لا يختلف اثنان على أن بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم مرهون بالثقافة التي تسري داخل المجتمع، وكذلك المؤثرات الخارجية التي لا يسلم منها الفرد، المجتمع، أو الدولة، وبشتى الصور، إما رضوخًا وإما محاكاة؛ فديناميكية السيطرة مولعة في صدر كل غالب، والمغلوب مولع باتباع الغالب كما قيل في كتابات «عبد الرحمن بن خلدون». فالديمقراطية ظاهرة غربية حديثة وغربية، اجتاحت مبادئها العالم عبر موجات ثلاث كما تحدث عنها «هنتغتون» على حد بعض من هم أقل اطلاعًا على تاريخ الحكم الإسلامي، الذي غالبًا ما يتبادر إلى الأذهان أنه حكم ثيوقراطي محض، فبرزت الديمقراطية نموذج حكم حضاري يوسع من نطاق الحرية الفردية، ويفتح الفضاء للتعبير عبر قنوات عديدة، وكذلك تجرم كل أنواع الاستبداد.

أصبحت الديمقراطية هدف كل مجتمع؛ لأنها تمكن الفرد من إعادة النظر في المكبوتات وتعطي الحق بإظهار الحقد الدفين دون عقاب، على عكس الأنظمة الأخرى التي تبنى على قواعد للإنسانية. كما سبق الإغريق «أثينا» الغرب إلى الديمقراطية في شكلها المباشر، التي انتقدت في العديد من الكتابات التاريخية القائلة إنها محض ادعاء فقط، لكون المجتمع الأثيني في زمن أفلاطون كان تعداده بين 30 ألف إلى 40 ألف، والساحة العامة تتكون من 18 ألف مقعد، ونصاب افتتاح الجلسة هو ستة آلاف حاضر. لا ندخل في تفاصيل نقد هذه الديمقراطية؛ فهي للإشارة فقط. لكن، فكما سبق الإغريق الغرب إلى الديمقراطية، كذلك المسلمين، فبإعادة النظر والتمعن في أسس الحكم الإسلامي الصحيح، والذي يدركه الغرب جيدًا باسم «النوموقراطية»؛ أي سلطة الشرع، نجد أن المسلمين سبقوا دعاة الديمقراطية إليها بقرابة 12 قرنًا من حيث الممارسة والمبادئ، وكذا تنظيم الشأن السياسي.

وبناءً على ما سبق، نطرح الإشكال التالي: كيف مارس المسلمون الديمقراطية؟

سنقوم في هذا المقال بعقد مقارنة بإسهاب، حول نموذج الحكم الديمقراطي، مع نموذج الحكم الذي أوصى به الإسلام، وسنركز على ثلاثة عناصر، وهي: المبادئ، والممارسة، والتنظيم السياسي.

أولًا: المبادئ

– تعرف الديمقراطية بأنها نهج حكم تطغى عليه الحرية بوصفها رابطة بين الحاكم والمحكوم، وعليه تتقدم الحرية كل المبادئ في سلم القيم، تعطي كل الأطراف في العملية السياسية الفرصة للتعبير عن الرأي، والنقد، دون قيد أو شرط، وكذلك المساواة بين الأفراد والطبقات، فلا صوت يطغى على الآخر. فالإسلام قبل أن يعطي الفرصة للتعبير قام بتحريم الرق؛ فقال فيها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-: «ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، والمساواة بين كل المسلمين كأسنان المشط كما جاء في الحديث الشريف، وهذا في زمن كانت الحضارات الأوروبية تعيش في ظلام قبل أن تدخل عصر الظلام في القرن الخامس عشر، وعليه تعد حرية التعبير والرأي في الإسلام فريضة، قبل أن تكون حقًا، لقول الله -عز وجل- في سورة البقرة الآية 283: «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم».

وكذلك مسألة المساواة، فقد سوى الإسلام بين كل المسلمين لا يختلفون في الدين في أدنى المستويات؛ فقال رسول الله: «الناس سواسية كأسنان المشط». الفرق يكمن فقط في نوع الحرية المقدمة للفرد؛ ففي الإسلام هي خاضعة لشرع الله، وفي خدمة الأمة، ومبدأ التوحيد؛ لأن الطاعة المدنية لا تنفصل عن الطاعة الدينية، ولا تقتصر الحرية هنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمور الدينية والعبادة فحسب، بل حتى في الشؤون السياسية والاقتصادية.

ثانيًا: الممارسة السياسية

تعتمد الممارسة السياسية في النظم الديمقراطية على عدة عناصر مثل: الدستور الذي يعرف أنه الكيان القانوني الأسمى، الذي يؤطر العملية السياسة، ويضبط علاقة السلطة بالأفراد، وكذا الانتخابات التي تسمح للفرد المتحققة فيه شروط الانتخاب باختيار ولي أمره بحرية لمجالس نيابية تتوسطه بالمركز، مع حق المعارضة السياسية وسيادة القانون.

لقد سبق دستور المدينة عند المسلمين أعرق الديمقراطيات اليوم، والتي يروج لها على أنها مركز إشعاع للدستور، وأسست دستورًا عرفيًّا بعد إنفاق الأشراف مع الملك «جون» سنة 1215، والمعروفة بميثاق الماقنا كارتا، ففي عام 623م، وهي السنة الأولى لهجرة النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة كتب ما يعرف بـ«صحيفة المدينة»، والمراد منها هو تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، والحاكم والمحكوم، وكذلك مختلف الطوائف في المدينة المنورة. وكذلك العملية الانتخابية والمسماة في العرف الإسلامي بـ«المبايعة»، كعهد بين الراعي والرعية تتساوى فيه كل أيادي كل المبايعين، وحتى الأنثى فيهم، وللمبايعة شروطها، وشروط الأهلية للمبايعة، كما في التشريعات الانتخابية في الدول الديمقراطية.

من سمات الديمقراطية ومظاهرها، وجود مجالس نيابية يجري فيها التشاور وإدارة النقاش حول القضايا المختلفة في الدولة، واتخاذ القرارات لخدمة الشعب وكذا الدولة، وفي ظل التطورات الحاصلة في الديمقراطية برز شكل منها يسمى بالديمقراطية التشاورية: والتي تعني إحياء تقاليد المناقشة والتفكير بين أعداد كبيرة من المواطنين حول القضايا العامة. فهذا لم يكن بالشيء الجديد على المسلمين؛ فقد عرف المسلمون أهمية الشورى من محكم التنزيل في «سورة الشورى»: «وأمرهم شورى بينهم» الآية 38 وفيها الآية الكريمة 159 من سورة آل عمران: «وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين»، ويدخل في هذا الإطار ما سبق الحديث عنه أي حرية التعبير.

لقد أعطت الديمقراطية حقوقًا للأفراد الذين يعارضون سلطة الحكم، والمنافسين عليها، المتمثلة في الأحزاب خارج السلطة، وذلك بالسماح لها بممارسة الأنشطة المختلفة، كتعبئة الأفراد وتجنيدهم، وكذا النقد وإقامة تجمعات لترويج برنامجها، وحتى لحديث عن مساوئ السلطة القائمة. لا أظن أن أحدًا من المثقفين لم تقاطع عيناه سطور من كتاب تحدثت عن حادثة «سقيفة بني ساعدة» التي تعد أولى مظاهر المعارضة في الإسلام في الشأن السياسي بشكل علني، وتقابل فيها كل راغب في الحكم ومعه حشده، دون الخوض في مجريات الحادثة وما يقره الصراع حول السلطة، لكن الأهم هو أن جرى التداول على الحكم بشكل سلمي دون إراقة الدماء.

تنتقد الديمقراطية الحكم الإسلامي على أنه خاضع لشرع قديم، والقوانين البدائية، وبالجمود، لا يخدم الحداثة كما قال «صمويل هنتغتون»: «المسلمون لا يفكرون في تحديث الإسلام، وإنما في أسلمة الحداثة»، وعليه على المسلمون تحديث الإسلام بقوانين وضعية جديدة نابعة من عمق الإرادة الشعبية؛ لتواكب العصر. فيرد الإسلام على هذا الادعاء بأحد مصادر التشريع الإسلامي وهو «الاجتهاد»، والمؤسس على حجة الضرورة، وأضيف مصدرًا للإلزام لإقرار شرعية حديثة لمعالجة النوازل الجديدة.

ثالثًا: التنظيم السياسي

إن تنظيم الشأن السياسي في الديمقراطيات الغربية قائم على سيادة القانون، ومؤسسات سيادية، مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي أقره «مونتيسكيو»، مع استقلال القضاء ووجود وساطة مؤسساتية بين السلطة وعامة الشعب، والمتمثلة في قنوات اتصال وهياكل رسمية تسهر على حركة العملية الاتصالية، وتيسير الخطاب الرسمي من الأعلى، وكذا الرجعي من الأسفل، منها الأحزاب، والإعلام، والبرلمان، وغيرها. ففي المدينة الوضع مختلف تمامًا، فقد كان الرسول – عليه الصلاة والسلام- بعد بيعة العقبة الثانية هو الإمام الآمر الناهي والقاضي، وقائد الأمة كافة، ويستخلف فيها من يشاء من أهل العلم والفقه. وتأتي بعدها مراحل أخرى في نظام الحكم في الخلافات الإسلامية المتعاقبة من الخلافة الراشدة، ثم الأموية، فالعباسية، نهاية بالخلافة العثمانية، أين أخذ تنظيم الحكم شكلًا آخر يرجحه البعض بين نظام قبلي جماعي من النوع الانقسامي، ونظام إمبراطوري موحد، وأخذت الدولة الإسلامية شكلًا يعكس حجم الدولة وقوتها، ففيها مؤسسات مستقلة لإدارة القضاء، الجيش، الاقتصاد، البرلمان، والتنظيم التربوي مقسم على أساس مللي في الدولة العثمانية تفاديًا لبروز النعرة الطائفية.

أما مسألة الأحزاب فهو الشيء الذي نهى عنه الإسلام قطعًا، ففي قوله تعالى: «ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون» سورة الروم الآية 31، وكذلك نجد النظرية الماركسية التي تنبذ التعددية الحزبية بحجة أنها تشتت الأمة وتؤجل مسألة التنمية، وهو ما تقره الشريعة الإسلامية.

خاتمة

إن طي صفحة تاريخ الحضارة الإسلامية، وبث العبثية والعدمية في نفوس المسلمين، جعلهم يلهمون بالحضارة الغربية وتقديسها رمزًا للتقدم والتحضر، ومصنع الإنسانية دون منافس، وأصبح ينظر إلى الإسلام قوامه التسلط والتشدد والعقلية الاستبدادية، كما يراد له أن يكون، تقزيمًا له وترويجًا للفكر الغربي، فالمسلمون مارسوا الديمقراطية قبل الغرب بقرابة 12 قرنًا، وكتب التاريخ تحكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

برتراند بادي و غي هرمت - السياسة المقارنة
عبدالعالي عبد القادر - محاضرات النظم السياسية المقارنة
روبرت دال - التحليل السياسي الحديث.
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد