“إنه لصنم يتمنى أن يحيط به الأبطال وفضلاء الرجال.. إنه ليمنحكم كل شيء إذا أنتم سجدتم له. فهذا الصنم الجديد يشتري لمعان فضائلكم وما في لفتاتكم من عزة وكرامة.

 

 

 

 

 

 

 

إنه في حاجة إليكم ليجتذب إليه العدد الفائض من الدخلاء على الحياة، فهنالك البرج الجهنمي، وهنالك جياد الموت تقرقع بعددها حاملة شارات المراتب والأمجاد، أجل ذلك هو اختراع الموت، أتى به للجموع ليحصدها حصدًا وهو يباهي بأنه هو الحياة، والمنذرون بالموت يرون بفعلته خير خدمة لمبادئهم”.

 

 

فريديرك نيتشه.. هكذا تكلم زرادشت

 

 

 

 

 

الصنم المقدس:

 

 

بين هذه الأصوات المتعالية، وتلك الصرخات المتتالية التي تنادي بضرورة تطبيق الديمقراطية، في جلسات البرلمان، وعلى شاشات التلفزيون، وفي خطابات الرؤساء والوزراء، هل الديمقراطية بكل هذه القداسة فعلًا؟ أم أنها مجرد مادة للخطابة، واستمالة الناس، والتلاعب بعقولهم البعيدة تمامًا عن أي معرفة حقيقية؟

 

 

 

 

لماذا حين يتحدث أحدهم عن خلل في النظام الديمقراطي، والفلسفة الديمقراطية، تثار حوله الزوابع بأنه معاد لحقوق الإنسان، وضد الحرية، ومتخلف غير مواكب لعصره… إلخ.

 

 

 

 

 

إن الخلط بين المفاهيم يؤدي دائمًا إلى تشويه الواقع والحقيقة في أذهان الناس، فالخلط بين مفهوم الحرية والديمقراطية هو مجرد تسويق لواقع زائف، وهذا إن دل فإنه يدل على تفاهة هذا الواقع، وتفاهة أصحابه.
 

 

 

والظن بأن الفكر الإسلامي هو فقط من يُعادي الديمقراطية، هو ظن مثير للسخرية.

 

 

 

 

ألا يعرف أولئك أن مفكري الغرب أكثر من انتقد وهاجم الديمقراطية؟ ألم يقرأوا ما كتبه إيمانويل كانط مثلًا عن الديمقراطية باعتبارها فلسفة استبدادية بالضرورة لأنها تقيم سلطة تنفيذية بمقتضاها يبدي الجميع رأيهم في واحد، وربما ضد واحد يختلف معهم في الرأي. وبعبارة أخرى، الجميع – وليسوا في الحقيقة جميعًا- يقررون، وهذا يجعل الإرادة العامة في تناقض مع نفسها ومع الحرية،

 

 

 

 

ألم يقرأوا ما قاله نيتشه عنها، أنها تعكس ما يسمى (أخلاق العبيد)، وأنها بمعناها انجراف يسمح لكل جزء في الإنسان بالانطلاق في المسرات والرغبات، وتتويج الفوضى والحرية، ومعناها عبادة أوساط الناس ومقت التفوق والنبوغ، ومعناها استحالة ظهور الرجال العظماء.

 

 

 

 

 

 

أو ما قاله إميل سيوران بأن الديمقراطي ما هو إلا طاغية متكرر، أو ما كتبه البروفيسور براين كابلان في كتابه: أسطورة الناخب الرشيد: لماذا تختار الديمقراطية أسوأ السياسات؟

 

 

 

 

 

أو رأي أفلاطون المعروف في الديمقراطية الأثينية… أو ما قاله جاك رانسيير أن الديمقراطية تخبئ في داخلها الأوليجاركية وحاكمية الأقليات التي نفذت إلى السلطة كخيار لا مفر منه

 

 

 

 

وغيرهم من مفكري الغرب.

 

إذًا لا يمكن القول إن الفكر الإسلامي فقط هو الذي يعادي الفلسفة الديمقراطية، إلا إذا فعلنا ما يفعله النظام المصري الآن، واعتبرنا نيتشه وأفلاطون وكانط “إخوان”!!

 

 

 

 

 

 

الديمقراطية ليست آلهة مقدسة يصنعها الإنسان ليعبدها كما ينظر إليها الكثيرون، هي في النهاية منتوج بشري، يحق لأي شخص أن ينتقده ويظهر ما به من خلل.

 

الكنيسة الديمقراطية.. والإكليروس العلماني:

 

 

 

بالنظر إلى الواقع الحالي بشكل أعمق، ومراجعة ما يجري حولنا بشكلٍ أدق، سندرك أن فكرة الديمقراطية هي نموذج مصغر للكنيسة في القرون الوسطى، ولا فرق بين إكليروس الكنيسة وإكليروس القوى والحركات العلمانية.

 

 

 

 

 

 

 

وفي واقعنا السياسي، أصبحت الديمقراطية هي الشرط الأساسي للدخول في أي عمل سياسي، وهذا الشرط – والعديد من التجارب تخبرنا بذلك- تحول إلى معيار أساسي تملكه القوى العلمانية أو بمصطلح آخر (وكلاء الغرب).. وبهذا يتكون الـ”إكليروس العلماني ” ليحدد ديمقراطية القوى الأخرى من عدمها.

 

 

 

 

 

ولأن هذا الإكليروس يتبنى النموذج الغربي، والأفكار الغربية.. نستطيع أن نعتبره نائب الحضارة الغربية في بلادنا.

 

 

 

 

 

وبهذا تصبح الديمقراطية، والنموذج الغربي، هما المرجعية الأساسية التي تحدد ما هو شرعي وما هو غير شرعي.

 

 

 

 

 

والحق أن الكنيسة الديمقراطية ورثت كل عيوب كنيسة القرون الوسطى، واستخدمت نفس وسائلها؛ فأصبح كهنة الديمقراطية يضطهدون كل من يخالف فكرتهم المقدسة بشتى الطرق، بالحرمان من “الكهانة” أي العمل السياسي، بالسجن والتعذيب، بالقتل والمجازر… إلخ.

 

 

 

 

 

ولم يقتصر ذلك على المخالفين للفكرة فقط، بل تجاوزوا هذا المستوى، ليضطهدوا حتى أولئك الذين رضخوا ووافقوا على شرط الديمقراطية للعمل السياسي، والسبب أنهم يشككون في نواياهم الداخلية تجاه الديمقراطية.. نفس أسلوب محاكم التفتيش.

 

 

 
وأفضل تجربة على ذلك، ما حدث للإسلاميين في الجزائر. فبعد فرض شرط الديمقراطية على الحركة الإسلامية بالجزائر، والسماح لها بدخول اللعبة السياسية والانتخابية، رغم أنها تخالف تمامًا ما يعتقده الإسلاميون، وبعد أن ظهرت قدرتها للوصول للحكم، انقلب العسكر عليها، بمباركة الإكليروس العلماني، وأطاح بها مرة أخرى.

 

 

 

 

 

ولماذا؟ لأن السادة وكلاء الغرب فتشوا عن نية الإسلاميين، وأدركوا أنهم يريدون الديمقراطية مرة واحدة فقط، وأنهم يستخدمونها كوسيلة حتى إذا وصلوا، أوقفوا العمل بها، (خايفين لياخدوا السلم معاهم فوق)!
 

 

 

 

وهذا هو أصل المشكلة، وأساس الأزمة التي تحدث عنها الدكتور رفيق حبيب وأطلق عليها لفظ “دمقرطة الإسلامي”.

 

 

 

 

 

 

فإكليروس الديمقراطية لن يسمح بأي طرح إسلامي، ولا أي قاعدة أو حركة، أو أمر له علاقة بالإسلام، إلا أن يمر بعملية (دمقرطة) قبل السماح له بالنشاط، فيتحول الإسلامي إلى غربي ولكن بنكهة إسلامية.. مجرد نكهة ظاهرية، وباطنها كله غربي معادٍ للإسلام. وهو الإسلام الذي تحدث عنه فضيلة الشيخ جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عندما قال: “سماحة الإسلام الوسطي الجميل”!

 

 

 

 

 

يقول رفيق حبيب:

 

 

“إن وضع أي طرح إسلامي على المعيار الغربي، حتى يتم قبوله أو رفضه، إجحاف سيؤدي بنا إلى مهالك حقيقية، سيظهر أثرها على حياتنا الثقافية والفكرية والسياسية.

 

 

 

 

 

 

فمن ناحية الثقافة، أصبح الإسلام مرفوضًا ما دام يخرج عن قواعد الغرب، فظهر الإسلام (الغربي) المقبول، أو كما يسمونه الإسلام المستنير.. وهو في حقيقته مجموعة أفكار غربية تتحلى ببعض الزخارف الإسلامية التي تنحصر في العبادات والتسابيح فقط.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويصبح هناك نوعان من الفكر الإسلامي، الإسلام المستنير والإسلام المتطرف، الأول مستوفي الشروط الغربية، والثاني ضدها وخارج عنها بالضرورة، وأصبحت تهمة التطرف والإرهاب، وعاء لشمل كل من تبع تعاليم الإسلام، وتعاليم سيدنا محمد”.
 

 

 

الديمقراطية التكفيرية.. وصكوك الغفران:

 

يقول المفكر الفرنسي جاك رانسيير في كتابه “كراهية الديمقراطية”:
“نتذكر تصريح وزير الدفاع الأمريكي بصدد عمليات النهب التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، قال ما جوهره أننا منحنا الحرية للعراقيين، والحرية الآن هي أيضًا حرية فعل الشر.. ليس هذا التصريح مجرد دعابة مصادفات، بل هو جزء من منطق يمكن إعادة تركيبه انطلاقًا من أشلائه الممزقة:

 

 

 

 

 

فلأن الديمقراطية ليست الأنشودة الرعوية لحكم الشعب لنفسه، لأنها فوضى العواطف التواقة للإشباع، يمكن بل ويجب منحها من الخارج بقوة سلاح قوة عظمى، مع فهم أن القوى العظمى ليست مجرد دولة تملك قوة عسكرية مفرطة، بل تملك بشكل أعم قوة السيطرة على الفوضى الديمقراطية”.

 

 

 
لو وافقنا على أن هناك من الحركات الإسلامية من يحاول فرض النموذج الإسلامي بقوة السلاح، فإننا أيضًا علينا أن ندرك تمامًا أن هناك من يحاول فرض النموذج الغربي (متمثلًا في الديمقراطية) بقوة السلاح أيضًا.. وهذا نتيجة حتمية لما فعله الإكليروس العلماني، من تقديس فكرة الديمقراطية ومحاكمة تيارات كثيرة على محك هذه القداسة.
 

 

 

 

ونحن نربط بين القوى العلمانية والديمقراطية لأن العلمانية ببساطة تقصي الدين من أن يكون مصدرًا للشرعية، وتجعل الشرعية مكتسبة من المعيار القيمي العام الذي يوافق المجتمع عليه، ولما كان هذا المعيار هو الديمقراطية، فإرادة الأغلبية هي مصدر الشرعية الأول عند الديمقراطية، وبهذا يصبح الربط بين الاثنين أمرًا طبيعيًّا جدًّا.
 

 

 

 

وبهذا أصبحت الديمقراطية ملة مقدسة، قداسة الدين نفسه، ولهذا أصبحت الحركات والتيارات الإسلامية، بل والحضارة الإسلامية، بل الدين الإسلامي نفسه، في حاجة إلى صك غفران من القوى العلمانية يؤكد ديمقراطيتها، ويمنحها شرعية الدخول في عمل سياسي.

 

 

 

 

ولذلك أصبح هناك – بالنسبة للإكليروس العلماني- قوى يلزم استبعادها، والإطاحة بها من اللعبة لأنها غير ديمقراطية، وقوى أخرى ديمقراطية لكن القوى العلمانية بحثت في نيتها وتصر بأنها ليست ديمقراطية.

 

 

 

“وهكذا أصبحت الديمقراطية تقاس بالنيات، وأصبح من يقبلها عن نية خالصة مؤمنًا، ومن يقبلها عن نية غير خالصة كافرًا، وجب استبعاده وقتله، وبهذا أصبحت هذه الديمقراطية أداة تعصف بتيارات، وتبيح الدماء، وتبيح الحريات”.
 

 

 

وإذا كان البعض يرى أن التيارات الإسلامية هي التي تكفر الآخر دائمًا، وتستبيح دمه، عليه إذًا أن ينظر بعين الصدق، ويعترف بالتكفير الذي تمارسه القوى العلمانية، وأحباب الغرب وما أطلقنا عليه “الإكليروس العلماني”..

 

 

 

 

الذي لم يكتفِ فقط بتكفير الآخر، بل ضرب بكلماته المنمقة، وحريته المزعومة عرض الحائط، ليرقص على دماء الخارجين على فكرته المقدسة، ويصفق لقاتلهم، بل ويحمل معه السلاح أحيانًا ليطلق نيرانه على من يخالفه.

 

 

 

وينسى أنه في وقت ما كان يردد ما قاله فولتير:

 

 

 

“قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنًا مقابل حقك أن تقول رأيك بحرية”.

 

 

 

 

 

علينا أن ندرك جيدًا أن تغليفهم لزجاجة الخمر بغلاف مكتوب عليه “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ليس مبررًا أبدًا لتقديسها، وهذا الغلاف لن يجعلنا ننسى أبدًا أنها في النهاية خمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد