عزيزي المواطن المطحون المغلوب على أمره، صباحية مباركة.

التهنئة واجبة بعد ليلة الخميس المفترجة، التي اغتصب فيها الدولار عملتك المحلية الملقبة بالجنيه المصري عنوة وقهرًا بكل عنف وسادية، وبعد دقائق من عملية الاغتصاب المقننة، انهار دخلك الشهري ومدخراتك إلى أقل من نصف قيمتها، هنيئًا لك.

أعلم أن الضربة كانت قاسية، وجعلت بعضهم يفيق من غيبوبته، إلا أن الأغلبية ما يزالون يرزحون تحت نير المؤامرة الكونية التي يشنها الأعداء على مصر.

عزيزي المواطن المطحون المضحوك عليه، دعني أخبرك بالمفاجأة الكبرى، لا توجد مؤامرة على مصر إلا في خيالك المريض، ولا من أمريكا ولا من إسرائيل ولا من أي دولة أخرى.

أمريكا التي تتهمها ليل نهار في نقاشاتك الغبية أنها الشيطان الأكبر الذي يتآمر على مصر، هي في الحقيقة الحليف الإستراتيجي لمصر ولنظام السيسي الحالي، بل لنظام الإخوان المسلمين الذي سبقه، ولنظام حسني مبارك الذي سبق كلاهما، ولنظام السادات الذي سبقهم جميعًا، والولايات المتحدة الأمريكية هي المصدر الرئيسي لتسليح الجيش المصري من خلال برنامج المعونة الأمريكية، بداية من اتفاقية كامب ديفيد وحتى الآن، وكل قادة الجيش المصري قد أتموا دوراتهم التدريبية في أمريكا، بل إن وزير الدفاع المصري الحالي الفريق أول صدقي صبحي قد حصل على زمالة كلية الحرب العليا الأمريكية عام 2005، إلى جانب ثلاثة بعثات ودورة تدريبية من أمريكا، وحتى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي قد حصل على زمالة كلية الحرب العليا الأمريكية عام 2006.

أمريكا التي يتهمها إعلامك بأنها الداعم الأكبر للإرهاب، هي التي سلمت مصر في مايو الماضي عدد 762 مدرعة MRAP مضادة للألغام، ليتم استخدام هذه المركبات لمكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في المنطقة، ضمن فوائض الجيش الأمريكي إلى الدول الصديقة والحليفة، بل إن السيسي قد أكد، في مقابلة مع «تشارلي روز» بمحطة BBS الأمريكية، خلال زيارته الأخيرة لأمريكا في سبتمبر الماضي، على حرص مصر على العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، ودلل على حرصه على تلك العلاقات بأن سلم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، خلال اجتماعهما المشترك، قائمة بأسماء المفرج عنهم، سواء جنائيًّا أو بعفو رئاسي، لإبلاغ الإدارة الأمريكية بحرص مصر على بذل كافة الجهود في هذا الصدد، بل عاتب السيسي «روز» على أنه لا توجد تغطية إعلامية كافية لمثل هذه الجهود التي يبذلها نظامه.
أما إسرائيل العدو الكلاسيكي الأول لمصر، فالتعاون في السنوات الأخيرة بين مصر، وإسرائيل طبقـًا لصحيفة «وورلد تربيون» الأمريكية هو الأعلى مستوى منذ معاهدة السلام بينهما في عام 1979، خصوصًا فيما يتعلق بالعمليات التي تتم في شبه جزيرة سيناء المصرية، وأكد وزير الخارجية المصري الحالي سامح شكري أهمية استمرار التعاون الأمني مع إسرائيل، معتبرًا أن «مصر تتعاون مع كثير من الدول بما فيها إسرائيل لتحقيق هدفنا المشترك بهزيمة الإرهاب والحفاظ على أمننا القومي، وسنستمر بذلك التعاون بشكل فعّال»، وأكدت صحيفة معاريف العبرية أن التعاون العسكري الحالي بين إسرائيل ومصر قد تعزز بشكل غير مسبوق منذ وصول عبد الفتاح السيسي لمنصب رئاسة الجمهورية في عام 2014، لذا فقد وافقت إسرائيل عن كثير من الاستثناءات التي تتعارض مع اتفاق السلام بين البلدين، وتسهيل دخول القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء، بل إن إسرائيل قد توسطت لدى الولايات المتحدة الأمريكية لصالح مصر لتسليم الجيش المصري صفقة طائرات الأباتشي، بحجة مساعدة مصر في مكافحة الإرهاب، والتي قد تم تجميدها عقب مظاهرات 30 يونيو وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وأثنى وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل Chuck Hagel على الدور الذي لعبته مصر في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، وفي سبتمبر الماضي شارك وزير الخارجية المصري سامح شكري في حفل تأبين شيمون بيريز وظهر أمام الكاميرات وقد بدا التأثر واضحًا عليه.

أما دول أوروبا، فالتعاون بينهم وبين النظام المصري هو الأعلى على الإطلاق؛ فقد وقعت مصر صفقة مع شركة «داسو» الفرنسية في فبراير 2015 لتوريد 24 طائرة من طراز «رافال» بمبلغ 5.2 مليار يورو، واقترضت مصر بالفعل مبلغ 3.375 مليار يورو من البنوك الفرنسية بفائدة ضخمة لتمويل الصفقة، وقبل أن يجف مداد الحبر الذي وقعت به صفقة الرافال، وبعد نحو سبعة أشهر وفي 24 سبتمبر 2015، أبرم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي فرانسوا هولاند اتفاقـًا يقضي بشراء مصر حاملتي طائرات من طراز «ميسترال» بمبلغ 950 مليون يورو، وما بين الرافال والميسترال، وفي 3 يونيو 2015 كانت شركة سيمنز الألمانية توقع مع مصر أغلى صفقة في تاريخها في مجال الكهرباء لتوريد محطات توليد تعمل بالغاز بقيمة ثمانية مليارات يورو، وفي 16 أغسطس 2016، عادت مصر مرة أخرى لفرنسا لتعقد صفقة أخرى بقيمة 300 مليون يورو لتوريد 4 طائرات من طراز «فالكون 7 إكس» البالغة الرفاهية، لضمها لأسطول طائرات رئاسة الجمهورية.

عزيزي الدولجي، لا توجد مؤامرة على مصر إلا في عقولكم المريضة، لأنه ببساطة لا أحد يهتم بمصر مثلما تتخيل، لأن مصر «مش أم الدنيا»، مصر مجرد دولة فاشلة على كافة الأصعدة من دول العالم الثالث والمتخلف، والعالم المتحضر يعرف فقط بوجود دولة تدعى مصر نظرًا لأنها كانت فيما مضى ومنذ سبعة آلاف عام تحتضن واحدة من أرقى الحضارات في العالم القديم قاطبة، وتمتلك ما يزيد عن ثلث آثار العالم، وشهرتها الحالية أنها تجاور إسرائيل وفقط.

الشعب المصري ليس أذكى شعوب العالم مثلما تروج الأسطورة، وبحسب تقرير الأمم المتحدة فإن مصر من أكبر 10 دول في العالم تعاني من الأمية والجهل، وبحسب الرقم الرسمي الصادر من تقرير التعبئة والإحصاء والمشكوك في دقته، فإن نسبة الأمية في مصر تصل إلى 17 مليون نسمة، ولا يوجد أي إحصاء رسمي لنسبة «الجهل المقنع»، وهو مصطلح يطلق على المواطنين الذين قد أتموا تعليمهم بحسب الأوراق الرسمية، إلا أنهم في حقيقة الأمر ما زالوا أميين لا يتقنون حتى كتابة اسمهم، والتعليم في مصر أسوأ نظام تعليمي في العالم تقريبًا، فمصر تحتل المركز الـ139 من 140 من قائمة أفضل الدول في جودة التعليم، ولا تتفوق سوى على غينيا فقط، ولا يوجد أي جامعة مصرية من أفضل 50 جامعة في العالم ولا حتى من أفضل 100 جامعة، ولا حتى من أفضل 200 أو 300 جامعة، ومستوى الجامعات المصرية أقل من ذلك بكثير، ولذلك فإن فرصة الإبداع في مصر شبه مستحيلة، لذا فإن مصر قد شهدت وتشهد وستشهد لسنوات طويلة قادمة، تجريفـًا منتظمًا للكوادر العلمية والعملية والأكاديمية في مختلف التخصصات، إلى دول أخرى متقدمة تهتم بالعلم والعلماء، ويمكن أن تمنحهم الفرصة والإمكانيات للإبداع، وطبقـًا للأرقام الرسمية فإن هناك نحو 80 ألف عالم مصري في مختلف التخصصات يعملون خارج البلاد،
وحتى في مجال الرياضة فإن مصر تحتل مستوى متأخرًا ومترديًا للغاية بوجه عام، والأرقام الرسمية في الأولمبياد والبطولات الدولية تشي بالكثير، ولا يوجد رياضة واحدة يتميز المصريون فيها، وحتى صناعة السينما التي كان لمصر الدور الريادي فيها فيما سبق، تراجع دورها تمامًا في السنوات الماضية، واقتصرت السينما المصرية على الأفلام التجارية، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع.

مصر ليست مهد الحضارة، والشعب المصري ليس أعظم شعوب العالم مثلما تروج الأسطورة، بل إن الشعب المصري يعد من أكثر الشعوب المتعصبة والمضطهدة للأقليات الدينية والعرقية والثقافية، ولا يوجد تعايش حقيقي بين أفراد الشعب الواحد، والمصري المسلم يضطهد المصري المسيحي ولا يقبل بوجود الشيعة والقرآنيين أصلاً، ويتفق المصري المسلم والمسيحي على اضطهاد اليهود والبهائيين والملحد والمورمون وشهود يهوه وغيرهم من الأقليات الدينية، كما يتفق المصري المسلم والمسيحي على اضطهاد الأقليات العرقية المصرية مثل أهل النوبة وأهل سيناء، والشعب المصري ليس شعبًا مضيافـًا ولا كريمًا مثلما تقول الأسطورة، والمصري شديد العنصرية تجاه الغرباء من شعوب الدول الأخرى بشكل عام، الذين اضطرتهم الظروف للإقامة المؤقتة أو الدائمة في مصر، سواء أكانوا أوروبيين أم أمريكانًا أم حتى سوريين وعراقيين وسودانيين وفلبينيين، فالسوريون والعراقيون يعانون من التضييق المستمر والاستغلال وسوء التعامل بدعوى أنهم ينافسون المصريين في «أرزاقهم»، والأفارقة يعانون من العنصرية بسبب لون بشرتهم، ويسبهم المصريون في الطرقات علنـًا، أما الأسيويون والفلبينيون فالمصريون يتعاملون معهم على أنهم مجرد «خدامين»، وحتى الأوربيين والأمريكان، ينظر المصريون إليهم على أنهم كائنات فضائية، وفريسة سائغة للنصب والتحرش الجنسي بنسائهم، لكن إحقاقـًا للحق، فإن التحرش بالإناث ليس مقتصرًا على الأجانب فقط، فيتفق الذكر المصري، مسلمًا كان أم مسيحيًا، على اعتبار التحرش بالمرأة واجب وضرورة حتمية، بغض النظر عن جنسيتها وملابسها ودينها ومستواها الاجتماعي، وفي الحالات التي يحدث بها تحرش جسدي أو اغتصاب كامل لأنثى في مصر، فإن أكثر من 90% من المصريين يميلون إلى الاعتقاد بأن الأنثى هي المخطئة، وهي التي تحمل الإثم، ومصر من الدول القليلة في العالم التي ما تزال تخلط بين العلمانية والعلمنة وبين الإلحاد، وتعتبر العلمانية كفرًا بواحًا.
أما بالنسبة للاقتصاد، فمؤخرًا وخلال العامين الماضيين، انهار الاقتصاد المصري تمامًا، وتضاعف الدين الداخلي والخارجي في خلال عامي حكم السيسي، وبحسب البنك المركزي المصري، فقد ارتفع حجم الدين العام المحلي بنسبة 24% خلال الفترة من يوليو وحتى مارس من العام المالي 2015- 2016، وبلغ الدين المحلي نحو 280 مليار دولار أي ما يعادل 2.496 تريليون جنيه، أما الدين الخارجي فقد ارتفع بنسبة 34% خلال الفترة من يوليو وحتى مارس من العام المالي 2015-2016، وبلغ نحو 53.4 مليار دولار أي ما يساوي نحو 475 مليار جنيه، أما بالنسبة لمشروع قناة السويس الجديدة «هدية مصر للعالم»، فحسب البيانات الرسمية لهيئة القناة، فقد تراجعت إيرادات قناة السويس بنهاية العام 2015 بنحو 290 مليون دولار مقارنة بإيرادات 2014، وعرضت الهيئة تخفيضات على المرور للسفن العابرة خلال الشهور الماضية تصل إلى 50% لتعويض التراجع في إيراداتها، وبحسابات قانون الفرصة البديلة، فإن إهدار 6.7 مليارات دولار، أي نحو 60 مليار جنيه لاستغلالها في تفريعة القناة، قد أضاع على مصر فرصة استثمار تلك الأموال في مشروعات إنتاجية أخرى كانت جديرة بخلق فرص عمل حقيقية ومستقرة، فضلاً عن تحسين هيكل الناتج المحلي، وكنتيجة متوقعة لإهدار تلك الأموال في مشروع قناة السويس فقد بلغ احتياطي النقد الأجنبي 17.5 مليار دولار في نهاية مايو 2016، بما يعادل واردات مصر لأقل من ثلاثة أشهر، ويعد مبلغ الـ 17.5 مليار دولار عبارة عن ودائع لكل من ليبيا وتركيا والسعودية والإمارات والكويت، وتعد 10 مليارات من هذا المبلغ في حكم القرض لأنها مربوطة كودائع بسعر فائدة 2.5%، وبالتالي فحقيقة الأمر أن مصر لا تمتلك احتياطيًا ذاتيًا من النقد الأجنبي، وهو ما ساهم بقوة في انهيار سعر صرف الجنيه المصري، وفي ظل تراجع أداء الاقتصاد المصري وزيادة الاعتماد على الخارج، انخفضت قيمة الجنيه بشكل ملحوظ خلال فترة عامي السيسي، وبلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية، و قبل قرار التعويم مباشرة، نحو 18جنيه، بينما بلغ في السوق الرسمية نحو 9 جنيهات، مع عجز لدى الجهاز المصرفي في توفير الدولار وباقي العملات الأجنبية في ضوء الأسعار الرسمية المعلنة، وعلى الجانب الآخر تراجعت السياحة بشكل غير مسبوق بعد أكثر من حادثة في قطاع الطيران، وكذلك حوادث العنف تجاه السائحين وخصوصاً قضية جوليو ريجيني، وتفرض العديد من الدول ووكالات السياحة حظرًا على السفر إلى مصر حتى نهاية العام 2016، وبالتالي ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، واندثرت الطبقة المتوسطة وهبطت وبعنف إلى الأسفل وصارت في تعداد الطبقة الفقيرة، فعندما تولى السيسي منصبه كرئيس للجمهورية كان سعر كيلو السكر نحو 5 جنيهات مصرية، اليوم سعر كيلو السكر قد بلغ نحو 13 جنيهًا وغير متاح أصلاً، وكان متوسط سعر جرام الذهب نحو 280 جنيهًا، اليوم سعر الجرام قد تجاوز الـ 600 جنيه، وكان سعر الدولار نحو 6 جنيهات مصرية، اليوم وبعد قرار التعويم غير المدروس وغير المحسوب قد بلغ نحو 18 جنيهًا رسميًا، وكان دخل مصر من السياحة نحو 10 مليارات سنويًّا، اليوم وبعد انفجار الطائرة الروسية وقصف السياح المكسيكيين بالخطأ من قبل قوات الجيش، وقتل جوليو ريجيني بالتعذيب على يد الداخلية، لم يعد تقريبًا هناك أي سياحة في مصر، وكان متوسط دخل قناة السويس نحو 37 مليارًا، اليوم وبعد مشروع قناة السويس الجديدة العظيم الذي أهدر نحو 60 مليارًا، تراجع الدخل السنوي قناة وتراجعت الأرقام السابقة إلى حد مخيف.

كل تلك النجاحات السابقة والنهضة غير المسبوقة، سبب للدول الأخرى كي تتأمر على مصر لهدمها.

 

«يولد الحاكم العربي وعلى لسانه ثلاث عبارات جاهزة: مؤامرة خارجية، وأيادي خفية، وطرف ثالث».   *مريد البرغوثي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد