يعد موضوع الانتقال الديمقراطي مسألة طارئة ومعطى جديدًا نشأ في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد العشرين، حيث يندرج ضمن فعل تاريخي يشكل الراهن فيه حلقة موصولة بحلقات أخرى عديدة، الأمر الذي يتيح لنا بناء كرونولوجية في هذا الباب تسمح بالعودة إلى البدايات، والبدايات تستدعي جملة من الأسئلة يبقى أبرزها، متى ظهرت فكرة الديمقراطية؟ هل عرف النظام الديمقراطي إخفاقًا حتى أصبحنا بصدد انتقال ديمقراطي؟ ثم كيف يمكن تحقيق التحول من حكم غير ديمقراطي إلى حكم ديمقراطي؟

دخلت فكرة الديمقراطية إلى مجال التداول النظري مع الإغريقيين الذين صاغوا لها تعبيرًا اشتقاقًا من الكلمتين «ديموس Demos» ومعناها الشعب، و«كراتوس Kratos» من الفعل أو يحكم، لذا فإن الديمقراطية كفكرة و كمفهوم كما برز في اليونان يحيل بصفة مباشرة إلى حكم الشعب بالمعنى الحرفي، حيث كانت آثينا آنئذ تتميز بإشراك جميع أفراد طبقة المواطنين في أنشطتها المختلفة، والتي كانت تعد بمثابة الترجمة الحقيقية للديمقراطية إلى واقع عملي في ذلك الوقت بواسطة الجمعية العمومية، أو مجلس الحكومة، أو طريقة تعيين القضاة. وفي الوقت نفسه تقريبًا الذي ظهرت فيه الحكومة الشعبية في اليونان كتعبير عن الديمقراطية، ظهرت أيضًا في شبه الجزيرة الإيطالية في مدينة روما، ولكن الرومان اختاروا أن يطلقوا على نظامهم «الجمهورية» من «ريبلك» أي الشيء أو شأن، و«بيبلكوس» أي الجمهور، أو بعبارة مبسطة فإن الديمقراطية هي الشيء الذي ينتمي إلى الشعب.

هكذا بدت الديمقراطية في البداية تحمل في جعبتها معنيين متمايزين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما، وبالرغم من التجربة التي استقرت على أرض الإغريق وروما لفترة طويلة، سرعان ما سيصيبها الضعف وتتعرض للوهن لعدة أسباب. قرونًا بعد ذلك، وفي مطلع القرنين السابع عشر والثامن عشر سيكون مع فكر الأنوار انقلاب جذري على الفساد والتدهور، الذي رافق فترة ما بعد الديمقراطية اليونانية، حيث ستشكل الإعلانات الإنجليزية و الأمريكية والثورة الفرنسية 1789، ركائز أساسية للديمقراطية في شكلها المعاصر، ففي أعقاب هذه الأحداث سينطوي مفهوم الديمقراطية على قيم ومبادئ عديدة من بينها؛ مبدأ حكم الأكثرية، مبدأ فصل السلطات، ومفهوم تجزيء الصلاحيات، ومبدأ التمثيل والانتخاب، ومفهوم المعارضة، وسيادة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، ضمن السياق نفسه، تحضرنا فكرة روبرت دال الموجودة في كتابه عن الديمقراطية الذي يقول من خلالها «…قد يكون من الخطأ افتراض أن الديمقراطية قد تم اختراعها بصورة كاملة كما اخترعت الآلة البخارية مثلًا… إنني أفترض أن الديمقراطية يمكن أن تخترع بصورة مستقلة، ويعاد اختراعها حيثما وجدت الظروف الملائمة… فإن وجود ظروف ملائمة معينة قد ساعد دائمًا على الاتجاه نحو ظهور حكومة ديمقراطية».

ما يمكن أن نستشفه من مقولة دال هذه، هو أن الديمقراطية لا يمكن إجمالًا اعتبارها وصفة جاهزة لكل الشعوب أو المجتمعات أو الدول، فكل مجتمع له خصوصيته الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية لذلك برز في الأفق مفهومان رئيسيان للديمقراطية، يرتبط الأول بالنزعة الفردية في شكل الديمقراطية الليبيرالية، بينما يتأثر الثاني بالنظرة الماركسية في إطار الديمقراطية الاشتراكية، ولهذا السبب اتجه كل تيار إلى بلورة أشكال تعبر عن خيارات يختلط فيها المعطى الخصوصي بالمبادئ الكونية محاولًا التأثير في الديمقراطية في شكل الوعي بها أحيانًا والتحايل عليها أحيانًا أخرى.

إن الانقطاع الذي بدا في العلاقة بين تدبير السلطة والديمقراطية، أفسد الحياة السياسية، وكرس فكرة الاستيلاء على السلطة وشخصنتها بدل اقتسامها وتوزيعها، بل إن الاحتكار السياسي على الحكم والحقل العمومي، أفرز ظاهرة النظم السلطوية التي لا شغل لها سوى تهميش المؤسسات والقوى الاجتماعية وكل عملية تتجه نحو المأسسة القانونية والعقلانية، ثم توظيف النخب المتسلطة والبيروقراطية العسكرية، فأمام هذه المظاهر التي أفرزت لنا أنظمة أقل ما يمكن القول عنها إنها أنظمة استبدادية، طرحت أسئلة جديدة تتعلق بإيقاف مسلسل الفساد نحو إصلاح سياسي يدخلنا إلى فضاء الديمقراطية.

بفعل ذلك، أصبحت المبادئ الخمس للنظام الديمقراطي وهي: إقرار حقوق الإنسان، إقرار النظام الدستوري للممارسة السلطة، إقامة الحياة السياسية على مقتضى التعددية السياسية، وإقرار النظام التمثيلي والنيابي، ثم فتح المجال السياسي أمام إمكانية التداول السياسي على السلطة؛ الأدوات الأساسية لإضفاء الشرعية على كل إصلاح سياسي، فدائمًا يبدو التقابل بين هذا الأخير والنظام الديمقراطي ثابتًا يقوم على عملية تفترض تغيرًا في طبيعة النظام، هذا التغير يندرج في إطار الخروج من نظام حكم غير ديمقراطي والتوجه نحو نظام حكم ديمقراطي.

إن التفكير في موضوع الانتقال الديمقراطي، اختيار سياسي بالدرجة الأولى، يحدث عبر ثلاثة أنماط أساسية: الأول، يتم من أعلى هرم السلطة، والذي تقوده النخبة الحاكمة، أو على الأقل الجناح الإصلاحي فيها، والذي تعدُّ تكلفة الانفتاح والتحول الديمقراطي فيه أقلَّ من تكلفة الاستمرار في الممارسات التسلطية، كما وقع في (إسبانيا والبرازيل…).

الثاني، يأتي من أسفل المجتمع نتيجة تكثيف الضغوط على النظام الحاكم، من خلال التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي تشارك فيها قوى المعارضة الديمقراطية وتقودها، بحيث تجبر النظام في نهاية المطاف على تقديم تنازلات تفتح الطريق للانتقال الديمقراطي على سبيل المثال (الفلبين والمكسيك…).

الثالث، ينبثق من التفاوض بين النخبة الحاكمة، وقوى المعارضة، وفعاليات المجتمع المدني؛ لوجود نوع من التوازن النسبي في ميزان القوى بين الطرفين، أي ما يعرف بالانتقال الوسيط كما حدث في (جنوب أفريقيا وبولونيا…).

لا جدال إذن، في وجود صعوبات جمَّة أمام الأنماط السالف ذكرها، خاصة في الدول العربية، فبالنسبة للنمط الأول يصعب إيجاد جناح إصلاحي في مناخ لا يؤمن بالتوافق والتراضي كصيغ تتيح المجال للمشاركة والتنازل ولو بجزء بسيط، الأمر نفسه بالنسبة للنمط الثاني، ففي ظل وجود شرعيات عصبوية – القبيلة، العشائرية، والطائفية، على سبيل المثال العراق، لبنان، سوريا…- فإن الآفاق نحو توحيد المطالب وتعبيد الطريق نحو التحول الديمقراطي، تحول بينه عوائق لا تتيح الإمكانية لذلك، خاصة عندما نصطدم بعقليات لا تستوعب مبادئ الحوار – والبحث عن نقط الاشتراك – في صيغه المنفتحة والمركبة بعيدًا عن كل أشكال العنف والتسلط، وهذا ما نجده غي الأغلب الأعم من الدول العربية. فيما يبقى النمط الثالث هو الأيسر لعملية الانتقال الديمقراطي، إذ يستوجب بأن يكون محط توافق اجتماعي حتى يصير ممكنًا.

تسمح لنا هذه الوقفة البسيطة مع عملية الانتقال الديمقراطي الختم مع المفكر محمد عابد الجابري عندما تحدث عن عملية الانتقال الديمقراطي في مقال له «الانتقال إلى الديمقراطية: أسئلة وآفاق»؛ إذ في غياب تحديد الإجابة عن الأسئلة الجوهرية حسبه (من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟)، يصعب
إقامة نظام ديمقراطي، لأن مبنى هذا الأخير يراد منه التخلص من الطغيان (من أين؟)، بواسطة تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية (تجاوز الفقر والبطالة والإثراء الفاحش…) والعدالة السياسية (التصفية الشبه الكاملة مع ملف حقوق الإنسان، إقرار الحريات العامة، التناوب…)(كيف؟)، فالحسم مع العنصرين التاليين حتمًا ينتج الإجابة عن سؤال (إلى أين؟) تحت عنوان في أن الديمقراطية هي الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد