بين أحلام الشعب وأضغاث السلطة

سلم وأمن وعمل محترم وأجور جيدة وسكن لائق ومدن نظيفة، ستة أو سبعة عناصر تمثل تفاصيل حلم أي مواطن بسيط في الجزائر، هي فعلا أبسط الحقوق المتاحة لمواطن في دولة أوروبية مثلا، ولكن لا بأس فلتكن أبسط أحلامنا في الجزائر، برغم أن المقارنة تفرض نفسها علينا، لا نريد أن نقع في المقارنة التي قد تنتهي بنا إلى صرع أو جلطة.

باستثناء الأقلية القليلة التي تتمتع بالرفاهية، والسيارات والعقارات والسفربات المدفوعة من عرق الأغلبية المسحوقة، باستثناء تلك القلة، الجزائريون الذين يخرجون الى الشوارع منذ 22 فبراير (شباط)، يخرجون لأنهم سئموا ضنك العيش، ولم تعد بهم طاقة لتحمل أوضاعهم المزرية.

مع مطالب الحرية والكرامة، ضيق المعيشة والمشاكل المتراكمة فوق كاهل الجزائري، أخرجته عن طوره، وشحنته بأطياف وفولطات من الغضب والتذمر والكآبة، وحتى الذين خرجوا للتظاهر، ثم انسحبوا، انسحبوا أولا بسبب خوفهم من أن تزداد الأوضاع تدهورًا وسوءًا،  بسبب دخول الجيش على الخط، وثانيًا أملاً في أن الجيش سيتكفل بتحسين الأوضاع شيئًا ما، الأمل عند الواحد من هؤلاء ضعيف صحيح، ولكنه يأمل بشكل من الأشكال، على الأقل يأمل ألا يزج به في السجن أو يطرد من وظيفته أو أن يستدعى للمحكمة.. في الجزائر، المحكمة مكان مرعب للأبرياء، بعكس المجرمين الفاسدين.

الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات ما تزال بالنسبة لغالبية الجزائريين، وضعًا كماليًا باذخًا، غير وارد على أحلامنا، إننا نقبل بأقل من ذلك بكثير، نقبل بانتقام سريع عاجل من أوجه فاسدة بعينها، اغتنت بالنهب والنفوذ غير المشروع، أو حتى المشروع، لا يهم.. ليس لنا ترف التنقيب في مثل هذه التفاصيل، القاعدة أن كل من نفرت كرشه وشرفات بيته ومقدمة سيارته، فهو مشتبه بالفساد، خاصة إذا كان من أهل الحي والشارع والقرية.

سنقبل بشيء من الارتخاء في الاسعار، حتى ولو كان ارتخاء ظرفيًا، ولا سيما إذا سمح لبعض السلع في أعلى الرفوف أن تنزل بعض الشيء لتصير في المتناول.

سنقبل ببعض الوظائف الإدارية محدودة الدخل، للوقوف سنوات الانتظار الطويلة في طابور البطالة، وإبهاج الوالدين قليلا بوجبة عشاء على شرف الوظيفة أخيرا، وإثارة حسد الأقارب والجيران.

سنقبل بالاختلاف الجذري لطريقة استقبال المسؤول لنا في مكتبه، لقد اختفت تلك النظرة المستعلية واللهجة المتأففة، وحلت بدلا عنها ابتسامة مشرفة وترحاب باليد، وجلسة على أريكة الشرف، وهي لحظة جديرة بأن تسجل في جدول أعمال مناقشات الشباب في المقهى والأندية الأخرى، إنه تغيير ملموس لا ينكره إلا جاحد.

تماما.. سيكون الجاحدون قلة مفضوحة من اليوم فصاعدًا.

تلك «السعادات الصغيرة» هي جل أحلامنا، الديمقراطية والمحاسبة والتساوي أمام القانون وإنفاذ إرادة الشعب، كوابيس بالنسبة للجزائريين.

أبعد ما زال هناك من يتساءل: لم أجهضت أحلامنا مرارًا وتكرارًا على مدى العقود الماضية؟

نعم.. أجهضت لانها لا تزن شيئاً، فلا ترسخ، أحلام كسقط الريش، لا تحتمل نفخة، أو حتى هبة أو أدنى نفس طائش.

لقد كانت أحلامنا أكبر مشاكلنا، فبرغم ما مر علينا، وما خطته التجارب والنكبات والخيبات من ندوب في وجوهنا، وأخاديد في أجسادنا وذاكرتنا، لم نتعلم أبدا أن نحلم ولا كيف نحلم.

إننا مزارعون نحلم ببساتين الإجاص والكرز من خلال بذر الخردل والفلفل.. أو من خلال بذر اللاشيء، والاكتفاء بغرس الرأس في الظل والأرجل في الطين.

إننا نحلم بصورة مأساوية، بطريقة في غاية العته، نحلم بأن الخطب والشعارات، ستتدخل في تنظيم الأسواق، وتنظيف المدن وتشييد المساكن وزرع مناصب الشغل كما تزرع البطاطا، ليست هذه مبالغة إطلاقا، بل إنه تشبيه يقصر كثيرًا عن بلوغ حقيقة أحلامنا المرعبة، ففي فضائنا العام، تسمع أطنانا من عبارات وجمل، استرجاع الماضي التليد، بناء دولة الأجداد، قهر الأعداء المتربصين، إفحام الخصوم الحاقدين، تطهير كل شيء من أي شيء، ركن الفرنسية، وامتطاء الإنجليزية، ونسينا موضوع التعريب كأنه لم يكن… وجبال وأمواج من الجمل والخطب الطويلة والعريضة والعملاقة والمخيفة، لا تسمع في تلاطمها ركزًا ولا حسًا، لكيفية حل معضلة ملايين العاطلين، ملايين طلبات الفيزا المعلقة، ملايين المحشورين في أحياء سكنات مشروع ديغول المستنسخة بطبعة الاستقلال، ملايين المكدسين في مستشفيات أقرب لمراكز العزل الصحي، ملايين المقيدين على لوائح التحضير للالتحاق بعالم البطالة من طلاب الجامعات ومؤسسات التكوين، ملايين العالقين في قنوات المسح الأيديولوجية المسماة جزافًا مدارس.

الوضع أشبه بحفلة تطبيل وصخب وهرج، تستعمل فيها كل آلات النشاز والرفس والجز والقزع، بغرض التمويه والتغطية على صراخ واستنجاد الضحية التي يتم اغتصابها في وسط الحفلة.

هذا مريع حقًا، لأن أحلامنا مريعة بالفعل.

إذ كيف سيصل العلاج والعناية للمريض، والقوت للجائع، والمسكن للعاري، والعمل الشريف للعاطل، والعيشة الطيبة للمهموم، والموئل الحسن للبائس، وكل ما يتعلق بالحياة اليومية للأفراد والأسر والمدن والأرياف متروك لأيد غير كفؤة لا يهمها من هذه الجزائر سوى سونطراك والخزينة العامة، كل النصب والشقاء الذي يأكله الجزائري مع الخبز، كيف له أن يرحل، والأحلام سحابات تمطر في شقوق بعيدة، وضفاف عجفاء.

ما نزال وجدانًا محكومًا بالدراما الحالمة بخوارق تتحقق في الأفلام والقصص، فنتصور حزمة الأبطال الخارقين في الجيش، وهم في أرديتهم المميزة واللامعة وأقنعتهم المزركشة، يقومون بمواجهة عصابة الأشرار، ويقضون عليها. ويعيش الجميع بعدها في سعادة وبهجة على إيقاع الترومبيت والمزامير والدفوف. هكذا بهذا المشهد الرومانسي، تتفاعل الذهنية الحالمة العاطفية مع المشهد الواقعي، تقوم باختزال وإلغاء كل التفاصيل والتعقيدات التي يحملها المشهد، وحتى الحلقات القديمة، وتختصر التاريخ والجغرافيا والمصالح والرهانات كلها في طيبين جدًا وأشرار جدًا، وبالطبع سينتصر الخير في الأخير حتما، ولو كان هذا (الأخير) يعني انتظار يوم القيامة، حتى تحسب الشاعر قال يومًا:

يا ليل الشعب متى غده … أقيام الساعة موعده؟

الشعب غير مكترث على كل حال. مادام الإنصاف سيتحقق ذات يوم، من الطبيعي والمنطقي والمحتوم إذا أن يبتعد ذلك اليوم كل يوم أبعد، لأن حلمنا يسير في الاتجاه المعاكس تماما لخط سير الواقع، فالدولة المدنية، ودولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون والديمقراطية، ليست ترفا، أو طريقا يمكننا تجنبه والالتفاف حوله، ثم الوصول في نفس الوقت إلى مدن نظيفة ومرتبة، وإدارات بدون وساطة ولا رشوة، ومستشفيات حقيقية للعلاج، وأدوية أصلية، وسلع غير مسرطنة، ووظائف محترمة، ومساكن آدمية، ومدارس جادة في التعليم. وجامعات للبحث الفعلي.

هذا الخيار غير مطروح مطلقا إلا في أحلامنا المعاقة، إذا كنا في ضفة التخلف والانحطاط، فلا يمكن لرمال العواطف الجياشة والنيات الصادقة وحدها أن تبني لنا جسورا صالحة للعبور إلى الضفة الأخرى للتقدم.

هناك وسيلة واحدة ووحيدة وممر وحيد عبرت فوقه جميع الأمم والدول، هو معبر الدستور العصري الحديث، والديمقراطية الفعلية القوية بالمؤسسات الدستورية النابعة من إرادة الشعب، أما المعابر الأخرى لحكم العسكر، أو حكم الطائفة، أو حكم الاوليغارشية، أو حكم الزعيم الخارق أبو عيون ترعب فرنسا واليهود، فكلها أنظمة وتجارب حائط التخلف والبؤس والدمار، نهاية معروفة لها، ومعادات الحكومات غير الديمقراطية للديمقراطية، واستماتتها في منع تحققها، لابد أن يغلف بغلاف الوطنية والدفاع عن مصالح البلاد، لأنه ليس من المعقول أن يغلفه لك بنواياه الحقيقية للنهب والفرار من العقاب، وليس من المعقول أيضا أن يتخلى صاحب السلطة عن سلطته ونفوذه المطلق، بدون أي ضغط وعند أول اختبار لسلطته، فيتبرع لك بها لوجه الله، هذا لا يحدث حتى في الأفلام الهندية، ولكنه يحدث باستمرار في الأحلام الرومانسية للجزائري الطيب، بينما أضغاث السلطة، ليس لها رادع في تفتيت البلد بأكمله أو على الأقل المراهنة بذلك، مقابل الإفلات من العقاب والحفاظ على المكاسب المادية الضخمة المحققة بفضل السلطة ونفوذها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد