الإسلام دين عملي وحكيم وبنّاء، فعندما جاء حرص على أن يتم مكارم الأخلاق، فلم ينسف أية قيمة أو ممارسة أخلاقية نبيلة تفيد الناس كانت معروفة أيام الجاهلية. كما لم يرفض ما عند الأمم والشعوب الأخرى من أفكار وممارسات إيجابية ونافعة، ما دامت لا تتعارض مع مقاصده، شريطة بالطبع ألا تكون بديلًا عن ثوابته وتعاليمه. فوجدنا عمر بن الخطاب مثلًا يأخذ بنظام الدواوين وما فيه من آليات من الدولة الفارسية، لتنظيم عمل مؤسسات الخلافة الإسلامية الآخذة في الاتساع.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نتذكر أن الإسلام هو خاتم الرسالات والنبوات، لذلك جاء من ناحية المفاهيم والأفكار المنظمة لحياة الناس، مغطيًا لكل جوانب حياتهم بطريقة شاملة وافية. ومع ذلك فقد ترك لهم في الوقت نفسه حرية الإبداع في ابتكار واستعارة المفاهيم والأفكار الإجرائية العملية الدنيوية التي قد تفيدهم وتسهّل أمور معيشتهم.

في أيامنا مثلًا لا يمكن لعاقل أن يستغني عن الإجراءات الديمقراطية لاختيار من يشغلون المناصب العامة. وقد رأينا حتى أكثر المشايخ تشددًا ورفضًا للديمقراطية وتكفيرًا لها يوافقون على اتباع إجراءاتها في سياق الانتخابات الرئاسية التي أجريت في مصر مثلًا عقب ما سميت بثورة 25 يناير، ويرتضون بما أفرزته من نتائج عند فوز الدكتور مرسي؛ لأنهم أدركوا أنها الخيار الوحيد العملي الممكن التطبيق على أرض الواقع، في ظل عدم توافر الظروف الملائمة لإقامة خلافة إسلامية أو فرضها بالقوة. والواقع إنه لا يرفض تلك الإجراءات التي لا غنى عنها من حيث المبدأ ويصر على ذلك إلا حفنة قليلة ممن يصرون على محاربة طواحين الهواء، الذين يشكلون عبئًا على الإسلام بفهمهم الخيالي الساذج.

إلا أن كل ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن نقبل المفاهيم والأفكار المستوردة، وبخاصة من الغرب، بقضها وقضيضها وعلى علاتها، دون تدقيق وتمحيص وغربلة. فما يمكن أن نقبله من الديمقراطية، كما سبقت الإشارة هو جوانبها الإجرائية فقط، والتي تساعد الناس على أن يعرفوا المرشحين المختلفين، وأن يختاروا الأصلح منهم والأقدر على خدمة الإسلام والمسلمين، مع الرفض القاطع والتام لاختيار مرشحين يتبنون برامج وتوجهات تتعارض مع الإسلام. فالمشكلة ليست في تلك الإجراءات الديمقراطية، بل في من يستغلونها لإيصال مرشحين يعارضون الإسلام، وهؤلاء يخرجون من الإسلام بالطبع، وينبغي ألا يكون لهم أي وجود أو دور في مجتمع يدعي أنه إسلامي. مرة أخرى، المشكلة ليست في الإجراءات الديمقراطية، بل في من يدعون الإسلام ويطبقونها لتحكيم من يعادون الإسلام. فلو كانوا ينتمون للإسلام حقًا، لحرصوا على إيصال مرشحين ممن يؤمنون جديا بتطبيقه، وليس من خصومه والمناوئين لمشروعه وشريعته.

ومتابعة لما سبق، هناك مفاهيم غربية مشبوهة ينبغي ألا نركن إليها ونثق بها ونستحضرها في فضائنا الإسلامي؛ لأنها مشحونة ومعجونة بشحنات سلبية وأفكار شيطانية منحرفة، من الصعب غالبًا أن تتحرر منها، مثل مفهوم الليبرالية. فهذا المفهوم يقوم على فكرة الحرية، ولكن ليست الحرية الإسلامية المهذبة المنضبطة بالضرورة بالمعايير الشرعية، وبما هو حلال وحرام، بل بالحرية الغربية المنفلتة، التي تعطي للإنسان الحق في أن يفعل ما يشاء، (شريطة ألا يؤذي الآخرين أو يخرق القانون).

والمشكلة تكمن في العبارة الأخيرة، فإذا لم يكن الإسلام هو الحاكم بالفعل، فمن سيحدد القوانين ويحدد ما الذي يؤذي الآخرين بالفعل! فقد تقوم إحداهن مثلًا بلبس البكيني في حديقة عامة لأخذ حمام شمس، كما يحدث بالفعل في الغرب، مدعية أنها لا تؤذي أحدًا! وقد تمارس الجنس هي وعشيقها تحت شجرة في نفس الحديقة، مؤكدة أنهما لا يؤذيان أحدًا، وهذا يحدث بالفعل في الغرب أيضًا تحت سمع وبصر القانون الذي لا يؤاخذهما، بل يدافع عنهما إذا ما تهور أحد وفكر بإزعاجهما وإقلاق راحتهما!

وفيما يلي بعض الاقتباسات من مقال لإحدى المدافعات عن ذلك المفهوم المشبوه، لكاتبة تدعى سمية الغنوشي، لا بد من إيرادها لإظهار ما فيها من انحرافات عن صحيح الإسلام، سواء في النصوص، أو في فهمها:

(أما الليبرالية في معناها الفردي والاجتماعي، فهي تعني حرية الاعتقاد والتفكير وحق الناس في اختيار الملبس والذوق واحترام خصوصيات الناس وخياراتهم الفردية والجماعية، في كنف دولة محايدة وتعدد لأنماط الحياة ضمن مجتمع تعددي مفتوح).

(فليس من حق الدولة أن تتدخل لفرض الحجاب باسم الإسلام مثلًا).

(إن العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلى نزعة ليبرالية أصيلة، تحيي جذوة الحرية المتأصلة في روح الإسلام، وما كان مشعا وملهما في تجربته التاريخية من تعددية الاعتقاد وحرية التفكير الديني والفلسفي).

الإسلام يعلن صراحة، ومن دون مواربة، حرية الاعتقاد والتفكير ورفض أي شكل من أشكال الإكراه في الدين والمعتقد، (لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، فكما أن حق الإيمان مكفول، فكذلك الحق في الكفر والإلحاد.

كما يعلن الإسلام أنه ليس من حق أحد التدخل في الحياة الخاصة للناس وخياراتهم الحرة (ولا تجسسوا)، كما يدعو إلى احترام معتقدات الناس وخياراتهم وإلى المجادلة بالتي هي أحسن وأقوم (وجادلهم بالتي هي أحسن). 

(أما تلك القيود التي تضمنتها المنظومة الفقهية التقليدية إزاء الأقليات والمرأة وغيرها، فهي في الحقيقة مجرد آراء واجتهادات مرتبطة بروح عصرها، وليس هناك ما يلزم الأخذ بها أو تبنيها، من قبيل مفهوم أهل الذمة، ومسألة الردة، والعقوبات البدنية وغيرها. كلها قضايا اجتهادية تاريخية يتوجب النظر إليها بعين ناقدة ومتوازنة من دون تحقير أو تبجيل).

من الواضح أن الكاتبة لا تفهم ما هو الإسلام بشكل عميق، حتى تتبنى مثل ذلك الطرح، وحتى تحول بعض كلام الحق في مراده إلى باطل! فالدولة في الإسلام هي لإقامة الدين والدنيا، وبينما تترك للناس حرية الاعتقاد والتفكير، والحق في اختيار الملبس والذوق، وتحترم خصوصياتهم الفردية والجماعية، فإن كل ذلك يظل في حدود الفضاء الخاص لحياتهم، بعيدًا عن الفضاء العام لحياة المجتمع. فالإسلام لا يمكن أن يقر مثلًا خروج إحداهن شبه عارية بصحبة عشيقها والتوجه إلى ملهى ليلي للرقص وشرب الخمر، كما سيترتب بالضرورة عن الأخذ بالفكر الليبرالي الجاهلي. أليس ذلك هو ما يحدث بالفعل في الدول الإسلامية التي تبنت ملامح من الفكر الليبرالي المنحط، ومنها تونس بلد الكاتبة!

إن من حق الدولة في الإسلام أن تمنع كل المظاهر التي من شأنها أن تسهم في إشاعة الفاحشة والمنكر، ومنها التبرج، ومن حقها أن تفرض على الإناث الحجاب عندما يخرجن من بيوتهن؛ إذ يمكن للمرء أن يعتقد وأن يفعل ما يشاء في بيته، أما أن يخرج للعلن بفسقه وانحرافه فيفسد المجتمع ويعرض الفضيلة فيه للخطر، فهذا ضد الإسلام جملةً وتفصيلًا، ولا يمكن القول بجوازه أو الدعوة إليه، إلا إذا كنا نود أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!

إن حرية التفكير الديني والفلسفي التي تطالب بها الكاتبة هي السبب فيما نعاني منه اليوم في العالم الإسلامي من انهمار أفكار الزندقة والهرطقة والتجديف والإلحاد والعبث بالدين وثوابته ومقدساته ورموزه من كل من هب ودب من السفهاء والجهلة والدخلاء على الإسلام.

نعم لقد أكد الإسلام للإنسان الحرية والحق في الاعتقاد والتفكير، ولكن منحه ذلك الحق لنفسه، وليس للخروج على الملأ وتشكيك الناس في دينهم والطعن فيه، وهو في الغالب من الجهلة في الدين! فالدين بما كان عليه فهم الصحابة والسلف الصالح هو خط أحمر، وهو مقدس لا يجوز العبث فيه وإخضاعه لأهواء الناس وأمزجتهم وتفضيلاتهم ووجهات نظرهم، ويحرم إخضاعه لمباضع التحليل والتنظير والتفكيك وإعادة القراءة باعتبار نصوصه مجرد نصوص تاريخية، وإلا انتهى به الأمر إلى كيان محرف ومشوه ومبتذل ومغاير تمامًا لأصله وحقيقته، كما حدث لبعض الأديان!

والكاتبة الكريمة لا تدرك فيما يبدو خطورة القول بحق (الناس في اختيار الملبس والذوق واحترام خصوصيات الناس وخياراتهم الفردية والجماعية، في كنف دولة محايدة وتعدد لأنماط الحياة ضمن مجتمع تعددي مفتوح)! فاختيارات الناس وأذواقهم تتسم بالشره ولا تقف عند حدود ولا يمكن ضمان ما قد تتفتق عنه، فمنذ عقود قليلة فقط، كان أغلب الناس مثلًا يرون في الشذوذ الجنسي جريمة نكراء لا بد من معاقبة مقترفيها، أما اليوم فقد جعلتها اختياراتهم وأذواقهم تصبح أمرًا طبيعيًا لطيفًا، يتم مباركته في الكنائس! واليوم تطالب أذواق ثلة من الناس واختياراتهم أن يبيح لهم القانون ممارسة الفاحشة مع البهائم، وربما أقر القانون ذلك لهم بالفعل في دول مختلفة، تحت وطأة الضغوط! وحتما سيأتي اليوم الذي يطالبون فيه بإباحة زواج الإخوة أو الآباء والأبناء، ولن تتمكن الكاتبة الكريمة ساعتها من الوقوف في وجه ذلك، فهي من فتحت الباب لذلك بنضالها في سبيل احترام أذواق الناس واختياراتهم وأنماط حياتهم، ضمن مجتمع تعددي مفتوح!

من المؤسف أن يصدر مثل ذلك الخطاب عن كاتبة مسلمة ومحجبة؛ فهو يسيء عمليًا إلى الإسلام أكثر بكثير من أعدائه. وأرجو ان تتراجع عن ذلك الخطاب المنحرف، فهو يخرجها من الإسلام لو تعلم؛ لما فيه وفي عواقبه من تقويض حتمي للإسلام وتصادم معه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك