مباشرة بعد سقوط جدار برلين وقبيل تفكك الاتحاد السوفيتي، نشأت تحركات واسعة في العالم نحو ما كان يسميه صموئيل هنتنغتون “الموجة الديمقراطية الثالثة”، وخاصة في جنوب أوروبا ومعظم دول أمريكا اللاتينية ثم شرق أوروبا وتحركاتها الحثيثة للابتعاد عن الشيوعية. حتى أنه وفي تلك الفترة قامت دول الاتحاد السوفيتي ودول إفريقية عديدة بانتهاج نظرات إيجابية نحو الديمقراطية وتطبيقها بشكل محدود.

 

فظهر هناك توجه عالمي ملموس نحو الديمقراطية في الخمسين سنة الماضية، فارتفع عدد الدول الديمقراطية من 35 في 1970 إلى 110 في 2014.

ولكن وكما أشار لاري ديمون، أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية من جامعة ستانفورد والمحاضر السابق في معهد هوفر، فإنه ومنذ 2006 كان هناك ركود ديمقراطي واضح في العالم وتدرج بطيء نحو التشكيك الجاد في جدارة الديمقراطية كنظام مثالي للحكم.

ظهر هذا التدهور جليًا بعد أحداث الربيع العربي في 2011، وظهور قوة ونفوذ روسيا والصين في المنطقة خاصة في سوريا والملف الإيراني، فلم يجد الديمقراطيون العرب من يقف بجانبهم فتجددت الديكتاتورية في مصر، وعمت الفوضى ليبيا واليمن وسوريا بالإضافة للعراق الذي ذاق طعم ديمقراطية الدم لسنوات.

من الصعب أن نخمن ما إذا كنا نعيش مجرد انتكاسة بسيطة للديمقراطية في العالم، على غرار ما حدث للسوق العالمية في 2008، أم أن هذه الأحداث أكثر خطورة على الديمقراطية مما نتصور مع صعود بدائل حقيقية للديمقراطية.

وظهور مدرسة جديدة أشبه ما تكون بالشيوعية الرأسمالية متمثلة بالصين، حيث إن السوق حر نوعًا ما والنظام السياسي الحاكم مستقر وصارم في قراراته. مع ضعف معروف في صيانة للحقوق الخاصة والعدالة الاجتماعية. وفي كلتا الحالتين لا يمكن لأحد أن ينكر حقيقة تدهور الديمقراطية ليس فقط في الدول النامية بل وحتى في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومع هذا الضعف والتشكيك في الديمقراطية تضل الحركات العفوية ضد الظلم والاستبداد مستمرة في نشاطاتها بدعم قوي من المجتمع المدني والحركات الطلابية كما حدث في أوكرانيا وجورجيا وصولًا إلى تونس والربيع العربي، ثم ما تبعها من احتجاجات هونغ كونغ وغيرها، ولكن ما تزال هذه الشعوب مع ارتفاع سقف مطالبها غير واثقة بالنظام الديمقراطي الحالي ولا يبدو أن هناك بدائل حقيقية أمامهم سوى تطبيق ديمقراطيات خاصة بهم وبنسيجهم الاجتماعي بدل البحث عن النموذج الغربي المتدهور حاليًا.

من جهته، يرى المفكر والعالم السياسي فرنسيس فوكياما أن تدهور الديمقراطية في العالم يعود لأسباب عديدة يكمن جوهرها في فشل الأنظمة الديمقراطية لمواكبة طموحات شعوبها، وعجزها أو تهربها من المساءلة الديمقراطية أمام ناخبيهم، إضافة إلى الفساد والظلم وضعف الخدمات العامة مثل الأمن والصحة والتعليم. مما يجعل المواطنين محبطين للغاية فيضطرون للبحث عن حلول بديلة لأنظمتهم القائمة.

مفهوم الدولة الحديثة لا يعني الدولة الخالية من الفساد والمحاباة فحسب، بل هي الدولة القادرة على فرض نفوذها بشكل غير مقيد على جميع أراضيها، ولكن ليس شرطًا أن تكون هذه الدولة الحديثة دولة ديمقراطية، بل دولة يطبق القانون فيها على الكل بدون أي استثناء لأحد. فدول مثل الصين، اليابان، ألمانيا، فرنسا والدنمارك أنشأت أنظمة حكم صارمة تحت ظروف استبدادية قبل أن تتحول كلها ما عدا الصين إلى دول ديمقراطية.

وهذه الدول الديمقراطية حافظت على نظمها البيروقراطية لإدارة الدولة، ولم تضف إليها سوى قدرة الشعب على التصويت للحكومات التي ستدير هذه الأنظمة الإدارية.

التغيير نحو الدولة الحديثة عادة ما تقوده الطبقة العسكرية أو الوسطى من المجتمع، خوفًا على مصالحهم أو بسبب دواعي أمنية تهدد البلاد، فالحروب الضخمة التي خاضتها أوروبا دفعت دولها نحو تنظيم مجتمعاتها بشكل صارم لصناعة الحروب، وكما قال تشالز تيلي: “الحروب تصنع الدول، والدول تصنع الحروب”. هذا ليس حصريًّا على أوروبا فحسب، بل وحتى في الصين حيث دفعت الحروب الطاحنة إلى قيام دولة غير شخصية (دولة قانون) بيروقراطية في القرن الثالث قبل الميلاد على يد دويلة تشين الذي وحد الصين بعد أن كانت سبع دويلات معادية ومتناحرة مع بعضها البعض.

وبالمثل، هناك القليل من الأدلة المقنعة على قدرة الفقراء لقيادة ثورات تغيير منظمة لتحقيق دول حديثة ديمقراطية، فالديمقراطية ليست للفقراء الذين أنهكتهم مشقة الحصول على لقمة عيشهم اليومية. وفي نفس الوقت لا يمكن الوثوق بالضغوط الخارجة لدفع الدول لتطبيق أنظمة ديمقراطية شبيهة بالدول المتقدمة، فمعظم الدول النامية تعاني من مشاكل جذرية تمنعها من التفكير في الديمقراطية بشكل جدي أصلًا.

 
أما بعض الدول النامية والتي قررت تطبيق الديمقراطية بدون تغيير اجتماعي حقيقي فهي ليست سوى عبء على مفهوم الديمقراطية نفسها، بحيث تفسد جوهر العدالة والمساواة التي تدعو إليها الديمقراطية.

فعلى سبيل المثال، ديمقراطية نيجيريا والهند وكينيا وغيرها تدعو المحلل للتساؤل ماذا حققت لهم هذه الأنظمة من نمو حقيقي لبلادهم؟ قارن هذا بتنزانيا التي بدأت دولتها تحت بيروقراطية ديكتاتورية ثم تدرجت ببطء نحو الديمقراطية! هل حقًا يهتم الفلاح الهندي أو العامل النيجيري بوصول حزبه للحكم أم بطبيعة حياته اليومية ومدى تحسن وضع قريته والخدمات المقدمة له؟

فالديمقراطية في الدول الفقيرة والفاسدة ليست سوى عملية بيع وشراء للأصوات، فالمستويات المنخفضة من الدخل والتعليم تدفع الفقراء إلى صناديق الاقتراع للتصويت لمن يدفع لهم أكثر لا من يمتلك الخطط الفعالة لتغيير المجتمع وخدمته بشكلٍ نزيه، وعليه فكلما تحسنت مستويات الدخل والتعليم كلما كانت الديمقراطية فعالة. على سبيل المثال في تايوان، كانت آخر مرة تم شراء الأصوات فيها أواخر التسعينيات ومع تحسن دخل الفرد أصبح السياسيون عاجزين على إغراء المواطنين ماديًّا للتصويت لهم مما دفعهم لانتهاج سبلًا أكثر فعالية لإظهار جدارتهم بوضع خطط إصلاحية فعالة.

فمن الأفضل للدول النامية أن تركز على بناء دول حديثة ببناء مؤسسات إدارية نزيهة وحيادية في خدمتها للمجتمع والاهتمام ببناء الفرد اقتصاديًّا وتعليميًّا بدلًا من الجري نحو تطبيق الديمقراطية في مجتمعات بدائية غير فردية كمجتمعات العالم الثالث.

 

هذا النمو الاقتصادي والعلمي سيخلق طبقة جديدة من المجتمع تهتم بالتغيير الديمقراطي؛ مما سيدفع الدولة نحو انتهاج هذا النهج للحفاظ على مصالحها مع هذه الطبقة الوسطى، وهذا ما قد يحدث في الصين على وجه التحديد مع ارتفاع دخل الفرد هناك.

 
أما في عالمنا العربي فيبدو أن شعوبه في عجلة من أمرها، إذ إنها ترى أهمية بالغة في تغيير رأس النظام بدلًا من التركيز في تغيير جذري للمجتمع ليتقبل مفاهيم أكثر أهمية من فكرة الذهاب لمراكز الاقتراع والتصويت لشخص معين.

أضف إلى ذلك ما يصفه فرنسيس فوكياما بمفهوم الإمبراطور السيء، أو بالأحرى الديكتاتور السيء الذي لا يعي أهمية مركزه القيادي أيًّا كانت أسباب أو طرق وصوله إليه، وهذا تمامًا هو حال العديد من أوطاننا.

 

ففي الصين كانت تقوم الإمبراطوريات على مفاهيم مختلفة عن غيرها من إمبراطوريات العالم آنذاك، حيث كان الإمبراطور مقيدًا بالتحلي بصفات النبل والعدالة والحكمة وإلا تم عزله، ولكن كان هناك من الملوك من استحوذ على كل حبال السلطة وعاث في الأرض فسادًا حتى اتحد الأمراء ضده وحاربوه. فهل هناك ما يقيد زعماء عالمنا العربي اليوم؟

وعليه فالتغيير في عالمنا العربي سيأخذ من الوقت الكثير حتى يأتي ديكتاتور عادل يرسخ أسس العدالة والمساواة والتنمية البشرية في جذور المجتمع ويقوده نحو تبادل سلمي للسلطة بشكل ديمقراطي، كما حدث في إندونيسيا على يد الرئيس المؤسس سوكارنو وقواعده الخمس: التوحيد، العدالة المتحضرة، وحدة البلاد، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية.

وما بعدها من إصلاحات على يد خلفه الجنرال سوهارتو وما تبع ذلك من تحول ديمقراطي حقيقي أواخر التسعينيات. فربما كان على قادتنا العرب تعلم أسس الديكتاتورية الحكيمة بدلًا من مواكبة حمى الديمقراطية الزائفة والانتصارات الهزلية بنسب خيالية في الانتخابات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد