خرج علينا الرئيس عبد الفتاح السيسي في حوار له مع مجلة “جون أفريك” ليعلن أن الديمقراطية في مصر ستتحقق بشكل كامل خلال فترة من 20 إلى 25 عامًا، وهو ما ذكرني بتصريح “اللواء عمر سليمان” عن كَون الشعب المصري غير مؤهل للديمقراطية، ومن بينهما مرورًا بجماعة الإخوان المحظورة التي اختزلت السياسة والوطن فيها وفي رئيسها، ومن قبلهم المخلوع “مبارك”، الذي لم يختلف معهم في الرأي كثيرًا.

وفيما يبدو فهذا التصور ناتج عن نقص في المعلومات أو قلة معرفة بالتاريخ المصري وبأسس الديمقراطية، إذ لم يفكر أحدهم فيمن أفقد الأحزاب السياسية قوتها؟ ومن ألغى المعارضة وسن سنة الصوت الواحد؟ ومن حل الأحزاب؟ يبدو أنهم تناسوا أن الديمقراطية تحتاج لمعارضة قوية لتحفظها وتحتاج لأكثرية تحفظ حقوق الأقلية وتحتاج للكثير.

الديمقراطية كما عرفتها الكتب هي حُكمُ الأكثريّة وحماية حقوق الأقلية، عن طريق مواد الدستور، والتي تتحقق في معناها العام بمشاركة المواطنين المؤهلين، مشاركة مباشرة وفعالة في صنع القرار، من خلال ممثلين منتخبين، ولكي نصل لهذا الشكل لا بد أن نعتمد على وجود أحزاب قوية ومتعددة، يختار الشعب منها ممثلين له ليعبروا عن رؤيته، ففي النهاية الرئيس والحكومة ما هم إلا أداة لتنفيذ إرادة الشعب، وهنا لنا وقفة في معضلة الأحزاب في مصر.

على مدار الأعوام كان كل رئيس يتحدث عن الديمقراطية من وجهة نظره وعن عدم جاهزية الشعب والسنوات التي ستحتاجها البلاد للتحول للديمقراطية الكاملة، لكن إذا اعتبرنا الديمقراطية ممارسة للسياسة وتعددية حزبية فدعونا نأخذ الأمر من أوله.

في عام 1907 كانت أول تجربة حزبية في مصر، وكانت تجربة تعددية فكان يوجد حزب الإصلاح اليميني المؤيد للملك وحزب الأحرار المؤيد للاحتلال البريطاني وحزب النبلاء الداعم للأتراك وعودة الطبقة الحاكمة منهم، وكذلك الحزب المصري الممثل للأقباط وحزب الأمة والحزب الوطني الممثلان للشارع المصري آنذاك، وفي اليسار كان يوجد الحزب الجمهوري والحزب الاشتراكي، والتي انتهت في عام 1914 مع بداية الحرب العالمية، وكانت تلك المرحلة تسمى بـ”تحزيب الصحف” فكانت التجربة نابعة من انتشار صخب أفكار وتوجهات وصحف كثيرة في المجتمع المصري آنذاك.

والمرحلة الثانية بدأت مع ثورة 1919، ففي عام 1918 تأسس حزب الوفد وفي 29 أكتوبر 1922 تأسس الأحرار الدستوريين، جراء انشقاق في الوفد، وفي 1925 تأسس حزب الاتحاد و1930 حزب الشعب، كما لم يغب الحزب الوطني فكان له تجربة ثانية في تلك الفترة، وتواجد في اليسار الحزب الاشتراكي المصري الذي تأسس في 1921.

تلك كانت لمحة من التجربة الحزبية في مصر التي استمرت ونضجت خلال سنوات شُكِلت فيها حكومات من الأحزاب، إلا أن ثورة 52 التي أتت بالرئيس جمال عبد الناصر إلى السلطة قضت عليها بصدور قرار حل الأحزاب في 16 يناير 1953، لتنشأ بعد ذلك هيئة التحرير ثم الاتحاد الاشتراكي، ومن ثمَّ تنتهي بذلك مرحلة الأحزاب على يد رئيس جاء بخلفية عسكرية، ورأى أن التعددية تمثل خطرًا على أهداف الثورة وأن تلك الأحزاب موالية للملك والاحتلال، فأسس بذلك لديكتاتورية التيار الواحد المؤيد للنظام في كل شيء.

بدأت الحياة السياسية التعددية تعود لمصر بشكل تدريجي على يد الرئيس الراحل محمد أنور السادات لكنها أيضًا كانت تحت أعين النظام، ففي 1974 أصدر الرئيس ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي، وفي يوليو عقد المؤتمر العام للاتحاد ورفض التعدد الحزبي، لكنه وافق على تعدد الاتجاهات داخل الحزب الواحد تحت مسمي المنابر، وفي 1976 تمت الموافقة على تأسيس ثلاثة منابر: الأحرار الاشتراكيين، والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وتنظيم مصر العربي الاشتراكي، ثم تحولت إلى أحزاب، وفي عام 1977 صدر قانون تنظيم الأحزاب والذي سمح بالتعددية، ثم أنشأ السادات الحزب الوطني الديمقراطي، ودعا أعضاء حزب مصر الاشتراكي إلى الانضمام إليه وتولى رئاسته.

لم تكن تلك فقط الأسباب التي أهلكت الأحزاب، فبداية من حكم السادات ومرورًا بحكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك لم تستطع الأحزاب لسنوات طوال ممارسة دورها، جراء حل مجلس الشعب أكثر من مرة، فقد حُل المجلس عام 1976 بسبب رفضه لاتفاقية كامب ديفيد، وحُل 3 مرات خلال حكم مبارك جراء عدم الدستورية بدايةً من 84 مرورًا بـ87 وانتهاءً بـ90.

سنوات طوال من تفريغ الحياة السياسية وعدم إعطاء الأحزاب الفرصة لممارسة دورها حتي أصبحنا أمام أحزاب كارتونية، ثم يخرج علينا الرؤساء ليعلنوا عدم جاهزية الشعب للديمقراطية، إلا أن الواقع يؤكد أن الحكومات هي التي لم تَتَجهز ولم تستعد بعد لتقبل الديمقراطية وليس الشعب.. ولنا في التاريخ عبرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد