ليس ثمة غرابة في متابعة العالم للانتخابات الأمريكية وترقبها لهوية الرئيس الأمريكي الجديد إذا ما كان جمهوريًا أو ديمقراطيًا، وكأنها ليست انتخابات تخص الناخب الأمريكي وحسب، بل تبدو وكأنها انتخابات عالمية بلا مبالغة! وربما لو مُنح مواطني الدول الأخرى أصواتًا ينتخبون بها رئيسهم لفعلوا ذلك! وهذه الضجة والتغطيات الإعلامية تؤثر حتى على ذلك المواطن الذي لا يهتم بسياسة وطنه، تجده لا شعوريًا متماهيًا مع الجو السائد الذي يحرك الفضول لديه بمعرفة الرئيس المنتخب القادم من سيكون يا ترى! وهذا ما يمكن أن نعتبره غريبًا ولو قليلاً؟!

الولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت الدولة الأولى في العالم المثقلة في الديون، لن يحد من دورها في السياسة الدولية وأهميتها في النظام العالمي بلا شك، كونها الأولى في أمور أخرى ومهما تراجع دورها سيبقَى لها تأثيرها على بقية دول العالم الذي لا يُنكر حتى حين، وما فعله ترمب إبان توليه حكم الولايات المتحدة الأمريكية، من ابتزاز فج وبعيد عن الدبلوماسية لبعض الدول لا سيما الخليجية منها، وسياسته التي تمهد الطريق للحكام المستبدين أن يستبدوا بشعوبهم أكثر دون هوادة، وبالطبع التعويل في التغيير لا يكون على الرؤساء الأمريكان نبتهج إن كان ديمقراطياً ونحزن إن كان جمهوريًا! أو العكس وليس استبشارا بمن يأتِي أو يغضب على أساس أنه يحمل مشعل الانتصار للشعوب المقموعة، ولكن كرئيس ديمقراطي مثل بايدن ربما البعض يرى بأنه على الأقل أشار لملف حقوق الإنسان وأنه صرّح بأنه سيعيد تقييم علاقة الولايات المتحدة الأمريكية في المملكة العربية السعودية ودعمها للحرب على اليمن وأنها لن تساوم على قيمها بهدف بيع الأسلحة أو شراء النفط وتابع بايدن قائلا: «التزام أمريكا تجاه القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان سيكون أولوية، حتى مع أقرب شركائنا على الصعيد الأمني»، وأضاف: «سأدافع عن حقوق الناشطين، والمنشقين السياسيين، والصحفيين حول العالم، ليقولوا ما يفكرون به دون خوف من المحاسبة والعنف».

وأكد المرشح الديمقراطي أن موت خاشقجي «لن يمر عبثا»، وشدد على أن الجميع مدين لذكراه بالقتال من أجل الوصول إلى عالم حر وعادل. كل تلك التصريحات تشكل بارقة أمل على الأقل بالضغط أو حث سلطات بلادهم على تلبية مطالبهم وكذلك بعض تصريحات ترمب غير المسؤولة وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية التي ما فتىء ترمب يشكك بنتيجتها، وما سبقه من وعيد وتهديد بأنه لن يسلم السلطة، وأنه سينتصر رغم الإعلان بفوز بايدن الذي حقق أكثر من الأصوات المطلوبة للفوز المشروط بـ270 صوتًا كما أقره المجمع الانتخابي الأمريكي إذ أحرز بايدن 290 صوتًا، وأخيرًا أقرّ ترمب واعترف بفوز خصمه الديمقراطي بايدن ولكنه قال «أن سبب فوزه هو أن الانتخابات كانت مزورة» حتى لحظة كتابة المقال.

وفي مثل هذه الانتخابات الاستثنائية وفي ظل تمسك ترمب بالسلطة حد تلويحه الامتناع عن نقل السلطة بسلاسة! هنا جاء دور المستغلين ومزيفي الوعي لكي يقوموا بإجراء مقارنة بين الديمقراطية ومشاركة المواطن في سياسة بلاده واختيار من يحكمه، بتلك السلطات التي لا تمنح مواطنيها تلك الحقوق، وهنا المقارنة لا تصح شكلاً ومضمونًا؛ بسبب البون الشاسع بين شكل الحكم في كل دولة ووجود المؤسسات وقوتها وفاعليتها، فالمقارنة غالبًا تكون بين المتشابه.

ولكن مسألة أن يأتِي أحدهم ويحاول أن ينتقص من الديمقراطية والعرس الانتخابي إن جاز التعبير، وإحساس المواطن بأن له رأيًا يُسمع، ويقارنه بطريقة الحكم في بلاده وطريقة انتقاله كما يصفه بكل سلاسة، يكون بذلك اقترف خطأً كبيراً بحق نفسه أولاً كإنسان، فإن كانت أنظمة الحكم لا تتطابق من حيث الشكل، فالإنسان هو الإنسان أينما كان، ويجب أن يشارك بالسياسة كون القرارات تمسه بشكل أو بآخر، ولا يمكن أن يستمر إقصاؤه عن ممارسة حقوقه، الانتخابات تعفيك من انتظار وفاة الحاكم حتى يأتِي غيره! لا بأس أن انتخبك اليوم وعندما تخل بشروط العقد يتم انتخاب الأكفأ. ما أجمل المشاركة السياسية.. ما أروع الديمقراطية. ولو لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات؛ لأصبح ترامب حاكمًا مستبدًا! وهذه من مناقب الديمقراطية التي تردعه عن حكم الفرد الواحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد