تعيش البلاد التونسية تحركات ليلية احتجاجية في العديد من الأحياء الشعبية رغم حضر التجول المنصوص عليه من قبل الحكومة التونسية، وجاءت هذه الاحتجاجات ردًا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب التي تشهده البلاد منذ مدة، تزامنًا مع ذكرى الثورة الشعبية بتاريخ 14 يناير 2011 التي مرت عليها 10 سنوات بالكمال والتمام.

وأسفرت هذه الاحتجاجات على مواجهات عنيفة مع عناصر الأمن وإيقافات بالجملة في صفوف المحتجين، مما ساهم في تنامي الأبواق الإعلامية والجمعياتية المتحدثة في هذا الشأن من مختلف الزوايا، أهمها السياسية، وتباينت البيانات المنددة للتحركات والمساندة له من قبل الأحزاب الحاكمة والمتلاشية كذلك من طرف المنظمات الوطنية الاجتماعية، وفي غمار السياق المتصاعد في وضع صحي صعب تشهده البلاد جراء الكورونا تنساب بين المؤسسات الوطنية الرسمية والطبقات الشعبية الثائرة مجموعة من التبلورات الجديدة، التي لها دلالات في علاقة بالانتقال الديمقراطي الحر والمشروعية الشعبية في التعاطي مع الواقع المادي بأشكال الصدام والتغيير، هذا ما يجعلنا نتحدث عن الجدل التونسي الجديد، ورهانات الفعل الجماهيري ما بعد 10 سنوات من الثورة.

الانتقال السلمي للسلطة من أشكال الديمقراطية وهي إجراءات يحددها القانون والأعراف المتناول بها في كافة البلدان التي تشهد انتخابات حرة ونزيهة، وقد شكل الشعب التونسي هذا المسار من خلال التجليات الحزبية الشعبية التي استقطبت الشباب والكهول والنساء من مختلف التوجهات والجهات وفق تنظيم هيكلي واسع ومتفرع، ومثلت الأيديولوجيا والرغبة في التغيير في أعين المغيرين محور جدل العائلات الفكرية في إرساء منظومة حكم تقوم على مبادئ المرجعية سوى كانت إسلامية المتمثلة في حزب حركة النهضة، أو يسارية ونعني الأحزاب اليسارية التونسية أو العلمانية والليبرالية كالحزب الجمهوري ونداء تونس وغيره من الأحزاب. وهذا طموح شرعي ونفعي إذا تبلور في الإطار الديمقراطي المتأسس في العشرية الأولى من الثورة التونسية.

فالثورة حملت شعارات التغيير من حرية وعدالة وكرامة التي لها رمزيات متفرعة في منظومة الفعل السياسي الجديد والمشروع الديمقراطي، إلا أن الوضع الإقليمي في المنطقة ساهم سلبا في تكريس الاستقرار الداخلي للبلاد من خلال تفشي ظاهرة الإرهاب والعنف وارتفاع سيط التحركات الأصولية داخل الإقليم والبلاد، مما جعل الأحزاب التونسية أمام رهان التصدي والإنجاز، وانطلقت عفوية الفعل الثوري داخل مؤسسات الدولة والإدارة لتنساق تدريجيًا، فالشارع التونسي لتسريع من تحقيق المطالب التي رفعت وإيمانا بفكرة المشروعية، إلا أن هذه الفكرة كانت لها تداعيات سلبية خانقة جعلت من سؤال الثورة مقتصر على سياقات الهوية والحداثة والرجعية، فالمألوف في تاريخ النهضات أن اليقظة العقلية تسبق دائمًا النشاط السياسي على حد عبارة محمد الغزالي، إلا أن النشاط السياسي في تونس بقي في أطر فك الاعتراف والمحافظة على التواجد، وهذا أربك النهضة السياسية والديمقراطية وأنهك اليقظة العقلية، ليتشكل اليومي السياسي الوطني بين الاحتجاج وتغيير الحكومة والتشغيل وتماسك الدولة.

وكما نعلم أن حركة التاريخ دائمًا ما تنصف أطرافًا وتقصي أطرافًا، فالساحة السياسية التونسية أنهكت الأحزاب مما أدى إلى اندثار وتأزم وتلاش وأسست القوى الجديدة بعناية شعبية ورغبة في مواصلة تحقيق أهداف الثورة، إلا أن الإرباك الحاصل هو السقوط في مربع التجاذبات الحزبية من اختلاف زوايا التسلط نحو الرغبة في الإقصاء، جعلت الثورات المضادة متشكلة، وهذا مسموح في الثورات بحسب عبارة ليون تروتسكي، أن الثورات كانت عبر التاريخ مشبوعة دائمًا بثورات مضادة، ودائمًا تعيد الثورات المضادة المجتمع إلى الوراء، وحقيقة عاد المجتمع التونسي إلى اضطراباته اليومية بين ثنائية فشل منظومة الحكم والبؤس الاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد