يعرف د. حسنين توفيق إبراهيم الانتقال الديمقراطي (Democratic Transition) في مقاله المنشور في مركز دراسات الجزيرة تحت عنوان «الانتقال الديمقراطي: إطار نظري» على أنه يشير: إلى العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير ديمقراطي إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي. ومن المعروف أن هناك عدة أشكال أو أنماط لنظم الحكم غير الديمقراطية، فهي يمكن أن تكون شمولية أو تسلطية مغلقة، مدنية أو عسكرية، حكم فرد أو حكم قلة… إلخ.

كما أن هناك حالات ومستويات متعددة للنظام الديمقراطي الذى يتم الانتقال إليه. فقد ينتقل نظام تسلطي مغلق إلى نظام شبه ديمقراطي يأخذ شكل ديمقراطية انتخابية، ويمكن أن يتحول نظام شبه ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي ليبرالي أو يكون قريبًا منه. كما أن الانتقال إلى النظام الديمقراطي يمكن أن يتم من أعلى، أي بمبادرة من النخبة الحاكمة في النظام غير الديمقراطي أو الجناح الإصلاحي فيها، أو من أسفل بواسطة قوى المعارضة المدعومة بتأييد شعبي واسع، أو من خلال المساومة والتفاوض بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة لها، أو من خلال تدخل عسكري خارجي. وكل ذلك يؤكد على مدى التعدد والتنوع في تجارب وخبرات الانتقال الديمقراطي.

انطلاقًا من تجارب الانتقال الديمقراطي التي تمت عبر عدة دول في العالم، تبين أنها تمت وفق أربعة مسارات تمت الإشارة إليها سلفًا وسنحاول تفصيلها لاحقًا، وهي:

المسار الأول: الإنتقال من داخل النظام؛ بعد أن تقتنع النخبة الحاكمة بفشل النظام السياسي، وأن البقاء فيه ستكون تكلفته باهظة على الجميع، فتضطر تحت الضغط لشعبي للانفتاح السياسي، وإجراء تغييرات جوهرية في نمط الحكم، والاقتصاد، والحريات العامة، والصحافة، والإعلام، ويطلق عليه أيضًا، الانتقال من أعلى (Transition from Above) وهو ما حدث في الجزائر زمن الرئيس الشاذلي بن جديد بعد انتفاضة 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 بالانتقال من الأحادية إلى التعددية، ومن الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر، وإن اعترى هذه التجربة كثير من الارتجال والشعبوية في التغيير؛ مما أفقدها نجاعتها وفعاليتها المأمولة، ظهر ذلك جليًا سياسة في الخصخصة على سبيل المثال، ويعود سبب ذلك إلى أن تغيير هذه الأنظمة لا يأتي وفق مسار إصلاحي مرحلي ومدروس بعناية من طرف الخبراء والمختصين والمفكرين في مجالات تخصصية، مع تهيئة الظروف الملائمة لاستقبال التحولات أي، الأرضية المناسبة، وإنما غالبًا ما تأتي تحت طائلة الضغوط الشعبية وحالة الإفلاس والأزمات وصراع العصب الحاكمة وجماعات الضغط والنفوذ ورجال المال واللوبيات، الأمر الذي يجعل عملية الإصلاح أشبه بعملية تجميل لوجه بائس.

المسار الثاني: الانتقال عبر الانتفاضة الشعبية العارمة التي تسقط رأس النظام وحكومته لتتحكم المعارضة بزمام الأمور وتقود البلاد، ويقع ذلك إما بسبب رجحان ميزان القوة الشعبية أو بإسناد خارجي في شكل مساعدات لوجستية كما حدث لليمن وسوريا في بداياتهما، وكما كاد أن يحدث في فينزويلا، وهذا المسار في غالبه ينتهي إلى معادلة صفرية (عدمية) بين القوى الحاكمة وقوى التغيير ويعرض الدولة للفشل والسقوط والتحرش الدولي كمثل ما وقع لليمن وسوريا، وهنا قد تفقد الدولة سيادتها الكاملة على أراضيها واستقلالها السياسي، ويطلق أيضًا على هذا المسار الانتقال من أسفل (Transition from Below).

ويقول د. حسنين توفيق إبراهيم في مقاله المشار إليه سابقًا: يأخذ هذا النمط للانتقال شكلين رئيسيين. أولهما، الانتقال نتيجة لتكثيف الضغوط على النظام الحاكم من خلال التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي تقودها وتشارك فيها قوى المعارضة الديمقراطية، بحيث تجبر النظام في نهاية المطاف على تقديم تنازلات تفتح الطريق للانتقال الديمقراطي على غرار ما حدث في كل من الفلبين وكوريا الجنوبية والمكسيك. وثانيهما، الانتقال الذى تقوده قوى المعارضة على أثر انهيار النظام غير الديمقراطي أو إطاحته بواسطة انتفاضة أو ثورة شعبية. ففي أعقاب ذلك تبدأ مرحلة تأسيس نظام ديمقراطي جديد يحل محله.

والمرحلة الانتقالية المرتبطة بهذا المسار لها وجهان: الأول في حال حدوث توافق تام بين المعارضة والمؤسسة العسكرية على إدارة المرحلة الانتقالية وفق أجندة وتفاهمات مسبقة وواضحة، لأن الجميع مقتنع بضرورة الانفتاح السياسي وإجراء الإصلاحات اللازمة للنظام، فإن هذا النوع من المراحل الانتقالية لا يحمل خطورة كبيرة على أمن واقتصاد ومصالح البلد، خاصة إذا كانت فترتها قصيرة.

الثاني في حال عدم التوافق والتّضاد التام في مواقف كلا الطرفين، فغالبًا ما تكون المرحلة الانتقالية هنا مرحلة احتراب وصراع واضطراب عام، أو توسع الدور العسكري وغلبة النخب العسكرية أو إعادة تموضع القوى الحاكمة في شكل أحزاب وتنظيمات جديدة للابتعاث من جديد بعد التحالف مع القوى العسكرية.

وأما حظ قوى التغيير فهو ضئيل جدًا لعدم وجود تكافؤ في الفرص وموازين القوى، فالمرحلة الإنتقالية حينئذ تشكل فترة استراحة وإعادة ترتيب الأدوار والمواقع للقوى التقليدية الحاكمة، وقد حصل هذا لتونس ومصر على سبيل المثال.

المسار الثالث: الانتقال عن طريق التدخل العسكري الأجنبي (Foreign Military Intervention) ، إما بطلب داخلي أو دونه، وذلك بعد تصاعد التهديدات الخارجية وحالات القمع والقتل الجماعي من قوى النظام للمعارضة، فتتدخل القوى الأجنبية عن طريق قرار من مجلس الأمن أو تحالف دولي لضرب أهم المراكز السيادية في البلاد، كالرئاسة ومقر الحكومة والقيادة العسكرية، وهذا يعتبر من أسوأ السيناريوهات على الإطلاق، وهو عبارة عن نوع من الاحتلال المبطن تحت غطاء حماية المدنيين ونشر الديمقراطية، ومثله ما وقع في ليبيا والعراق، وهذا المسار يجعل الدولة مستباحة ومرهونة لدى الأطراف الخارجية المتدخلة، ويدخلها في مرحلة انتقالية إجبارية قد تسوء فيها الأحوال أكثر، خاصة بعد تدمير المؤسسات الحساسة وفشل مساعي التوافق وبروز الصراعات الحزبية والأيديولوجية وتكشير الأطماع الدولية عن أنياب جشعها في استغلال ثروات البلاد، وانقسام الجيش إلى ميليشيات وعصب متصارعة، مما يمهد أيضًا لتحريك البؤر الإرهابية وتشكيلاتها التي تصنع في مخابر عالمية خاصة وبمادة أولية محلية، ولعل الحالة الليبية هي أبرز ما ينطبق عليه هذا الوضع.

المسار الرابع: هو التغيير عبر التوافق بين قوى التغيير والقوى الحاكمة (Negotiated Transition)، بعد مفاهمات جدية تفضي إلى تنازلات هامة وتسليم السلطة عبر آليات ديمقراطية جديدة وآمنة يتم التوافق عليها بين الطرفين، ويتم ذلك غالبًا عند تساوي أو تقارب ميزان القوى، ويشترط في ذلك اقتناع القوى الحاكمة بضرورة التغيير وإجراء إصلاحات عميقة للنظام السياسي تطال بنيته الصلبة وأدواته ومؤسساته وقوانينه، وليس التعامل مع نتائجه وإفرازاته أو بعض رجالاته؛ لأن مثل هذا التغيير البروتوكولي لن يسهم في الإصلاح العميق للنظام وتقويم أعطابه، وهو ما سيعيد تكرار الأزمات في كل مرة…وهذا المسار هو أقل مسارات الانتقال الديمقراطي تكلفة وأكثره نجاحًا والذي نأمل تحققه في الجزائر إذا تحققت الإرادة الحقيقية الصادقة من السلطة للتغيير، والاقتناع الكامل بين جميع الأطراف بعدم جدوى البقاء في النظام القديم، الذي أُسس – تاريخيًا – على ركائز هشة لم تنطلق من قواعد علمية وموضوعية نظرًا لظروف نشأته التي كانت في سياق مسار ثوري وصراعات حادة أدت إلى تأسيس ثقافة الإقصاء كعامل أساس في تشكل النظام، خاصة وأن فترة الرئيس بومدين التي دامت قرابة 13 سنة وهي الفترة التأسيسية للنظام في صورته الرسمية، وإن كانت خلفيات تأسيسه تمتد منذ الاحتلال والحركات الوطنية وصراع الأحزاب السياسية والنزاع بين المصاليين المركزيين… إلخ، ففترة بومدين لم تعرف مؤسسات دستورية ولا العمل بالدستور، ولم يبن النظام وفق الشعار الذي رفق آنذاك دولة لا تزول بزوال الرجال أي دولة المؤسسات.

والمراحل الانتقالية التي تكون خلال هذا المسار قد تكون من أسلم المراحل وأبعدها عن المآلات العنيفة والصدامية لتوافق الأطراف، رغم ما قد ينتابها من مغالبات وسوء تفاهم ومحاولات للاستحواذ ولعب أوراق إستراتيجية لكسب المزيد من الامتيازات من بعض الأقليات والأحزاب غير المتجذرة في المجتمع، خاصة في ظل انعدام قيادات كارزمية للحراك الشعبي وضحالة مستوى الأداء الحزبي للمعارضة، وتدجين المناخ السياسي والإعلامي وغياب استقلاليته، كلها معرقلات قد تحول دون نجاح المرحلة الانتقالية، وكما قد تسعى القوى الحاكمة التي فقدت نفوذها ومراكزها أو بعضًا منها، إلى إعادة التموقع من جديد خاصة إذا كانت متحالفة مع النخب العسكرية وواضعة يدها على المراكز السيادية والإدارات المركزية والمحلية فمن الصعب اجتثاثها أو تحييد دورها في هذه المرحلة.

ولهذا فإن البقاء ضمن الأطر الدستورية وإلزام جميع الأطراف بالإنكفاء على مهامهم وموصلة الضغط الشعبي وتنويع بدائل النضال بصورة موحدة، مع ضرورة تنازل أحزاب وتنظيمات ونقابات المعارضة عن أنانياتها وطموحاتها الإنتخابية والاقتصار على المطالب المشتركة للشعب التي تمثل المادة الأولية للحراك، فإن هذا المسار أولى بكثير من الذهاب إلى مرحلة انتقالية محفوفة بالكثير من المتغيرات الداخلية والدولية الظاهرة والخفية، التي تخرج عن سيطرة الجميع، فالمرحلة الانتقالية لا تعني بالضرورة تحولًا ديناميكيًا نحو الديمقراطية ونظم الحكم الراشد، وهي ليست ملعبا تلعب فيه لوحدك وفق شروطك، بل هي ملعب لا يحكمه قانون، ولا دستور سوى منطق التفاهمات أو المغالبات، وأيّها رجح فرض منطقه وسياسته.

كما أن الفقه السياسي الحديث شهد تطورًا كبيرًا على المستوى النظري والميداني في إدارة الأزمات السياسية والمقاربات والمداخل المختلفة في بناء ومأسسة الأنظمة السياسية وهندستها، ولهذا يمكننا أن نجد عدة حلول ومقاربات فعالة تفضي إلى تغيير سلس وآمن للنظام بطريقة ديناميكية، وذلك إذا أسند الأمر للمختصين بعيدًا عن الأدلجة والخلفيات الحزبية، وقد تم اقتراح عدة بدائل ومبادرات قيمة جدا منذ الشهور الأولى للحراك، من المفكرين والعلماء والمختصين الذي تحفل بهم الجزائر، ولكنها لم تجد آذانًا صاغية من السلطة الحاكمة وتم إهدارها والتغافل عنها عمدا؛ مما يطرح عدة أسئلة عن جدية التحولات التي تشهدها الساحة السياسية الحالية ومدى مصداقيتها في نجاح عملية الانتقال الديمقراطي، وتغيير آليات عمل النظام السياسي المتآكل بنيويًا بسبب عطب قواعده التأسيسية، واختلال مساره التاريخي التطوري؛ مما يجعله منتجًا للأزمات بدلًا عن الحلول، وعاجزًا عن التغيير فضلًا عن التطوير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد