الطابع القطعي للديمقراطية يجعل من الصعب جدًّا التشكيك في مدى نجاعتها وفعاليتها، على الأقل في دول العالم الثالت. إن كان هذا النظام يستمد شرعيته أساسًا من الأغلبية، فما العوامل التي تحكم السلوك الانتخابي؟ وهل الأغلبية دائمًا على صواب؟

إن الإجابة عن هذه الإشكالية تتطلب تمحيصًا وتحليلًا عميقين لسلوك الناخب، والعوامل الذاتية والموضوعية التي تتحكم فيه. لا يوجد تعريف جامع مانع للنظام الديمقراطي، أي تعريف يضم كافة تفاصيله؛ لكنْ هناك تعريف عام للمعالم الرئيسية له، والتي بدونها لا يمكن وصف نظام سياسي ما بأنه ديمقراطي، أما التفاصيل فتتغير بتغير الدول وأوضاعها والتحديات التي يواجهها كل مجتمع.

الديمقراطية لها قواعد وأسس واضحة، ترسخت عبر العصور ونذكر منها:

الانتخابات الحرة والنزيهة وسيلة لتكريس حكم الشعب. (حرة: أي من دون قيد أو إكراه أو تخويف للمواطنين وفي سياق آمن، نزيهة: خلال كل المسار الانتخابي وليس فقط خلال
الفرز).

احترام فوز الأغلبية وحقها في ممارسة السلطة وحماية حق الأقلية في ممارسة المعارضة السياسية.

المواطنة بوصفها أساسًا للعلاقة بين الدولة والمواطنين، وبين المواطنين أنفسهم، ويتساوى جميعهم أمام القانون، مهما كان الجنس أو العرق أو اللغة أو المعتقد.

فصل السلطات، واستقلالية القضاء.  لا مساس بمبدأ التداول على السلطة والتعددية الحزبية وحرية تنظيم المجتمع (جمعيات، نقابات، أحزاب…).

لا مساس بحرية التعبير وحرية الصحافة.

لا مساس بالحريات الفردية والجماعية مهما كانت هوية الفائز بالانتخابات.

الديمقراطية ليست إيديولوجيا!

يمكن أن تكون تقدميًّا ديمقراطيًّا أو محافظًا ديمقراطيًّا، يساريًّا ديمقراطيًّا أو يمينيًّا ديمقراطيًّا… الديمقراطية ليست إيديولوجيا وليست حكرًا على أي توجه سياسي. الديمقراطية هي إطار منظومة الحكم، وبالتالي استمداد الشرعية الديمقراطية من الإيديولوجية السياسية أمر غير منطقي.

حين يعتنق الكائن إيديولوجيا ما، أو ينحاز إليها، فإنَّ هذه الإيديولوجيا تغدو النظارة التي يرى فيها العالم. وليس هذا فحسب؛ بل يُخطِّئ المختلفين معه بالمطلق. فتغدو المعرفة، إذ ذاك، أسيرة الإيديولوجيا وليست عملية كشف وفهم وتفسير وموضوعية، وهذا هو معنى العائق الإيديولوجي للمعرفة. وبالتالي يصوت على اعتبار إيديولوجي متناسيًا الاعتبارات الموضوعية والعقلانية التي ستخدم مصلحته ومصلحة الوطن.

علم النفس السياسي حلل عن كثب هذا السلوك وخرج بخلاصةٍ مفادها أن البرنامج الانتخابي نادرًا ما يكون السبب في استقطاب الأصوات.
بل هناك عوامل أخرى متحكمة ومنها الأولويات اللحظية، والمشكلات الحالية التي يمر بها البلد، ومن الأحزاب الأكثر نجاعة في حلها، أحيانًا لا تكون الأحزاب فقط، بل الشخصيات السياسية لإنقاذ الوضع.

حيث إن كاريزما السياسي عامل كافٍ لكي يصوت الناس لصالحه تحت شعار الرجل المناسب في المكان المناسب. هذه العوامل تتداخل فيها الدور  المتصاعد للاستقطاب الطبقي والثقافي. كما تتداخل فيها عوامل جغرافية، فهناك تقسيم جغرافي مثير لا يمكن أن يكون وليد الصدفة بين القرى والمدن تارة، وبين الشمال والجنوب تارة أخرى.
عاطفية الناخب هاته ساهمت في تصاعد المشاعر الشعبوية، واللعب على وتر بعض القضايا ذات الطابع الوطني.هذه السلوكات تختلف طبعًا من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، فإذا كان المواطن الغربي مثلًا يصوت لاعتبارات إيديولوجية أو اعتبارات أخرى لغاية في نفسه.

فإن مواطني الدول النامية في غالبية الأحيان لا يفرق أساسًا بين اليمين واليسار، وهنا نستنتج أن فكرة استيراد تجربة ديمقراطية غربية ليست بالفكرة الجيدة؛ لأننا بكل بساطة لا نملك الجو العام الذي سيساهم في نجاح هذه التجربة.

كيف لبلد تبلغ فيه الأمية ٦٠% أن يكون أن يمثتل لاختيار أغلبية لم تجد حتى حسن تدبير شأنها الخاص، بل يطلب من مواطن لا يقوى حتى على كتابة اسمه أن يقرأ برنامجًا انتخابيًّا ويصوت على أكثر مرشح أقنعه.

وهذا ما يفسر عدة آفات ترافق العملية الانتخابية فمن ناحية نجد شراء الأصوات والرشوة. ومن ناحية أخرى نجد عوامل دينية طائفية تشمل بعض الأحيان حتى الطبقة  المتعلمة، فيكفي أن يكون الحزب من مذهب الناخب حتى يدلي له بصوته دون تردد حتى وإن كان هذا الحزب سببًا رئيسيًّا في هلاك وطنه، هذه المشاعر الطائفية أو القومية من الصعب أن يجرد منها المرء لأنها جزء من كيانه، فعندما يصوت لطائفته فهو يرى نفسه في بني طائفته، بل يهيأ له أنهم أكثر السياسيين كفالة لحقوقه وكرامته.  سيطرة الجهل وتفوق الطائفية على الوطنية يوحيان بأن الطريق ما زال مضنيًا.

منظومة الحكم هاته لا يمكل تنزيلها على أي أرض، بل تستوجب أرضية صلبة بنيت على الوعي والتعليم الجيد وأسس المواطنة، تنزيلها على أرضية هشة سيعصف بها وبأصحاب تلك الأرض، وبالتالي فإن الأغلبية الواعية من الممكن أن تصيب مثلما من الممكن أن تخطئ، أما الأغلبية الجاهلة فمن شبه المستحيل أن تستأمن على تحديد مصير أمة برمتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد