إن تسارع الأحداث بعد دخول الحراك الشعبي في الجزائر شهره الثالث، ودعوة قائد هيئة الأركان لضرورة الذهاب لحوار وطني، كخطوة أولى للانتقال الديمقراطي، هذا الانتقال الذي طالب به الشعب الجزائري في مسيراته السلمية على مدى 14 أسبوعًا.

إن المتتبع لوسائل الإعلام التي غطت الحراك سيلاحظ إجماعها على أمرين، أولّهما هو سلمية الشعب في مطالبه، حيث لم تسجل انزلاقات ذات بال أثناء الاحتجاجات على مدى أكثر من تسعين يوما، الأمر الثاني مدى النضج والوعي السياسي للشعب الجزائري، هذا الوعي الذي تمظهر من خلال الشعارات المرفوعة، وهنا يجب أن نضع علامات استفهام حول هذا الوعي السياسي، أهو وعي فعلي واقع ناتج عن ممارسة وفهم عميق للسياسة أم هو مجرد كلام موجه للاستهلاك الإعلامي وللتشجيع.

ما المقصود بالانتقال أو التحول الديمقراطي؟

يعتبر مصطلح الديمقراطية أكثر مصطلحات السياسة استعمالا في وسائل الإعلام وفي الخطابات السياسية، وعادة ما يستعمل هذا المصطلح في سياق دعائي في الكثير من الدول، أما من حيث الالتزام به كمبدأ سياسي فإن الدول تختلف اختلافًا واسعًا بين دول تعتبر ديمقراطيات راسخة حيث تجذرت الممارسات الديمقراطية فيها، وبين دول ليس لها حظ كبير في هذا المجال وثالثة هي بين الحالتين إذ تعيش مخاضًا للتحول من النموذج غير الديمقراطي ومحاولة محاكاة النموذج الأول والتماهي معه.

التحول الديمقراطي

يعتبر مفهوم التحول الديمقراطي مفهومًا سياسيًا حديثًا، حيث لم يستعمل في ميدان الفكر السياسي إلا في ثمانينات القرن العشرين: بحيث يعبر عن كيفية جديدة لوعي المجال السياسي وأسلوب جديد لممارسة السياسة والسعي إلى السلطة، والتحول الديمقراطي ثورة بمفهوم جديد، فهو ثورة تقطع صلتها باستراتيجية الثورة بمفهومها الأول.

ونلاحظ أنه غالبًا ما تستخدم في سياق التعبير عن هذه الظاهرة العديد من المصطلحات وفي بعض الأحيان بشكل مترادف مثل: الإصلاح السياسي، والتحول الديمقراطي، الانتقال الديمقراطي، والدمقرطة، للدلالة على عملية الانتقال نحو الديمقراطية أو التحول عن النظامي السلطوي إلى حكم شعبي وديمقراطي، وهي العملية التي تقتضي إصلاحًا أو تحولًا في بنية النظام السياسي القائم وما يتطلبه من بناء ديمقراطي حقيقي.

وباختصار يرى المختصون أنه يقصد بالتحول الديمقراطي سيمولوجيًا (دلالة اللفظ) المرحلة الانتقالية بين نظام غير ديمقراطي ونظام ديمقراطي، فالنظام السياسي الذي يشهد تحولًا ديمقراطيًا يمر بمرحلة انتقالية بين نظام غير ديمقراطي اتجاه نظام ديمقراطي بحيث يكون التحول الديمقراطي عبارة عن مجموعة من المراحل المتميزة تبدأ بزوال النظم السلطوية يتبعها ظهور ديمقراطيات حديثة تسعى لترسيخ نظمها.

معوقات الانتقال الديمقراطي

يعتقد الباحثون في العلوم السياسية والسوسيولوجيا أن الدولة في أثناء مرحلة انتقالها إلى الحكم الديمقراطي قد تعاني من عوائق وعراقيل سواء على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، حيث إن هناك أسبابا عديدة يمكن أن تحول دون حدوث تحولات ديمقراطية حقيقية يمكن أن نوجزها في النقاط التالية

معوقات سوسيو-ثقافية

ويتعلق الأمر هنا بالبنية الاجتماعية للمجتمع الجزائري على غرار بقية لمجتمعات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط فحسب مجموعة من الباحثين اهتموا بدراسة تأثير هذه البنية كمعوق للتحول الديمقراطي في هذه المنطقة كهشام شرابي ومحمد جابر الأنصاري وغيرهما لمنطق انقسامي يتمحور حول طغيان الولاء للقبيلة والعشيرة والطائفة حين أن الحكم الديمقراطي يتناسب مع منطق الدولة الحديثة والذي من أهم مميزاته انه منطق توحيدي تكاملي وليس منطقا انقساميًا.

فإذا كانت الانقسامات الاجتماعية قد تم تجاوزها في الدول الديمقراطية من خلال تأصيل مبدأ المواطنة فان طغيان الولاء القبلي والعشائري والطائفي للفرد في هذه المنطقة يحول حسب وجهة نظر هؤلاء الباحثين دون الانتشار السليم للقيم الليبرالية داخل هذه المجتمعات والتي تشكل الأيدولوجيا العامة للحكم الديمقراطي؛ لأنها ستؤسس لمنطق صراعي داخل هذه الدول من جهة ومن جهة أخرى تبدو مبررات دعائية قوية لاستمرار نزعة التسلط.

ولقد شاهدنا كيف استثمرت قوى الثورة المضادة في الجزائر عن طريق بعض السياسيين والإعلاميين والذباب الإلكتروني في تعزيز هذه النعرات واللعب على التفرقة بين مكونات الشعب على الأساس اللغوي والإثني لضرب الحراك وتقسيمه.

بل إن شعارات الحراك تنم عن لعب لهذه الانتماءات الأولية للقبيلة والطائفة دورها في الوعي السياسي، فما استعمال ألفاظ القرابة مثل «خاوة خاوة» للتدليل على علاقة بين مواطنين في دولة كان من المفروض أن تكون علاقتهما مبية على المواطنة والواجبات والحقوق، لا عن طريق تشبيهها بقرابة الدم تدل على أن أبعد ما نكون عن منطق الدولة الحديث.

معوقات اقتصادية

وهو يرتبط بمسألتين أساسيتين الأولى هي التي تشرح العلاقة بين احتكار السلطة واحتكار الثروة، بمعنى توضيح الارتباط والتوافق بين الطبقة الحاكمة والطبقة المالكة، كما هو في الجزائر حيث أن المال الفاسد عاث فسادًا في الحياة السياسية، بل إن آل بوتفليقة الذين يمثلون الطبقة الحاكمة خلال العشرين سنة المنصرمة هم من تحكموا في الاقتصاد وأعادوا صياغة الطبقة المالكة في الجزائر وفق ما يساير مصالحهم، هذا الأمر الذي سيؤثر سلبًا على التحول الديمقراطي الحقيقي والذي سيفضي إلى نوع من التوزيع العادل للثروة باعتباره قيمة ليبرالية أساسية، وهو ما يستدعي كسر قاعدة الارتباط تلك بين الطبقتين.

أما المسألة الثانية فتتعلق بتوظيف التحول الديمقراطي الشكلي للتغطية على فشل التجارب التنموية أي كعامل تنفيس للفئات المجتمعية المختلفة والتي كانت الهدف المباشر للآثار السلبية لفشل هذه التجارب وصفة التحولات الشكلية هنا ترتبط بالتخوف من تطور مسار فقدان التأييد الشعبي إلى انهيار الشرعية وبالتالي انهيار الاستقرار السياسي لهذه الأنظمة.

المعوق السياسي

على هذا المستوى يمكن حصر معوقات التحول الديمقراطي حسب الدراسات إلى ثلاثة عوامل أساسية:

العامل الأول يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمعارضة والذي لفت الانتباه إلى هذا العامل هو عالم السياسة الأمريكي وليام زارتمان الذي يرى أن العلاقة بين السلطة والمعارضة في منطقتنا هي علاقة شاذة أو ما سماه هو المعارضة كدعامة للدولة حيث تظهر كل من المعارضة والسلطة ليس في أدوار تنافسية تتيح المجال للتناوب على السلطة ولكنها علاقة تكاملية حيث يؤدي كل منهما دورا معينا داخل نظام الحكم يضمن له الاستقرار: استقرار السلطة في موقعها واستمرار المعارضة في موقعها.

العامل الثاني هو أولوية بناء الدولة على حساب المارسة الديمقراطية ويعود ذلك إلى الفترة اللاحقة المباشرة لاستقلال لدول المنطقة حيث تم الربط بين قوة الدولة وبين نجاح مسار بناءها وقد فسرت قوة الدولة بضرورة بسط الهيمنة على جميع المؤسسات المجتمعية وتطبيق فكر أحادي في إدارة الدولة والمجتمع.

العامل الثالث: فيتعلق بالخوف من تأثر الطابع العلماني للدولة أي ذلك الخوف المزعوم من استفلال الحركات الإسلامية للآليات الإجرائية للحكم الديمقراطي في الوصول إلى السلطة، ثم الانقلاب عليه نتيجة لعدم الاقتناع بالأسس الفكرية له والتي تتمحور حول مفهوم العلمانية كما حدث في التجربة الجزائرية مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

من الملاحظ أن النظام الجزائري ومنذ تأسيسه بعد الاستقلال تعتبر نظام توازنات، فبالتتبع التاريخي لممارسة السلطة نجد أن الطبيعة التوازنية لهذه السلطة والتي تعتبر صفة بنيوية داخلها قد ترسخت كحقيقة تاريخية، حيث تعود جذورها للصراع السياسي الذي شهدته ثورة التحرير الجزائرية، أن هذه الصفة المميزة لسلطة الحكم في الجزائري التي تحول دون حدوث تحول ديمقراطي، حيث يمارس فعل المعارضة داخل مجال السلطة نفسها مع وجود ديناميكية تسطيع إعادة إنتاج هذه الطبيعة التوازنية مع تطور نظام الحكم الجزائري، لذا فالانتقال الديمقراطي يحتم علينا مراجعة الخارطة السياسية في الجزائر وإعادة ترتيبها وتوضيح الأدوار للأحزاب المعارضة الحقيقية، وإرساء قواعد دولة المواطنة التي ستذيب تدريجيًا أسباب الخلاف الاجتماعي والثقافي وفق قواعد العدل وبحماية من القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد