أزمة التحول الديموقراطي الجزائري: بين رهانات الحراك وحسابات الجيش

ثالثًا: الإصلاح الدستوري في سياق التنازع السياسي: خطوة أخرى نحو الفراغ

سيحاول الرئيس المنتخب، عبد المجيد تبون، التقرب من الحراك واحتواء مطالبه بعيد اعتلائه السلطة؛ إذ اعتبر أن مهمته الأساسية تكمن في إنجاز التغيير السياسي الذي خرج الحراك من أجله، فأطلق ورش الإصلاح الدستوري، ووعد بأن يجعل منه مدخلًا أساسيًّا لبناء النظام السياسي الديمقراطي الذي ينشده الحراك وكل القوى الديمقراطية بالبلاد.

وقد اشتمل هذا الدستور العديد من التعديلات المهمة من قبيل:

إلزام الرئيس بتعيين الحكومة من الأغلبية الفائزة في الانتخابات، وتغيير اسم الوزير الأول إلى رئيس الحكومة.

تحديد مدة البقاء في السلطة لولايتين رئاسيتين متتاليتين فقط.

تقييد إعلان حالة الطوارئ والحصار والحالة الاستثنائية

تعزيز رقابة البرلمان على الحكومة عبر استجوابها في أي مسألة وإلزامها بتقديم المعلومات المطلوبة وإمكانية سحب الثقة منها.

إقرار اللغة الأمازيغية لغة رسمية…إلخ، ورغم ذلك فإن المعارضة الحزبية بشقيها الإسلامي والعلماني عبرت عن موقف سلبي تجاه هذا الدستور معتبرة أن الهندسة الدستورية الجديدة حافظت على النظام الرئاسي الذي يسمح بتغول رئيس الدولة على باقي المؤسسات السياسية في البلاد نظرًا لصلاحياته الواسعة وعدم خضوعه للمحاسبة البرلمانية، على عكس النظام البرلماني الذي كانت تطالب به، والذي يعطي صلاحيات للبرلمان (مثل الشعب) في مراقبة عمل الحكومة وإقالتها إذا اقتضت الضرورة، فيما ركز الإسلاميون في معارضتهم لنصوص الدستور على مسألة الهوية الإسلامية للدولة.[1]

بينما ظل موقف الحراك من الإصلاح الدستوري منسجمًا مع منطقه الثوري الرافض لمنهجية تدبير مسار التغيير السياسي منذ بدايته، وجدد رفضه لجميع مخرجات هذا المسار بما في ذلك الانتخابات والدستور، فاللعب على ورقة الإصلاح الدستوري ليس إلا المناورة الأخيرة للنظام الحاكم من أجل تثبيت دعائمه، معززة طرحها بكون لجنة صياغة الدستور قد عينها الرئيس تبون المدعوم من الجيش، كما أن هذا الدستور لم يتجاوب مع مطالب الحراك لأن الجنة صياغة الدستور «لم تستشر الطبقة لسياسية والمجتمع المدني في وضع مسودة الدستور»[2]. فتواصلت الاحتجاجات في مدن البلاد، ورفعت لافتات كتب عليها «نريد دولة مدنية لا عسكرية»[3] كما عبرت العديد من القوى السياسية من العلمانيين والإسلاميين مقاطعتها للاستفتاء الدستوري، ومع ذلك مضت السلطة الجزائرية الجديدة نحو تنفيذ أجندتها دون اكتراث لأصوات الحراك الشعبي الذي أراد قطيعة حقيقية مع النظام السابق، ولم تتمكن السلطة من إيقاف الحراك إلا بعد فرضها لإجراءات العزل العام بسبب انتشار وباء كوفيد-19. حيث ساعدتها هذه الإجراءات على منع التظاهرات وتجمع معارضي الدستور وبالمقابل سمحت للمؤيدين بالقيام بحملة دعائية للدستور.

لقد امتثل ناشطو الحراك لإجراءات العزل الصحي والتزموا بها، وانتظروا يوم الاقتراع ليعبروا عن موقفهم السياسي سلميًّا، فالاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور الذي راهنت عليه السلطة لترميم شعبية الرئيس ونسبة التصويت الضعيفة التي حصل عليها في الانتخابات وطي صفحة الاحتجاجات، خيب آمال النخبة الحاكمة وقضى على ما تبقى من شرعيتها الهشة. لقد شهد الدستور الجزائري نسبة مقاطعة قياسية وغير مسبوقة في البلاد؛ إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة النهائية 23.7% ما يعادل تصويت 5.5 مليون ناخب من أصل 23.5 مليون مسجل في الجزائر، كما لم تتعد نسبة المشاركة 11.5% و12.5 بالعاصمة الجزائر أما مدينتي بجاية وتيزي وزو الواقعتين بمنطقة القبائل الأمازيغية فقد شهدت شبه عزوف تام عن التصويت، رغم اعتراف الدستور بالأمازيغية لغة رسمية للبلاد.

رابعًا: قراءة في الأبعاد السياسية لأزمة الاستفتاء الدستوري

لقد بين هذا الاستفتاء بهذه المشاركة الشعبية المتدنية أن استراتيجية «الإصلاح تحت السيطرة» التي اعتمدها الجيش قد وصلت إلى الباب السدود، وبرهن أيضًا أن الشروط السياسية والاجتماعية التي أنتجت الحراك ما زالت قائمة، لا سيما وأن هذه المقاطعة في السياق السياسي الجزائري الحالي لها طابع خاص؛ إذ يستحيل أخلاقيًّا وسياسيًّا الانتقال من نظام سياسي إلى آخر في ظل غياب الشرعية الدستورية، لأن الدستور له أهمية كبرى في مسار التطور المؤسساتي و الديمقراطي للدول، نظرًا لدوره في تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعيين بوصفه ترجمة قانونية وتجسيدًا سياسيًّا للاتفاق بين القوى السياسية حول المبادئ الأيديولوجية الكبرى والحقوق والحريات وشكل نظام الحكم، فالمقاطعة الشعبية الواسعة حولت هذا الدستور إلى دستور أقلية، يعبر عن تعاقدات فوقية لنخب معزولة عن المجتمع. فكيف سيتقبل المجتمع الخضوع لقواعده والتمتع بالحقوق التي ينص عليها والأغلبية لا تعبأ به؟

هذا الاستفتاء وضع الطبقة الحاكمة وجهًا لوجه أمام أزمة المشروعية السياسية للنظام الحاكم وللمسار السياسي الذي قطعته الجزائر برمته، خاصة أن الاستفتاءات الشعبية في تجارب التحول السياسي تعد بمثابة تصويت على شرعية النظام السياسي الجديد. وإن دل هذا فإنما يدل على فشل الطبقة الحاكمة في مواكبة وإدراك حقيقة التحولات السياسية والاجتماعية والديموغرافية التي تعرفها البلاد، وعجز النظام السياسي في توسيع دائرة تحالفاته السياسية واحتواء القوى السياسية والاجتماعية الصاعدة.

لقد بات اليوم للحراك حاضنته الاجتماعية، وصار يتوفر على سند شعبي يدعم موقفه الرافض لشكل النظام السياسي وشرعيته، ورغم ما ينطوي عليه هذا الوضع السياسي من تهديد للسلم الاجتماعي بالبلاد، فإن النظام الحاكم بالجزائر اختار المضي في هذا المسار السياسي الذي لم تحفل به أصلًا قوى المجتمع الجزائري، ناهجًا سياسة النعامة ودفن رأسه في التراب، محاولًا عبر ماكيناته الإعلامية إخفاء المضمون السياسي الخطير لهذا العزوف عبر إيجاد بعض التبريرات المتهافتة، مثل تفسير العزوف الشعبي بالظروف الوبائية غير المشجعة، أو غياب الرئيس عن المشهد بسبب المرض، وغير ذلك من التفسيرات الواهية، وراح يستكمل مسطرة إقرار الدستور حيث أقرت المحكمة الدستورية خلال الأسبوع المنصرم مشروع التعديل الدستوري.


[1] ونخص بالذكر حركة حمس الإسلامية التي اعتبرت أن الدستور يكرس علمانية المدرسة والمسجد ويهدد الحياة الأسرية الخاصة، وأيضًا حزب العدالة والتنمية القوة السياسية الإسلامية الثانية التي اعتبرت على لسان رئيسها عبد الله جاب أن مبادئ الدستور يؤسس للقيم العلمانية، ويسبب ضررًا كبيرًا لعقيدة الجزائريين.راجع مقال إخباري بعنوان تمثيلية وعلماني.. الدستور الجزائري يواجه معارضة مزدوجة.

[2] تصريح المحامي مصطفى بوشاشي أحد رموز الحراك. انظر مقالًا بعنوان أصوات جزائرية رافضة لدستور تبون.. والسلطة تمضي بعيدًا.

[3] مقال صحفي بعنوان دولة مدنية لا مسرحية عسكرية جزائريون يرفضون دعوة تبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد