التنظيم الحزبي الوحيد هو الصندوق. ولكن في هذه الحالة يجب على كل مواطن أن يكون حرًّا وواعيًا ومثقفًا. وبهذا الترتيب؛ لأن الحرية تخلق الثقافة من الوعي الذي ينتج منها، وكلهم معًا يصنعون مواطنًا قادرًا على اتخاذ قرار عقلاني بما يخص القضايا المؤثرة فيه والتي يجب أن يتأثر بها.

ومن هنا يبدأ فعليًّا حكم الشعب لنفسه، أو بما يسمى الديمقراطية الحقة، وهذه الأخيرة ليست الديمقراطية الحالية التي يكون بها المواطنون عبارة عن قطيع يُسار به بلجام العلاقات العامة والإعلام، التي هي أدوات في يد رجال الأعمال، الذين لا تتماهى مصالحهم مع مصالح العمال «عامة الشعب»، الذين يجب السيطرة عليهم أولًا بتسويق شعارات فارغة من المضمون والعمق العملي، مثل «الإسلام هو الحل»، وثانيًا التأكد من وضعهم دائمًا في حالة من الخوف باختراع شياطين يتغيرون ويتجددون مع الوقت؛ فتارة يكون الشيطان الأكبر هو العلمانية، وتارة يكون داعش، لكي لا يبقى لدى هؤلاء المواطنين «العمال» مساحة تفكيرية، ولكي يبقوا مشتتين ومهمشين، وهذه هي الديمقراطية المعلبة التي تسوقها لنا الولايات المتحدة الأمريكية.

أي أننا سنصبح مثل المجتمع الأمريكي الذي يروج لنا الإعلام وجهه الباسم، ويخفي عنا كمية العبودية الهائلة التي يرزح هذا المجتمع تحت نيرها.

وبما أن الديمقراطية الأمريكية مرتبطة ارتباطًا غير قابل للفصل مع الرأسمالية، التي تؤدي بحتمية مطلقة إلى الإقطاعية الداخلية، التي ترتكز على تجميع الثروة بيد 1% من المجتمع، والإقطاعية الخارجية التي تفشت في العالم بعد الحرب العالمية الأولى لقطبين أساسيين، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، واستفحلت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واستولت عليها تمامًا الولايات المتحدة الأمريكية بعد إطلاقها «أو استغلالها» الربيع العربي والعالمي.

ومن هذا السياق، فإنه لا بد لنا أن نؤمن بوجود حكومة عالمية، وهي مسيطرة على الكره الأرضية، وأن هذه الحكومات التي نراها تتعاقب كل أربع سنوات ما هي إلا واجهات إعلامية لهذه الحكومة العالمية.

لست أتكلم عن نظرية المؤامرة، إنما أتكلم عن نتيجة حتمية للنظام الذي ما زلنا نعيش فيه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، منذ أن اكتشفت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قدرتها على صناعة الإجماع لمناصرة سياساتها وتغيير رأي الجماهير؛ ليتماشى مع هذه السياسات من خلال النجاح المذهل للجنة كريل، التي أنشئت كلجنة للدعاية الحكومية في عام 1916 في عهد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، هذه اللجنة نجحت من تحويل المواطنين الأمريكيين من مواطنين مسالمين لا يريدون التورط بالحرب، إلى مواطنين متعطشين للحرب في غضون ستة أشهر فقط، وبذلك استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية الدخول في الحرب العالمية الأولى والقيام بالتزاماتها تجاه حلفائها وشركائها.

وبهذا الاستبداد الكلي تم ترويضنا وتدجيننا حكومات وشعوبًا، وصنع المواطن المستقر، فأصبح أقصى إحساس له بالعدل هو صفارة حكم مباراة كرة قدم، عنده اختفى كل العالم من حوله وأصبح عالمه بحدود بيته فقط، يمتثل لأي صاحب سلطة، فلا يعنيه ولاء ولا انتماء، بل على العكس، أي تغيير قد يطرأ على عالمه الصغير هذا غير مرحب به، يصلي الجمعة بحركات غير إرادية، تعلم الكذب والاحتيال والرشوة جل همه عائلته فقط، لا مكان للمبادئ، لا يؤمن بشيء، تراه مصليًا صائمًا، ولكن لا تنخدع، فهو ليس بمؤمن، يتجمع فقط عندما يريدونه أن يتجمع، يكون اتجاهه حيث يردون أن يكون اتجاهه؛ فهو غير قادر على المبادرة ولا يريد التفكير، إذن هو ليس حرًّا بل عبدًا، وليس واعيًا بل جل حركاته وانفعالاته لا إرادية، وطبعًا الثقافة آخر همه.

إذن إلى أين من هنا؟ هل سنتمكن من كسر هذا النير الاستعبادي ونخلق من أنفسنا مواطنين قادرين على التغيير؟ هل سنرضى بحتمية الدولة العالمية، مع أننا باستطاعتنا نسف هذه الحتمية بالوعي الفردي والجمعي؟ هل سنصبح أحرارًا واعين ومثقفين بأمور دنيانا لكي نتحكم نحن لا غيرنا بمصائرنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد