لعلنا نستهل المقال بذلك السؤال التقليدي على شاشات القنوات الرياضية – وقد لا يكون هذا الوقت المُناسب لإعلان كُرهي لها لكن ها أنا أفعل – نعود للسؤال المُحير الذي نسمعه كُل يوم وكُل ساعة:

لماذا لا تصل منتخباتنا الوطنية – إن كانت وطنية – لكرة القدم لكأس العالم؟! ولو وصلنا لماذا لا نفوز أبدًا وحتى لا نحلُم بهذا!

ولا أعتقد أن السبب هُنا يعود إلى فشل مدرب ما أو فشل إدارة فقد تم تغييرهم في مصر أكثر مما غيرنا رؤساء الجمهورية في السنوات الست الأخيرة. والنتيجة تظل «صفرًا» مع الجميع.

الإجابة الأولى التي قفزت إلى ذهني آنذاك هو ضعف القدرة الرياضية عند شباب المجتمعات العربية، لعله أمرٌ چيني أو ناتج من نواتج الأطعمة المُسرطنة التي نتناولها يوميًا، وبقدر سرعة قفز هذه الإجابة إلى ذهني كانت سرعة نفيها، ففي معظم الأوليمبياد يكون لنا نصيب في بعض الميداليات البرونزية والفضية وحتى الذهبية، وأبطال هذه الجوائز لديهم نفس الچينات ويأكلون نفس أنواع المواد المُسرطنة! إذًا فما الإجابة؟!

وبعد النظر قد وُجد أن كُل الميداليات التي نقتنيها يجمعها عاملٌ مُشترك وحيد؛ كُلها ألعاب يكون الفائز فيها شخصًا واحدًا، وهدافًا واحدًا، وبطلًا واحدًا، كلها رياضات «فردية» وهذه الكلمة هي كلمة السر التي دفعت لكتابة هذا المقال. الآن يُمكن أن نُغير السؤال قليلًا ليكون: لماذا لا ننجح إلّا في الألعاب الفردية؟!

ويقودنا ذلك الاستفهام إلى المُشكلة الأكبر في مجتمعاتنا العربية المُعاصرة وهي مشكلة الفردية والذاتية. هذه المشكلة – أو قُل المُصيبة – تُحيلنا لعَمل جولة تَفقُدية داخل بيوتنا لنستقصي أحوال التربية هُناك وطُرقها، الطرق التي اعتمدت في الأساس على تنمية نزعة الذاتية عند الطفل الذي يجب أن يكون الأول على جميع أقرانه في الدراسة، والسباحة، والتايكوندو، والرسم، وكُل شيء، وأي شيء. وإن كان الطفل بشريًاعاديًا يُجيد أشياء ولا يُجيد أخرى فهو بكل تأكيد فاشل و(موكوس) وابن الجيران (أشطر) منك! فيكبُر صاحبنا بين أمرين لا ثالث لهما، إما تتحطم بداخله كُل ثقته بنفسه، أو ينمو مُتكبرًا مُباهيًا بإنجازات ورقية.

تعلمنا منذ الصِغر أن النجاح يعني – فقط – المركز الأول! تعلمنا أن نجاح الآخرين فشلٌ لنا، وأننا لا يُمكن أن ننجح إلّا عندما يفشل الجميع. فأُمي لن ترضى عني إلا إذا تفوقت على الجميع – بأي وسيلة كانت -. لا يُعلمون الأطفال أن هُناك مفهومًا آخر للنجاح وهو أن نتفوق جميعًا، أن ننجح معًا.

لا أدعي هُنا أن التنافس أمر سيء، بل هو واحدٌ من أكبر دوافع النجاح. لكني ألوم وألوم بشدة المُغالين فيه فتشعر أنهم حولوا الأمر بين ولدهم وبقية أقرانه لحربٍ ضروس، حرب حياةٍ أو موتٍ. يكبُر ذلك الطفل حتى يصل لسن الشباب ويدخُل الجامعة وهو لا يعلم شيئًا عن ذلك المُصطلح العجيب الغريب المَدعو «العَمل الجماعي» وتنتشر نزعة «وأنا مالي» وشبيهاتها، وقد تجده يزعُم الاجتماعية ولكن دائمًا ما تجده يهرب من أعباء العمل مع مجموعة فتراه يؤمن أن الجماعات للهو واللعب، أما الأعمال المُهمة فيجب أن أقوم بها وحدي فأنجح وحيدًا أو أفشل وحيدًا. فتجد ذلك الشخص المُتمتع بقدر كبير من الذاتية إما معدوم الثقة بالنفس أو مُتكبرًا.

وإن كان الأمر – أقصد الذاتية – مرضًا يصيب الأشخاص فهو من أخبث الأورام السرطانية التي قد تُصيب المجتمعات؛ فتُصبح الروح المُسيطرة هي روح التفرقة، حَيثُ اللُحمة الجسدية الزائفة الخالية من أي روح. ماذا لو تجمع أمهر عازفي العالم على مسرحٍ واحد ثم قرر كل منهم أن يعزف لحنًا منفردًا عن الباقين؟! هل سينتُج من ذلك عملٌ فني! ماذا لو قررت كُل كلمة في هذه (ل ق م ا ل) أن تَكون وحدها دون ترتيب أو تنسيق مع ما يليها وما يسبقها، هل ستفهم ما يُكتب؟! فلا تنس يا عزيزي أن العضو الصالح إذا ما كان مُستقلًا بذاته فهو يُفسد المجتمع.

ولمّا كانت شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد هي أحد أهم شروط بناء المجتمعات واستمرارها – عند علماء الاجتماع -، فإن الفردية تُدمر قلب المجتمعات وتجعل منه خلايا منفردة منعدمة الوحدة والتشابك. تُقرر كُل لَبنة أن تنفرد بذاتها فيتهدم ذلك البناء الذي كان يجب أن يكون مرصوصًا، البناء الذي يثور كُله إذا ما صاح فيه الجُزء ويتألم الجميع إذا صرخ البعض، والتاريخ خيرُ شاهدٍ على كُل تِلك الإمبراطوريات التي امتدت من أقصى إلى أقصى عندما ساد الاتحاد، كما هو الشاهد أيضًا على سقوطها واضمحلالها – كما هو الشاهد علينا – لمّا سلمنا أنفسنا لشياطين التفرقة والفردية.

وإن كنا في مجتمعٍ لا تستطيع فيه مجموعة قليلة من الأفراد العمل معًا، فلا نتعجب إذا لم يتحد العرب جميعًا الآن تحت راية واحدة، فالأصل في اجتماع الناس لم يكن أبدًا اللغة – على أهميتها – كما أنه ليس الدين بفهمنا الضيق له. فالدين الذي نعرفه هو الذي يحث على الاختلاف البنّاء المُجمع دون خلافٍ مُفرق. الدين الذي علمنا أن نتشابك في صلاتنا كتفًا إلى كتف فالشيطان – شيطان الإنس والجن – يتخلل الثغرات ويُحسن استخدام الصدوع إذا ما شققناها له. الدين الذي (جمّع) المسلمين في دار الأرقم ثم – بعد ذلك – في المسجد في إشارةٍ واضحة أن الخطوة الأولى والأخيرة في بناء الدولة الإسلامية هي تهيئة البيئة الصالحة التي تُعين الصالح وتجعله مُصلحًا يقومُ المُخطئ ليهدي الله به غيره فتصل سفينتنا إلى بر الأمان. فما أبعدنا الآن عن ذلك المفهوم!

وبعد كُل هذا يسهُل علينا جواب أسئلة أهم شأنًا من تلك التي تتعلق بكأس العالم! الآن قد عرفنا لماذا القدس مُحتلة والعرب شرذمة والمسلمون يُشردون في بلادهم قبل بلاد الغير. الآن عرفنا لماذا تفرقنا وتوحد غيرنا! ولا مناص من أن نظل هكذا إلّا أخذنا بأسباب الوحدة وأسباب النصر، إلّا أعدنا بناء البيئة الصالحة، إلا تعلمنا صحيح الدين، إلا تعلمنا العمل في جماعات، إلا علمنا أولادنا التنافس لا القتال، والاختلاف لا الخلاف، إلا تعلمنا وقوّمنا، إلّا جاهدنا واجتهدنا، وابدأ بنفسك ثم عائلتك وذويك حتى تنمو بذرتك التي رويتها شجرةً عظيمة يستظل بها العالم أجمع. أنت رسول الخير، فكُن على قدر الرسالة.

ولعلنا نذكر ذلك الصحابي الذي جاء لرسول الله يستشيره، يا رسول الله إنّا نأكل ولا نشبع فسأله لعلكم تأكلون متفرقين! فأجاب: نعم، فقال – صلى الله عليه وسلم – «فاجتمعوا على طعامكم يبارك الله لكم فيه». وما كان لي في نهاية المقال إلّا أن أُكرر نصيحة سيد الخلق: اجتمعوا على أمركم، يبارك الله لكم فيه، يبارك الله لكم فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المهدوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد