أهاجر وأسيبك لمين؟
ولسا صبية ونيلك حزين ..
ولسا لبكره ماليك الحنين ..
أسيبك لمين؟
ومين رح يرد لتاريخك صباه؟
ويمشي طريقك لآخر مداه؟
ومين من حياته يجيب لك حياة؟
ومين رح يكبر  في وقت الصلاة؟
ومين يبقى ظله في  شمس الغلابة؟
ومين يبقى شوكة في حلق الديابة؟
أسيبك لمين؟

لم يحدث مرة أنني كررت سماع أغنية ما كل هذه المرات، حتى عندما كنت في سن المراهقة الذي يكون فيه من عادة المراهقين أن يعشقوا الأشياء بشغف مجنون!  ربما كنت لم أكبر كما يقول لي أصدقائي: أني ما زلت أملك قلبًا طفلاً ومجنونـًا بما يحب وما يؤمن به! ولذلك قضيت يومي كله أستمع لهذه الأغنية وأجهش بالبكاء بجنون.

كنت أعد لأولادي الطعام وعندما سمعتها بطريق الصدفة صبيحة القصف الروسي وإعلان الحرب الأرثودوكسية على وطني سورية، عندما سمعتها أسقط في يدي!  سقط كل شيء من يدي وجثوت باكية على ركبتي!  ذعر ابني الصغير حامي الحمى الذي لا يمكن أن يحتمل مشهد دموع أمه! لا بأس يا بني، لا شيء!  إنني أبكي أوطاننا فقط!

هربت من عينيهم، وخرجت والكلمات مازالت ترن في أذني، إلى الشرفة لعلي أفرغ شيئًا من البركان المستعر في داخلي.  ومين رح يرد لتاريخك صباه؟  تاريخك يا وطني الذي يدفعوننا ثمنه اليوم وإلى الأبد، تلك الهوية وهذا الدين الذي من أجله تشن علينا الحروب المقدسة، من الروس الأرثودوكس، والفرس، وكل المتواطئين معهم. هذا التاريخ الذي نحمل مسئوليته شئنا أم أبينا، نعم نحن أحفاد صلاح الدين الذي جاءوا ليشنوا حربهم للانتقام منه، ومن أحفاده. ها قد عدنا يا صلاح الدين قالها الجنرال غورو ووضع قدمه على قبر صلاح الدين ساعة أن دخل دمشق.

الكذابون الأفاكون المجرمون القتلة جميعًا، صرحوا جميعًا في الأمم المتحدة قبل القصف الروسي بيوم، أنه لا بقاء للأسد، وأنه سبب الكوارث كلها، ليسكتوا في اليوم التالي على قصف الروس المباشر لسوريا. طائرات روسية، طائرات أمريكية، وقبلها طائرات إسرائيلية، كلهم عليك يا وطني!

أصبح وطني اليوم محتلاً منتهكـًا بإرادة دولية، ومن قبل دول العالم، إنها حرب عالمية ثالثة على أرض سورية.  ما السر في هذه الأرض؟ لماذا؟ لماذا كل وحوش الكون تتكالب عليك يا وطني؟  يريدوننا أن نهاجر ونترك لهم كل شيء، الماضي والتاريخ، الحاضر والثورة، المستقبل والغد الذي حلمنا أن نصنعه!

فرغوا بلادنا من سكانها، بقصف لا يرحم ليل نهار وبكل أنواع الأسلحة المسموحة والمحرمة دوليًا. بكيت وبكيت، دون وعي أنني على الشرفة، فلاحظني جارنا وزوجته المسنة، فمسحت دموعي وهربت من نظراتهما بسرعة. لم أستطع إيقاف تلك الفاجعة المستعرة داخلي، فكتبت:  وطني محتل بقرار دولي، وطني منتهك برضا عربي، وطني يقصفه  طيران وطني.. عبري.. روسي.. غربي، وطني هدف لشعوب الأرض جميعًا بجحيم قدسي.

جنود الأرض تحارب قاطبة ساحقة وطني.. تتدفق لي، وأنا أهرب أبعد ما يمكن عن تلك الحرب ولكن الحرب تعود إلي، في تلك الأرض، سيكشف كنز، أو يولد مهدي، في تلك الأرض جيوش الكون تحارب كي يدفن قبل الميلاد، وعد الحرية والأمجاد، ولصوص الليل تغل الحلم بأصفاد، تسرق مني أولادي والأحفاد، كل الأوهام انهارت يا أرض الميعاد، كل الكذبات انكشفت يا نسل الأوغاد، لن يوجد فردوس في بلد لا تمتد جذوري فيه إلى ما قبل الميلاد..
وجحيم النار سيغدو بردًا وسلامًا.

إن قررت بدمي أن أصنع فردوسي  الأصلي  وليس معارًا من غيري، من جذري الراسخ..
في أرض الميعاد. عندما كنت فتاة صغيرة، وكانت حرب روسيا ضد أفغانستان على أشدها، وبعدها حرب الصرب والكروات على مسلمي البوسنة والهرسك، وقتها أتذكر أنني قمت بلوم كل الرجال في محيط رؤيتي البصرية، لعدم مشاركتهم في الجهاد، فلا رجل مسلم يمكن أن يقعد وبلاد المسلمين يعتدى عليها من قبل الأعداء. وبرغم أن غالبيتهم كان قد شارك ماديًا في دعم المجاهدين بشكل كبير إلا أني كنت أعتبر ذلك غير كاف أبدًا.

من ذهب لجهاد المحتل، أصبح اسمه اليوم إرهابيًا، وأصبح حين يعود إلى بلده يسجن ويعامل كخطر محدق، أو يتم تسليمه للأمريكان ليقبع في جوانتانمو، فأمريكا ذاتها التي دعمت المجاهدين بالسلاح، زجت بهم في غياهب السجون.  نفس أمريكا اليوم، تستخدم عبيدها، ثم ترميهم إلى مزبله التاريخ . ثم تتساءل عن سبب الإرهاب!

وليس من سبب للإرهاب في كل العالم أكبر من أمريكا وربيبتها إسرائيل! هما اللتان صنعتا الطغاة وربتاهم بأعينهما، حتى إذا نضج إجرامهم وأثمر على سوقه قتلاً وترويعـًا وسجنـًا وتعذيبًا وخيانة للأوطان وتحالفـًا مع العدوان، سلموهم مقاليد البلاد والعباد.

منذ أيام الانقلابات في سورية التي لا يخفى على أحد أنها صناعة أمريكية، وحتى سكوتها وسماحها بكل أنواع الحكم الديكتاتوري الذي عادوه ظاهرًا وحالفوه باطنـًا، وحتى تسليم عدو الفلسطينين والمصريين السيسي مقاليد مصر وقبله تسليم الجزار القاتل المالكي حكم العراق، ثم تتساءلون من أين جاءت داعش! داعش هي سيناريو وإخراج أمريكا وإسرائيل، التي بغت وطغت في البلاد، والتي أرسلت عملاءها على كلا الضفتين لتشعل نارًا تأكل البلاد والعباد، وبقيت هي على الحياد، كما أثبتت وثائق ويكليكس المسربة: عدم التدخل، دعهم يبيدون السنة!

من أين جاءت داعش إذا!  كما قال توني بلير: أنتم من صنعتم داعش، وأنتم من يدمر المنطقة كلها بذريعة محاربتها! يا ترى لو سلمنا الشيطان بحد ذاته قيادة المنطقة، هل سيكون أسوأ منكم؟  أظن أنكم ستعطونه كثيرًا من الدروس، يا دعاة الديمقراطية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد