كثيرًا ما أبدت الشعوب شغفها للديمقراطية، وحلمت ببلدان تجرى فيها انتخابات حرة ونزيهة، ثم تعاظم هذا الحلم الذي أطلقنا عليه تسمية الشغف الديمقراطي أكثر منذ عام 2000 إلى يومنا هذا، غير أن المتتبع لمسار الديمقراطية العالمي يجد أنه عرف تراجعًا وعدة انتكاسات.

فقد تعمقت مشاكل الديمقراطية أكثر بعد حرب العراق، وظهور ما يسمى بالربيع العربي، ولم تعد في نظر الكثيرين إلا وجهة أخرى للاستبداد لهذا فإن الإشكال الذي يطرح نفسه أمامنا:

هل نحن ديمقراطيون؟

أولًا يجب علينا أن نفهم ما هي الديمقراطية؟

مصطلح الديمقراطية مصطلح إغريقي الأصل يتألف من كلمتين: ديموس، وتعني الشعب، وكراتوس، وتعني السلطة الحاكمة، أو الحكم.

انطلاقًا من هذا المفهوم فإن الديمقراطية في معناها تعني حكم الشعب لنفسه، ويعرفها لنكولن بأنها حكم الشعب من قبل الشعب، ومن أجل الشعب، لكن هل الأنظمة السياسية جسدت هذا المفهوم؟

يرى المفكر الأمريكي توماس جيفرسون أن الديمقراطية ليست أكثر من حكم الغوغاء، حيث يسلب 51٪ حقوق الآخرين التسعة والأربعين، وأنها من بين الأكاذيب الكثيرة التي بيعت للأجيال، والشعوب منذ مطلع القرن 20، وفي نفس السياق يرى المفكر الكسندر بوت أن الديمقراطية في شكلها الحالي تخون التراث السياسي للمسيحية، وأنها فقدت دورها السابق كعنصر مهم في المزيج السياسي، وما هي إلا شعار فارغ وخدعة ملتوية.

إذا كانت أمريكا التي تعتبر مثالًا عن الديمقراطية الناضجة تعترف على لسان توماس جيفرسون والعديد من الدراسات التي أجريت أن الديمقراطية من أكثر الأكاذيب التي بيعت للأجيال، وأن نظام الحكم الذاتي الخاص بأمريكا عبارة عن جمهورية تمثيلية دستورية تختلف عن الديمقراطية.

فلماذا نشهد هذا الشغف الديمقراطي؟

إن من بين أسرار تجليات الشغف الديمقراطي البحث عن قيم الديمقراطية الحقيقية، بمعنى أدق اختيار شكل الديمقراطية الذي تريده الشعوب، وليس الشكل الذي يتم تصديره، أو فرضه، وهو المعنى الذي شكل الأزمة الحقيقية للديمقراطية في القرن 21، ففرض قيم وممارسات الديمقراطية الليبرالية التي انبثقت عنها ديمقراطيات شكلية تحافظ على المظهر الخارجي المتمثل في الحفاظ على الانتخابات، بينما تقوم بتهميش الحقوق، ودور المؤسسات.

لذلك فلو تأملنا انتكاسات الديمقراطية التي شهدها العالم منذ عام 2000 لكانت في الديمقراطيات الغربية الناضجة، وتعد الحرب على العراق 2003 – باسم الحرية والديمقراطية- احدى الخيبات التي عاشتها الشعوب، وأظهرت أنها تكرس للهيمنة الأمريكية، والغربية لتحقيق المصالح، وهو المعنى الذي عبر عنه فرانسيس فوكوياما الديمقراطية لا يمكن أن تضع جذورها في أرض صخرية.

ومن بين النماذج الأخرى لانتكاسات الديمقراطية ما حدث في مصر، وليبيا، وسوريا، فلم نشهد الوصفة السحرية للديمقراطية داخل هذه الدول.

ومن منطلق آخر لم تكن الديمقراطية عن منأى التعقيدات والتحديات التي عرفها العالم من أزمات العولمة، وبروز فواعل جديدة، وصعود قوى اقتصادية جديدة شكلت نظامًا متعدد الأقطاب يهدد الهيمنة الأمريكية، ومشاكل المناخ، كلها عوامل قوضت جاذبية الديمقراطية، وأنهت فكرة أن الديمقراطية ستسود في النهاية، أنتج ما يسمى بالديمقراطية الفوضوية – شكل من أشكال تكريس الاستبداد – والتطرف الديمقراطي .

الربيع العربي والشغف الديمقراطي

في سياق التحولات السياسية التي شهدتها عديد الدول العربية خاصة التي احتضنت ما يسمى الثورات العربية أبدت الشعوب رغبتها القوية في التحرر من أنظمتها الاستبدادية – التي كتمت على أنفاسها لعقود من الزمن – وبناء دول ديموقراطية، ورغم ذلك، وبعيدًا عن العاطفة الجياشة والشعارات المنادية بالحرية والمساواة وضمان حقوق الإنسان وحق الشعوب في تسيير دولها، يتوجب علينا تبرير النتائج المخيبة التي أتت عكس توقعات هذه الشعوب خاصة في ليبيا وسوريا ومصر، والتي آل التحول الديمقراطي فيها إلى سيناريوهات العنف والقمع والتدخلات الخارجية، فلو تتبعنا التاريخ نجد أن مسار الثورات من أجل الحرية والديمقراطية لم يخل من دائرة العنف، وأنه سنة طبيعية للتغيير، لكن مع ذلك لا نسلم تمامًا بحتمية العنف، ونشجب النظرة التفاؤلية تجاه هذه الثورات، ولعل الأمثلة حاضرة في التجربة التونسية، والثورة السلمية التي تشهدها الجزائر، وسبقتها السودان، تؤكد على مؤشر تفاؤلي أن الربيع العربي يسير بخطا ثابتة نحو إنشاء مجتمعات ديمقراطية بما يناسب هذه الدول ليبقى الطموح الديمقراطي أملًا لهذه الشعوب قد يستغرق عقودًا من الزمن في بعض منها.

فماذا تحتاج الديمقراطية اليوم؟

هندسة الديمقراطيات الجديدة

– تحتاج الديمقراطية اليوم إلى هندسة دقيقة خاصة لدى الديمقراطيات الناشئة من خلال تحديث الأنظمة السياسية، وإزالة التطرف تجاه قيم وممارسات الديمقراطية، ثم استرجاع ثقة شعوبها في الديمقراطية.

– إجراء إصلاحات حقيقية ومعمقة في تجسيد ديمقراطية سليمة، سواء المتعلقة بالأنظمة، أو الأحزاب، أو من يستولي على عمليات الديمقراطية.

– إصلاح نظام التسليم للديمقراطية، والذي من شأنه أن يعزز قيم الديمقراطية بدلًا عن أن يغذي التطرف الديمقراطي تكريس الاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد