إن المجتمعات متغيرة بطبيعتها، والتغيير سمة من سماتها، واهتمام المفكرين على مر العصور بتفسير مجموعة من الظواهر المجتمعية، ليس اعتباطًا، بل نتيجة تؤثر في المجتمع، ويمكن للأفراد أن يعانوا من تبعاتها إن لم يتم معالجة العلة أو الخلل. واليوم يشكل موضوع الحريات الفردية نقاشًا واسعًا وجدلًا كبيرًا. فبعدما كانت الحرية مفقودة في فترة زمنية ما، ظهرت في الغرب حركات عُرفت بالليبرالية. وبانفتاح العرب، تأثروا بتلك الفلسفة وما تحمل في طياتها من أفكار تتأسس على الحرية والمساواة. وأطلقوا عليها «حركة الليبراليين»، في كتابات النهضة الأولى، وتحديدًا في مصر والشام.

إن الحريات المتداولة في الغرب نتاج سياق تاريخي طويل بدأ منذ تبني الفكر الوجودي الذي يعلي من قيمة الفرد، ويدعو إلى حريته المطلقة دون أي قيد، وعدم حاجته إلى مُوَجِّه، فنجد الحرية في الانتحار، وإقدام الكثيرين على الإنهاء الطوعي لحياتهم، لدرجة أن ذلك وصل لمرحلة التقنين في سويسرا، فأصبح لديهم ما يسمى بـ«الموت الإرادي» للتخلص من الحياة، مع أداء رسوم خاصة بذلك، فيقيم المعني حفل الوداع مع الأصدقاء والمقربين.

لكن المفارقة في مجتمعنا المغربي تكمن في الخلط القائم بين مفهومي الديمقراطية والحداثة من جهة، والحرية والليبرالية من جهة ثانية، وأنه من ينتمي للحريات فهو ديمقراطي والعكس، ويَتناسون أن الحرية ما هي إلا طرف من بنية فكرية، تتداخل فيها مجموعة من البُنَى والركائز التي تتأطر تحت مفهوم الحداثة، والتي من أسسها احترام القانون المُتحرك.

والحقيقة الثابتة أن مجتمعنا لم ينضج بعد لتبني قوانين تم التنديد بها، والدليل هو أن مجلة «إيكونوميست» نشرت استطلاعًا للرأي بَيَّن أن حوالي 76٪ من المغاربة هم ضد الإجهاض، هذا مع العلم أن ألف عملية إجهاض تتم بشكل يومي بمختلف ربوع المملكة، حسب ما تشير إلى ذلك بعض الإحصاءات.

وبناء على هذا؛ نستحضر ما قدمه لنا عبد الله العروي في كتابه مفهوم «الحرية»، في الجزء المتعلق بالملابسات التي تطال هذا المفهوم، وأن «البنية الثقافية هي التي تلعب دورًا مهما في بناء النموذج الاجتماعي للحرية»، أي باستيعاب الفرد لذاته، وللعالم من حوله، وأن يتمثل ذلك في ذهنه بالشكل الصحيح، فيَسرِي ذلك على الجماعة، وهذا لن يتأتى إلا إذا كانت الأهداف الثقافية للمجتمع مبنية على أسُس، مسبقة بدراسة منهجية صحيحة للكشف وتفسير الواقع.

إن المجتمع الغربي، قطع أشواطًا كبيرة في مجال الحريات والديمقراطية الحقة، ودرس بنيته الثقافية بشكل صحيح وناجع، وهو ما يتباين ومجتمعنا، هذا كله يساهم في ترسيخ قاعدة ابن خلدون أن «المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب»، ومعناها أنه عندما يظهر عدم تكافؤ في علاقة القوة بين طرفين ينشأ الولع بتقليد الطرف الأقوى، مما يزيد الخلل ويزداد الولع بالتقليد والشغف بالغالب. ويضيف أن التلازم بين الغلب والتقليد أساسه العامل النفسي بمعنى خداع الذات وبلغة ابن خلدون المغالطة.

فنجد من يَدَّعي الحداثة والليبرالية في ممارساته وفي نقاشاته عن الحريات الفردية، هو نفسه من يعتبرها تُسيء لصورته في سياق آخر، بمعنى أنه يدعو للقيام بمجموعة من الممارسات، عندما تكون في صالحه، ويتبرأ منها ويندد بها في حالة اجتماعية أخرى، وهناك دراسات سوسيولوجية عن النفاق الاجتماعي بهذا الصدد.

إنني هنا لست مدافعًا عن الحريات الفردية ولا ضدها، لكن هناك أسس ومحددات، تتبلور في شكل قوانين ومسالك مؤسساتية وغيرها، فممارسة الحرية أمر مشروع ومن حق الفرد أن يفعل ما يشاء، لكن إن كان ذلك لا يتماشى والقوانين الموضوعة فمن حقه المطالبة بإلغائها أو تعديلها، ومثال على ذلك مطالبة نشطاء مغاربة بإلغاء قوانين تُضيِّق من حرياتهم الفردية، بتوجيههم عريضة للبرلمان لإسقاط القوانين التي تُقيد وتُحرِّم القيام بمجموعة من الممارسات. لكن التباين هنا أن البعض يُؤيد ما ورد في العريضة، لكنه لا يستطيع التوقيع عليها. إن العيب ليس في المطالبة بإلغاء قوانين أو إجازة ممارسات، لكن الخلل يكمن في الاضطراب بين ما هو ظاهر وما هو مضمر، وذلك نتاج بيئة مجتمعية يطمح أفرادها للسرعة، لكن هيكلها يلزمه الكثير من التصويب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد