماية ثابتة للمواطنين الذين يرغبون في ممارسة حياتهم تحت سقف القانون، مؤمنين بأن نظام العدالة سيعاملهم بإنصاف، سواء كانوا بيل جيتس أو مهاجرًا وصل حديثًا الى الولايات المتحدة.

3. لا ضرائب بدون تمثيل سياسي وانتخابي

هو شعار سياسي استخدم إبان الثورة الأمريكية عام 1768، وعبر عن المظالم الأساسية للمستوطنين الأمريكيين ضد بريطانيا العظمى. أصبح هذا الشعار السياسي هو المحرك الرئيسي لحقوق الأمريكيين في انتخاب رئيسهم باستخدام انتخابات نزيهة وحرة طالما أنهم يدفعون ضرائبهم لحكومة الولاية.

4. موازنات مالية عادلة للعملية الانتخابية

يمنح دستور الولايات المتحدة (المادة الأولى، القسم 4، البند الأول) المجالس التشريعية في الولايات سلطة تنظيم الانتخابات وتمويلها ودعمها فنيا ولوجستيا. بعبارة أخرى، للولاية الأسباب الكثيرة لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة لدافعي الضرائب. تجدر الإشارة هنا إلى أنه من النادر معرفة حجم تكاليف إدارة الانتخابات داخل الولاية بسبب تعقيد الانتخابات ومشاركة عدة مستويات من المؤسسات. تتطلب الانتخابات رواتب للموظفين، وتأجير مواقع الاقتراع، وطباعة أوراق الاقتراع، ونشر معلومات الناخبين، وحماية الأمن الإلكتروني، ومواكبة التشريعات الحكومية المتغيرة التي تنظم الانتخابات.

5. نزاهة مشرعي الولايات بغض النظر عن ولاءاتهم الحزبية

رفض الرئيس ترامب قبول الخسارة الواضحة للرئاسة. وحاولت حملته بشكل متزايد قلب نتائج الانتخابات الظاهرة في مختلف الولايات المتأرجحة. على الرغم من أن بعض القادة الجمهوريين في البرلمان قد انغمسوا بشكل قذر في تلك الجهود، لكن ما حدث هو أن جميع المشرعين الجمهوريين في الولايات المتأرجحة لم يغيروا التصويت في ولاياتهم لانتخاب دونالد ترامب وانحازوا إلى أصوات الأغلبية في ولاياتهم كما ينص دستور وقوانين الولاية.

6. نزاهة ممثلي المجمع الانتخابي

تعمل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بطريقة فريدة، فهي تتطلب من كل ولاية أن يكون لها ناخبون محددون يمكن الوثوق بهم للتصويت نيابة عن الناس في الولاية. يتم ترشيح هؤلاء الناخبين من قبل كل حزب سياسي (جمهوري وديمقراطي)، وهم عمومًا مواطنون عاديون ويلتزمون بالقانون والنظام. يقسمون بأنهم سيصوتون وفقًا للتصويت الشعبي في الولاية.

تعاني طريقة الهيئة الانتخابية في الولايات المتحدة من تحدي يُعرف بقضية «الناخب غير المؤمن» حيث يدلي ناخبو تلك الهيئة بأصواتهم عكس إملاءات التصويت الشعبي لولايتهم. على الرغم من أن هذا حدث عبر التاريخ من قبل ناخبي الولايات، ولكن لم يغير أبدًا نتيجة أي انتخابات أمريكية. وكثيرًا ما يكون لها العديد من النتائج القانونية وغيرها على الناخبين.

7. ضمان الفصل بين السلطات

يهدف فصل السلطات إلى تقسيم المسؤوليات الحكومية إلى فروع متميزة للحد من ممارسة أي فرع للوظائف الأساسية للآخر أو التدخل أو التأثير على الفروع الأخرى. لا يجوز للأشخاص المكلفين بممارسة إحدى السلطات ممارسة أي من السلطتين الآخرين باستثناء ما يسمح به هذا الدستور. السلطات الثلاثة هي:

السلطة التشريعية مسؤولة عن سن قوانين الدولة وتخصيص الأموال اللازمة لإدارة الحكومة وتتمثل بالبرلمان ومجلس الشيوخ.

السلطة التنفيذية مسؤولة عن تنفيذ وإدارة السياسة العامة التي تسنها وتمولها السلطة التشريعية.

السلطة القضائية هي المسؤولة عن تفسير الدستور والقوانين وتطبيق تفسيراتها على الخلافات المعروضة عليها

8. ضمان الضوابط والتوازنات بين السلطات لتأمين الديمقراطية

الأدوات المؤسسية لتحقيق الفصل بين السلطات متوافرة بكثرة بالدستور. على سبيل المثال، وجود فرعين في البرلمان (الكونغرس ومجلس الشيوخ) يقلل من الهيمنة التشريعية. يمنح الفيتو الرئاسي للرئيس وسيلة للدفاع عن أولوياته وخططه التنفيذية ويمنع تجاوز البرلمان. بينما يسمح الدستورلمجلس الشيوخ ان يراقب الرئيس في التعيينات والمعاهدات. يتم ضمان استقلالية المحاكم من خلال ضمان رواتب عالية للقضاة واستمرارية بالعمل لفترة حتى الوفاة على شرط حسن السلوك الوظيفي، ويقوم القضاة من بالتشاور مع الفرعين الآخرين إن لزم. تمنح سلطة عزل الرئيس ومسائلة أعضاء السلطة التنفيذية للبرلمان لمحاربة الفساد وإساءة استخدام السلطة في الفرعين الآخرين.

9. ضمان حرية التعبير

ينص التعديل الأول في الدستور الأمريكي على ما يلي: «لا يجوز للكونغرس أن يصدر أي قانون … يحد من حرية التعبير«. حرية التعبير ليست مطلقة، والقيود أو الحدود المشتركة لحرية التعبير مرتبطة بالدستور والقضاء. حرية التعبير هي حق متعدد الأوجه يتضمن الحق في التعبير عن الأفكار ونشر والمعلومات، ولكن هناك ثلاثة جوانب أخرى مميزة:

الحق في الحصول على المعلومات والأفكار.

الحق في تلقي المعلومات والأفكار.

الحق في نقل المعلومات والأفكار.

10. ضمان حرية الصحافة

تم اعتماد التعديل الأول في الدستور الامريكي، الذي يحمي حرية الصحافة في 15 ديسمبر 1791، كجزء من وثيقة الحقوق العامة. حرية الصحافة وهي الحق في نقل الأخبار أو تداول الرأي دون رقابة حكومية. يتمتع الأمريكيون بحرية الصحافة كأحد الحقوق التي كفلها التعديل الأول في الدستور.

حاول دونالد ترامب قمع وسائل الإعلام أحيانًا باستخدام حملة من الأكاذيب وتسميتها بشركات إخبارية مزيفة وحاول منع الصحفيين من إحاطات البيت الأبيض، ودائمًا كان يفشل بسبب القضايا الفائزة التي ترفعها المؤسسات الإعلامية في المحاكم. في النهاية، طُلب من هذه الشركات نفسها إعلان الفائز في انتخابات 2020 وخسارة دونالد ترامب.

الخلاصة

حاول دونالد ترامب لأسابيع عكس نتائج الانتخابات باتهامات لا أساس لها وغير مثبتة بتزوير الناخبين في الولايات المتأرجحة. ورفض التنازل وبذلك قوض هو وحلفاؤه الثقة في نظام الانتخابات النزيهة والحرة في البلاد. ومع ذلك فإن الأدوات والأسباب العشرة التي ذكرناها في هذا المقال والنظام الانتخابي الذي وضعه مؤسسو الولايات المتحدة أثبتوا فوزهم في النهاية، على الرغم من أن العديد من غير الأمريكيين كانت لديهم شكوك كثيرة ولم يدركوا قواعد ولوائح الانتخابات الأمريكية الضوابط والتوازنات الحكومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد