أثبتت التجارب العالمية للانتقالات الديمقراطية أنها كانت دومًا معقدة وصعبة وتفرض تحديات كثيرة جدًا، وفي غالب الأحيان كانت هذه البلدان تتقدم خطوة في مسار الانتقال الديمقراطي لتتراجع بعد ذلك خطوتين للوراء، كما أن إلحاق الهزيمة بنظام سلطوي لا يعني الوصول إلى الديمقراطية حيث مخاطر الارتداد مرة أخرى إلى الأنظمة الديكتاتورية السلطوية واردة بشكل كبير.

وفي أفريقيا، بالرغم من التحولات والإصلاحات التي أخذت بها غالبية الدول الأفريقية والتي فتحت أبواب الأمل مشرعة أمام الشعوب الأفريقية لتحقيق ديمقراطية راسخة تقطع مع الفساد والاستبداد الذي عاشته القارة منذ عقود، إلا أن هذه التحولات اعترضتها تحديات جمة وعرفت في الكثير من البلدان إخفاقات كثيرة. فالتعددية السياسية تبقى تعددية شكلية بفعل عمليات التزوير في الانتخابات وضعف شفافيتها وحيادها، كما عرفت بلدان افريقية كثيرة عودة قوية للسلطوية والفساد والانقلابات العسكرية لتمثل طعنًا غائرًا في جسد هذه القارة الذي لم يبرأ بعد من أمراضه المزمنة.

1 – انتخابات شكلية وغير تنافسية

فقد أكدت الخبرة الانتخابية في القارة الأفريقية بعد فترة الانقلابات الديمقراطية، مع بعض الاستثناءات، أن من بين أهم أسباب إخفاق عمليات الدمقرطة هو كيفية التعامل مع الانتخابات التي أصبحت مجرد إجراء روتيني لإضفاء الشرعية الشعبية على الحاكمين وتعبئة الجماهير وراء القادة والنخب، وهو ما يؤدي في الكثير من الحالات إلى التشكيك في نزاهتها والطعن في نتائجها كما هو الحال بالنسبة لانتخابات زيمبابوي لسنة 2008.

Embed from Getty Images

كما لم تشهد أفريقيا جهودًا مهمة لتكريس نوع من التناوب السلمي على السلطة وتغيير النخب الحاكمة بناء على انتخابات دورية ومنتظمة وشفافة. فالنخب الحاكمة عادة ما كانت ترفض التنازل عن الحكم أو تستعيد السلطة بالقوة ضدا على إرادة الشعب عن طريق تزوير الانتخابات، كما حدث بالطوغو في الوقت الذي كان فيه الشعب الطوغولي يظن أن زمن الاستبداد والتسلط بهذا البلد انتهى إلى غير رجعة. ففي 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1990 احتج الشعب الطوغولي في شوارع مدينة لومي ضد النظام الاستبدادي بزعامة أياديما، سنوات قليلة بعد ذلك وبالضبط في سنة 1996، عاد النظام الاستبدادي ليحكم البلد بقبضة من حديد بعد انتخابات مزورة مما خلق يأسًا وإحباطًا شديدة في صفوف الطوغوليين.

وساهمت هذه الانتخابات الشكلية في سيطرة أسر معينة على الحكم، وخير مثال على ذلك نموذج أسرة آل بونغو بالغابون والتي حكمت البلاد منذ سنة 1967 والتي عملت على افراغ الانتخابات التي عرفتها البلاد من مضمونها التنافسي، وهو ما أفرز الأزمة السياسية وأعمال العنف التي عرفتها البلاد في شهر غشت 2016 بين الرئيس المنتهية ولايته علي بونغو، ومرشح المعارضة جان بينغ.

2– تعديلات دستورية على المقاس

في بعض الأحيان تلجأ الأنظمة بأفريقيا لاستخدام العسكر في الحفاظ على السلطة، كما قد تلجأ لتعديل الدستور بغية الاستمرار في الحكم لولايات أخرى. وقد شكل موضوع تعديل الدستور لتمكين الحكام من ولاية ثالثة هاجسًا مقلقًا للنخب وللرأي العام الأفريقيين، بل يتجه إلى أن يصبح أحد الملفات المطروحة بقوة على جدول أعمال مؤسسات الاتحاد الأفريقي نظرًا لما يشكله من تداعيات سياسية ذات تأثيرات خطيرة على السلم والأمن القوميين، وهو ما أدى إلى فتح نقاش في قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة حول سبل بلورة ميثاق أفريقي يحدد الفترة الرئاسية بولايتين فقط وينص على احترام الدساتير ورفض التمديد لولاية ثالثة.

ففي الكونغو مثلًا، تمكن الرئيس ساسوانغيسو الذي تجاوز عمره 70 سنة من تعديل الدستور لتمكينه من الظفر بولاية ثالثة بعد أن قاد البلاد منذ سنة 1979، وقد ساعده في ذلك ضعف المعارضة وانقسامها وعجزها عن التأثير إلى جانب ذاكرة الشعب المتوجسة من تجربة الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في التسعينات من القرن الماضي.

3– استمرار منطق الفساد وأنماط الحكم الشخصي

في الوقت الذي انتظر فيه الأفارقة القطع مع منطق الفساد وأنماط الحكم الشخصي التي انتشرت كالفطر في أفريقيا غداة الاستقلال، حيث أضحت السلطة وسيلة مهمة لتحقيق الثراء المادي والتراكم الرأسمالي، عرفت أفريقيا في فترة الانتقالات الديمقراطية استمرار أسس الحكم الشخصي الذي يستحوذ على كل المناصب الحساسة في الدولة أو يفوتها للأقرباء والأصدقاء ويقوم بتبذير ثورات البلاد. ففي نيجيريا مثلًا، تم اعتقال جنرال سابق ومحاكمته بعد أن رآكم ثروة تقدر بـ132 مليون دولار. وفي خطاب للرئيس باراك أوباما في يوليو (تموز) 2009 بأكرا بغانا أشار إلى أن تخلف الدول الأفريقية يرجع بالأساس إلى فساد الأنظمة الأفريقية واستغلال القادة لثروات البلاد من أجل الاغتناء الشخصي، وأضاف أن أفريقيا ليست بحاجة لزعيم قوي، وإنما لمؤسسات قوية.

4– المؤسسة العسكرية غير محايدة

إذا كانت موجة الانتقالات الديمقراطية التي عرفتها أفريقيا مهدت الطريق، أما اندحار الأنظمة العسكرية من قبيل ما حدث بنيجيريا التي اشتهرت بالانقلابات العسكرية المتعددة، والتي شهدت مؤخرًا انتخابات رئاسية خسر فيها الرئيس جوناتان الحكم أمام منافسه محمد بخاري في انتخابات شهد الجميع بشفافيتها ونزاهتها، فإن مرحلة الانتقالات الديمقراطية شهدت كذلك في عديد من البلدان عودة الانقلابات العسكرية الدامية. ففي النيجر مثلًا التي شهدت انتخابات تأسيسية لنظام ديمقراطي سنة 1999، وبعد ذلك سنة 2005، أدت هذا الانتخابات عكس ما كان متوقعًا إلى إعادة إنتاج شكل من أشكال الأوتوقراطية، بعد رفض الرئيس ممادو تانجا التخلي عن السلطة، وهو الأمر الذي أوقع البلاد في دوامة الانقلابات العسكرية مرة أخرى.

Embed from Getty Images

كما عرفت دول أخرى عودة قوية للأجهزة العسكرية، وتصاعدًا مهمًا لنفوذها في مواقع القرار. فما زال الجهاز العسكري في إفريقيا بحكم امتياز القوة لديه متشبتًا بالدفاع عن مصالحه واستراتيجياته.

وكانت المؤسسة العسكرية في بعض الحالات تفرض شروطًا مقابل ابتعادها عن الشأن السياسي كالتنصيص في الدستور على مقتضيات تمكن من الإفلات من العقاب، مثل نموذج حزب جون راولينغز في غانا الذي فرض التنصيص في الدستور على مقتضيات تجعل من المستحيل متابعة الجهاز العسكري على تجاوزات سابقة. وفي مالي عفا الجنرال أمادو توماني على ضباط وجنود من النظام السابق ساهموا في ارتكاب مجموعة من الجرائم.

وبالتالي شكل إزاحة الجهاز العسكري من السلطة أهم تحديات الانتقالات الديمقراطية في أفريقيا، ويرى البعض أنه لا يمكن الحديث عن نجاح انتقال ديمقراطي في التجربة الأفريقية دون تحييد المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى جهاز لمراقبة الديمقراطية (une forme de contrôle démocratique).

ورغم هذه الإخفاقات التي خلقت لدى شعوب القارة انطباعًا عامًا أن هذه النظم الهجينة المتمخضة عن الانتقالات الديمقراطية أجهضت آمالهم وتطلعاتهم نحو ديمقراطية حقيقية، تبقى هذه التحولات مرحلة فارقة في تاريخ المجتمعات الإفريقية حيث أسهمت في وضع قدر من الحدود أمام الأنظمة الاستبدادية المنتشرة في ربوع أفريقيا، وفرضت على هذه الأخيرة الاعتراف ولو نسبيًا بأهمية الحقوق والحريات وأهمية إشراك الشعوب في إدارة مجتمعاتها، كما أسهمت في حصول تطور نوعي في الوعي الديمقراطي لدى الشعوب الأفريقية وعززت دور المجتمع المدني كفاعل أساسي في انبثاق هذه التحولات ومواكبتها في أفق تحقيق ديمقراطية ناجحة وراسخة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد