يونيو عام 2000، وفاة رئيس ونشأة أول جمهورية حاكمة في تاريخ العالم العربي، مات حافظ الأسد بعدما حكم سوريا ثلاثة عقود، وبعد أيام قليلة من الجنازة، تم تعديل الدستور السوري ليتمكن ابنه طبيب العيون بشار ذو الأربعة والثلاثين عامًا من تولي الرئاسة، وحيث سنت سوريا هذه السنة، شعر آخرون برغبة شديدة في اتباعها، علي عبد الله صالح رئيس اليمن كان يجهز ابنه أحمد، وصدام حسين رئيس العراق كان يجهز ابنه عدي، ومعمر القذافي زعيم الجماهيرية الليبية كان يجهز ابنه سيف الإسلام، وبالنسبة لسوزان مبارك كان الأمر أشبه بالفكرة العبقرية، أن يكون الشخص المختار لخلف مبارك هو ابنها الأصغر جمال، الذي كان وقتها قد عاد نهائيًا من لندن.

وكأنه لم يكن يكفي المصريين انسداد الأفق السياسي وتبخر الآمال الاقتصادية، فزادهم النظام سببًا آخر بالتحضير لمشروع الوريث الجمهوري للحكم جمال مبارك، ودعم حاشية سياسية واقتصادية جديدة له، طمعًا في أشواق السلطة، إضافة إلى فساد رجال المال.

حصل جمال مبارك على بكالوريوس إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1984، ثم حصل على الماجستير قبل أن يصبح الأب رئيسًا، والتحق منذ العام 1987 بالعمل في فرع بنك أوف أمريكا Bank Of America في مصر، ثم انتقل للعمل مديرًا لفرع البنك نفسه في لندن، وأقام ما يقرب من خمس سنوات في بيت يملكه أحد رجال الأعمال من حاشية السلطان قابوس سلطان عمان في حي «كينجستون» في لندن.

في حوار صحفي سابق للرئيس السابق محمد حسني مبارك أجراه عام 1995 مع مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين ورئيس تحرير المصور في ذلك الوقت، سأل مكرم عن نية الرئيس لإقحام ولديه علاء وجمال في السياسة، فنفى مبارك ما أشيع عن ذلك، وقال «إن علاء وجمال مشغولان بالبيزنس»، وقال ما هو أوضح عن جمال مبارك بالذات، فقال «إنه يكسب كثيرًا من عمله في بنك أوف أمريكا، وأنه يشتري ديون مصر لصالح البنك»، وضرب مثلًا بدين مصري لصالح الصين اشتراه جمال مبارك، وقصة شراء الديون معروفة، وملخصها أن يقوم  وسيط أو بنك أو غيره بشراء الدين من صاحبه بنصف قيمته أو أقل، ثم يتسلم أصل الدين كاملًا من المدين، والمكسب هنا بعشرات الملايين وبمئاتها، والمدين هنا باعتراف الأب هو الدولة المصرية، والتي تورط مسئولوها في تسهيل مهمة جمال مبارك بشراء الديون، وفي كتابه «الثورة التائهة»، يروي الكاتب عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدتي الأهرام والشروق السابق عن صفقة شراء الوريث للقرض العسكري الصيني الذي كان أصله 200 مليون دولار، فقد سددت مصر من هذا القرض حوالي 30 مليونًا ثم توقفت مصر عن السداد، وكلف اللواء ف.ح. على رأس وفد من القوات الجوية بالتفاوض مع الجانب الصيني لإعادة جدولة القرض، وذلك من قبل رئيس الهيئة المالية للقوات المسلحة بتصديق من الفريق أحمد نصر قائد القوات الجوية وقتها، إلى جانب مهمة الوفد الأصلية التي كانت فنية عسكرية، وعندما وصل إلى بكين انضم إليهم الملحق العسكري المصري بطبيعة الحال، وفي جلسة مراجعة استعدادًا لمقابلة الوفد الصيني، ذكر رئيس الوفد المصري موضوع إعادة جدولة القرض فرد عليه الملحق العسكري «قرض إيه.. جيمي اشتراه»، وكان هذا موسم التجارة الرئاسية في ديون مصر، فقد سدد جمال وشركاؤه للصين مبلغًا أقل من مبلغ الدين الأصلي بكثير، ورحب به الصينيون من باب «خلاصة الحق»، ولكن جمال وفريقه تقاضوا المبلغ كاملًا من الخزانة المصرية في التو والساعة، أي أن أصل ثروة الابن مشكوك في مشروعيتها باعتراف الأب نفسه، وبهذا فإن جمال مبارك أسس بديون مصر أولى خطواته لثروته في لندن، بعد ذلك قام جمال مبارك بتأسيس شركة «ميد إنفستمنت» المسجلة في لندن، وبرأس مال قدره مائة مليون دولار، ولأن المنتفعين أرادوا أن يستفيدوا من جمال مبارك في مصر وليس في لندن، فقد استطاع بعضهم إقناع مبارك أن جمال لديه الخبرة الاقتصادية التي تجعله خبيرًا اقتصاديًا لا يشق له غبار وستستفيد منه مصر، وبالفعل عاد جمال مبارك إلى مصر عام 1997، وبدأ يمارس أعمال البيزنس ليزيد حجم التضخم الفلكي لثروته، فقد دخل أو أُدخل عنوة إلى مجالس إدارات بنوك أجنبية كبرى كالبنك العربي الأمريكي والبنك العربي الأفريقي، ثم كانت القفزة الكبرى بأن أصبح عضوًا في مجلس إدارة مجموعة هيرميس المالية الدولية، وبدأ جمال يحقق طموحه من خلال المشروع الذي قدم نفسه به إلى الشعب المصري وإلى الشباب، مشروع جمعية «شباب المستقبل» باعتباره الرئيس الشاب، بالرغم من أنه يبلغ من العمر ما يقرب من السابعة والأربعين، فتم وضع المشروع على رأس إمكانيات الدولة المصرية بجميع أجهزتها، لكن مشروع جمال مبارك لم يكتمل، ربما لأنه استوفى غرضه بتعريف الشعب به ليس إلا، وكانت الدرجة الأولى لجمال في سلم ارتقاء سدة الحكم هي انضمامه إلى الحزب الوطني الديمقراطي، الذي لم يكن وطنيًا ولا ديمقراطيًا، ومنذ البداية راح جمال يشق طريقه نحو السيطرة على الحزب، وبدأ الحديث عن الفكر الجديد، وانضم معه للحزب الملياردير أحمد عز الطبال السابق في فرقة «طيبة» الموسيقية، بالإضافة إلى طغمة من رجال الأعمال والوزراء أمثال محمود محيي الدين، ويوسف بطرس غالي، وإبراهيم كامل، ومحمد أبو العينين فيما بدا أنه غزو لرجال الأعمال وأصحاب الفكر الاقتصادي الحر أو اقتصاد السوق، وبعد أقل من سنتين وتحديدًا في 2002، أصبح المصرفي السابق جمال مبارك رئيسًا للجنة السياسات، وهي اللجنة التي ابتُدعت من العدم خصيصًا ليترأسها الوريث، والتي تولت رسم السياسات للحكومة، ومراجعة مشروعات القوانين التي تقترحها حكومة الحزب قبل إحالتها إلى البرلمان، وبالطبع صارت اللجنة الأقوى في الحزب، وبعد أن فرض النجل العبقري سيطرته على الحزب تولى أيضًا المسئولية في مكتب والده، فأصبح جمال هو واسطة العقد بين الرئيس والآخرين، وأصبح هو الرئيس الحقيقي لمصر من خلف الستار، ولم يتبق على أن يصبح الرئيس الفعلي سوى انتقال سلس للحكم من الأب للابن، لكن بقيت مشكلة، فالرئيس نفسه لم يصدر عنه ما يدل على رغبته في التنحي لصالح ابنه، وتعددت الأقوال حول نية مبارك الحقيقية بالنسبة لمسألة التوريث، فالكثيرون يرون أن مبارك يعمل بكل عزمه على توريث ابنه، بينما يرى المدافعون عنه أن التوريث لم يكن نية مبارك بل نية زوجته المسيطرة بشكل كبير على تصرفاته، لكن الأقرب للمنطق أن مبارك لم يمانع أن يرث ابنه رئاسته بل كان يتمنى ذلك وبشدة، إلا أن تصرفاته تشي بأنه ليس مستعدًا أن يحدث ذلك في حياته، وبحسب التعبير الدارج فإنه لم يكن يقبل لنفسه أن يرتدي «الجلابية البيضا» مثل موظفي المعاشات، لذا فهو يبدي من الإشارات ما يفيد معنى القبول، ويماطل ويراوغ ولا يقولها نعم صريحة أو لا قاطعة
بعد ظهور جمال بانتظام على الساحة السياسية المصرية، كان أول من طرح التساؤل المباشر على مبارك مباشرة هو القذافي، الذي كان يشغل باله الموضوع ذاته وقضية توريث حكم ليبيا لنجله، وجاء السؤال فجًّا لمبارك إذا كان هناك تفكير في التوريث على طريقة بشار الأسد، لكن مبارك استنكر، وفاجأ القذافي بالمقولة الشهيرة «مصر ليست سوريا»، في إشارة إلى أن ما حدث في سوريا مع بشار بعد وفاة حافظ الأسد غير قابل للتكرار في مصر، والنظام في مصر جمهوري، والنظام الجمهوري لا يعرف توريثًا للحكم، ثم كان بعدها أن الرئيس مبارك أعلن هذا الرأي على الملأ، كان لسان مبارك ينطق بتلك الكلمات وتصرفاته تنطق بالعكس تمامًا.

في يوم أسود في تاريخه، سقط مبارك مغشيًا عليه وهو يلقي حديثه أمام مجلس الشعب في نوفمبر 2003، وقطع التليفزيون المصري البث الحي، وتأجلت الجلسة قرابة ساعة في انتظار الاطمئنان على صحة الرئيس، لكن بعد فوات الأوان، في تلك اللحظة دار بخلد البعض أن يدخل رئيس مجلس الشعب ليعلن أن قضاء الله قد نفذ، ثم يتقدم عدد من نواب الحزب الوطني باقتراح بمبايعة الابن وفاءً للأب وتكريمًا له، لكن لم تمر دقائق حتى أعلن الأطباء أن مبارك بخير وأنه يستطيع خلال ربع ساعة أن يعود لإنهاء خطابه، لم يكن الخطاب بتلك الأهمية التي تستدعي أن يعود إليه مبارك، ولكن الأهمية كانت تكمن في صورته أمام الشعب الذي رآه وهو يسقط وينتظر أن يراه واقفًا على قدميه مرة أخرى، وإلا فالشائعات ستنطلق بلا رحمة
وبعد تلك الحادثة بستة أشهر وبالتحديد في يونيو من نفس العام، سافر مبارك إلى ميونخ في ألمانيا لإجراء جراحة في الظهر، وبينما كان مبارك يقضي فترة النقاهة في المستشفى في ألمانيا، راجت الشائعات في القاهرة بأنه مات أثناء إجراء العملية، لكنه صدم الجميع وعاد للقاهرة بعد أسابيع قليلة واقفًا على قدميه مرة أخرى، وبعد أيام من عودة مبارك إلى مصر، تظاهر بتمثيل دور الرجل القوي مرة أخرى، فقام بتغيير الحكومة، وضم للحكومة الجديدة وجوهًا جديدة وزراء معظمهم من رجال الأعمال وأعضاء من لجنة السياسات، وفي شوارع القاهرة سميت الحكومة بـ«حكومة جمال مبارك».

في بداية عام 2004 أجرى عمر بطيشة رئيس الإذاعة في ذلك الوقت، حديثًا بالتليفون مع الرئيس مبارك عن السنة الجديدة، وتصادف أن نشرت إحدى الصحف خبرًا عن شاب قبضت عليه الشرطة لضبطه وهو يكتب عبارة «لا للتوريث» على جدار بيته، وعندما عرف مبارك بذلك طلب الإفراج عنه وعدم التعرض له على أساس أن هذه حرية رأي، وأراد عمر بطيشة أن يعطي الرئيس فرصة التوسع في الحديث عن جانب حرية التعبير، فأشار إلى قصة الشاب لكنه وجد الرئيس يقول له في حدة «توريث إيه اللي بيقولوا عليه؟ إحنا نظام جمهوري ولا توريث للحكم في مصر، ولا يوجد أساسًا تفكير في هذا الموضوع، وكون إن حد يقول توريث فهذه شائعة ظهرت قام بتأليفها بعض الناس وصدقوها»، وفي اليوم التالي نشرت الصحف تصريحات الرئيس عن التوريث بالمانشيتات الكبيرة، وبعد هذا الحديث بشهر واحد وفي فبراير 2004 في قصر الإليزيه في باريس، سأل الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك مبارك عن ما يثار عن مسألة توريث الحكم في مصر، فأجاب مبارك أن كل ما يتردد في هذا الصدد إشاعات ينشرها بعض الصحفيين، وهدفها الإساءة إليه (أي مبارك)، بينما كل ما حدث أنه يستعين بابنه في إدارة مكتبه كما يفعل الرئيس شيراك نفسه مع ابنته، ووافق شيراك على هذا التفسير لأنه بالفعل يستعين بابنته «كلود»، واختارها فعلًا مساعدة له مختصة بالعلاقات العامة، ثم حدث بعد ذلك أن الرئيس جورج بوش الابن سأل مبارك في الموضوع ذاته، فرد مبارك ضاحكًا مبررًا بدون نفي «ألم يكن والدك رئيسًا ثم جئت أنت هنا بعده؟»، فأجاب بوش «إن هذا كان بالانتخاب الحر، وأن هناك فاصلًا مدته ثماني سنوات من إدارة كلينتون باعدت بين رئاسة الأب ورئاسة الابن»، فلم يرد مبارك، وفي حديث لمبارك مع أحمد الجار الله رئيس تحرير صحيفة السياسة الكويتية بعد تعديل المادة 76 في الدستور 2005 الذي جعل اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب بعد أن كان بالاستفتاء، قال مبارك «لقد أصبح بإمكان جمال أن يترشح أو لا يترشح وبالتالي لم تعد لدي حساسية من هذا الموضوع كونه يتعلق بالتوريث فابني سيترشح كأي مواطن».
في 2011 أتت ثورة يناير لتطيح بأحلام الوريث في الهواء وتلقي بمبارك الأب في السجون موصومًا بالخزي والعار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, سياسة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد