في الساعة الثامنة إلا ربع صباح الخامس من يونيو 1967 بالتوقيت المحلي، دوت صفارات الإنذار في جميع أنحاء إسرائيل، وأطلق سلاح الجو الإسرائيلي العملية العسكرية الجوية ضد المطارات المصرية، بمعدل 12 طائرة لكل مركز جوي في مصر، و دمرت القوات الإسرائيلية نحو209 طائرة من أصل 340 طائرة مصرية على الأرض قبل أن تقلع من المدرج، وبلغت خسائر مصر العسكرية نسبة 85% في سلاح القوات البرية، و100% خسائر القوات الجوية من القاذفات الثقيلة أو الخفيفة و87% من المقاتلات القاذفة والمقاتلات، واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والجولان، وقتل أكثر من 20 ألف جندي مصري دون قتال، وأصيب الآلاف، وأسر حوالى 6000 جندي، بعضهم دفن حيًّا في صحراء سيناء، فيما عرف باسم حرب الأيام الستة، أو نكسة يونيو 67.

بعد الهزيمة الساحقة التي لقبها هيكل بالنكسة واحتلال سيناء بالكامل، ومسرحية تقديم التنحي بيد وسحبه باليد الأخرى، بدأ ناصر بإعادة بناء الجيش ومحاسبة المخطئين من قادته، فأقال اللواء محمد صدقي محمود رئيس أركان القوات الجوية منذ عام 1953، وقائد الطيران الوحيد في تاريخ العسكرية على مستوى العالم الذي دُمرت طائراته مرتين على الأرض بالطريقة نفسها، المرة الأولى في حرب 1956 والثانية بعدها بأحد عشر عامًا في حرب 1967، وعين مكانه الفريق طيار مدكور أبو العز قائدًا للقوات الجوية في 11 يونيو 1967، وأرسل إليه طائرة خاصة حملته من مطار أسوان حيث كان يتولى منصب محافظ أسوان، إلى القاعدة الجوية بألماظة، وقام الفريق أبو العز بمجهود خرافي من أجل إعادة بناء سلاح الجو المصري، ويحسب له قيامه بتوجيه ضربة جوية للعدو الإسرائيلي بعد 40 يومًا فقط من الهزيمة يومي 14 و15 يوليو 1967، حتى أقاله ناصر في 2 نوفمبر م العام نفسه بعد زيادة شعبيته بشكل لافت للنظر، وبعد خلافه مع الخبراء الروس الذين استقدمهم عبد الناصر، وفي 23 أبريل 1972 وقبل حرب أكتوبر بفترة قصيرة، عين السادات حسني مبارك في منصب قائد القوات الجوية، بعد أن أعُيد بناء القوات الجوية بالفعل على يد قادة أفذاذ سابقين لمبارك، ودون أن يكون له دور حقيقي في هذا البناء، وفي مجمل الأمر كان سلاح الجوي المصري محدود الأهمية والأدوار في المجهود الحربي المصري في فترة ما قبل الحرب، بسبب ضعف إمكانات السلاح الجوي المصري أمام التفوق الكاسح للقوات الجوية الإسرائيلية والتي لقبت وقتها بـ«الذراع الطويلة لإسرائيل» من ناحية، وبسبب ضعف مستوى مبارك القيادي وخبراته، لأن أغلب تاريخ مبارك العسكري كان في التدريس بعيدًا عن التشكيلات من ناحية أخرى، وكانت الأدوار الأهم والأكثر تأثيرًا في الحرب من نصيب أبطال حقيقيين مثل المشير محمد علي فهمي قائد سلاح الدفاع الجوي، واللواء جمال محمود علي قائد سلاح المهندسين العسكريين صاحب الدور الأكبر في بناء حائط الصواريخ الشهير عام 1970، والذي وفر التوازن العسكري المطلوب وأوقف الطيران الإسرائيلي عند حده، بعدما كانت الطائرات الإسرائيلية تجتاح السماوات المصرية في القاهرة والدلتا والصعيد بدون أي رادع، وتاليًا منح الغطاء الجوي الضروري لعمليات العبور وبناء الكباري على عرض القناة، وصد الهجمات المضادة الإسرائيلية، ثم الفريق أول محمد فوزي الذي بنى الجيش المصري بعد النكسة ومهندس حرب الاستنزاف، وخليفته الفريق أول محمد أحمد صادق، والفريق أول عبد المنعم رياض رئيس الأركان الذي استشهد قبل الحرب وهو يشرف بنفسه على بناء حائط الصواريخ، إضافة إلى الأدوار الرئيسية لرئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، الرأس المدبر للهجوم المصري على خط بارليف والقائد الفعلي لحرب 73، والمشير أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية، والمشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات، والذي تم تصنيفه ضمن أبرع خمسين قائدًا عسكريًا عرفهم التاريخ، واللواء سعد الدين مأمون قائد الجيش الثاني الميداني، واللواء عبد المنعم واص قائد الجيش الثالث الميداني.

وفي الثانية من ظهر السبت 6 أكتوبر من العام 1973، شنت القوات المسلحة المصرية هجومًا على تحصينات إسرائيل بطول قناة السويس بالتزامن مع هجوم الجيش السوري على تحصينات القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، وعرفت باسم حرب السادس من أكتوبر أو حرب يوم الغفران، وشارك حسني مبارك بصفته قائد القوات الجوية فيما عرف بالضربة الجوية الأولى، وهي طلعة وحيدة اشتركت فيها جميع الطائرات المصرية، بدأت في الساعة الثانية ظهرًا وانتهت في الثانية وعشرين دقيقة، أي لم تستغرق أكثر من 20 دقيقة، وانتهى دور القوات الجوية في الحرب تمامًا بعدها، ما عدا اشتباكها في معركة جوية في سماء المنصورة، حينما حاول العدو ضرب الطائرات علي الأرض، وهذا ليس تقليلًا من قيمة هذا السلاح، إنما يرجع إلى تقادم الطائرات وعدم وجود أدنى فرصة لها للمناورة إن اشتبكت مع طائرات العدو التي تفوقها تكنولوجيًا بمراحل، ونفذ مبارك الأوامر بمهاجمة الأهداف التي حددها رئيس الأركان في خطة الحرب، ولم يشارك في التخطيط أو ما شابه، بل لم يركب طائرة ولم يقاتل في حياته.

ويرجح نجاح الضربة الجوية الأولى وشهرتها ليس فقط بسبب تحقيقها لأهدافها الحيوية، وإنما في عودتها سالمة بنسبة خسارة لم تتعد 5 طائرات من ضمن 200 طائرة، ويعود ذلك لكفاءة الطيارين المقاتلين وحماسهم وهزيمتهم السابقة ورغبتهم في الثأر.

ومما يؤكد انعدام كفاءه مبارك وفشله الذريع في إدارة القوات الجوية، هو دوره في مذبحة الصاعقة المصرية والتي عرفت باسم «إلغاء الضربة الجوية الثانية»؛ لأن الخطة الموضوعة نصت على إنزال قوات من الصاعقة المصرية، محمولة جوًا على طائرات هليكوبتر تحت حماية طائرات حربية، خلف خطوط العدو الإسرائيلي في سيناء، لتعطيل تقدم قوات الاحتياط الإسرائيلية، ولمنع أي صد إسرائيلي لعبور القوات المصرية للضفة الشرقية من القناة، وبالفعل تحركت طائرات الهليكوبتر وعلى متنها خيرة رجال الصاعقة المصرية، لكن مبارك تدخل في اللحظة الأخيرة لمنع الطائرات الحربية من القيام بدورها، وبالتالي فقد تقدمت الطائرات الهليكوبتر بدون أية حماية، لتصبح في مرمى نيران الدفاع الجوي الإسرائيلي، وكل قوات الصاعقة التي تم إنزالها بالفعل قصفت على الفور، وخسرت مصر في تلك المذبحة 36 طائرة هليكوبتر وعدد لا يستهان به من خيرة قوات الصاعقة المصرية، وبحسب شهادة اللواء صلاح المناوي رئيس هيئة عمليات القوات الجوية «أن مبارك قد تدخل لدى قيادات الجيش، متسببًا في منع القيام بضربة جوية ثانية، بما يسهل عمل الطائرات الهليكوبتر المخصصة لنقل الجنود المقاتلين إلى الضفة الشرقية للقناة، لذلك لم يكن من العجب أن يتم الإيقاع بعدد أكبر من الطائرات الهليكوبتر المصرية أثناء نقلها الجنود المقاتلين إلى جبهة القتال أو أثناء عودتها».

انتهت الحرب بعد استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، ومهدت الطريق لاحقـًا لاتفاقية السلام الشاملة والتي عرف باسم اتفاقية كامب ديفيد، وبعد الخلاف الشهير بين السادات والفريق سعد الدين الشاذلي بشأن معارضته تطوير هجوم القوات المسلحة أثناء الحرب، أصدر السادات في 13 ديسمبر 1973 قراره بإنهاء خدمة الشاذلي كرئيس هيئة أركان القوات المسلحة، وعندما عارض الشاذلي اتفاقية كامب ديفيد وهاجم السادات علانية، أمر السادات بالتخلص من جميع الصور التي يظهر فيها الفريق الشاذلي إلى جواره داخل غرفة العمليات، واستبدالها بصور يظهر فيها اللواء الجمسي واللواء طيار حسني مبارك، في محاولة منه لمحو أي دليل يشير إلى دور الفريق الشاذلي في معركة العبور، وفي 15 أبريل 1975 قرر السادات تعيين تابعه المطيع محمد حسني مبارك قائد القوات الجوية نائبًا له دون مبرر مقنع لاختيار مبارك لشغل هذا المنصب اللهم لكونه فتى السادات المطيع، متجاهلًا قائمة طويلة من المدنيين الأكفاء والقادة العسكريين من ذوي الكفاءة والقدرات والإمكانات الشخصية والمهنية والقيادية للعمل السياسي والجماهيري، وحتى مبارك نفسه لم يكن يرى في ذاته قدرات تؤهله لما هو أرفع من منصب سفير، فقد صرح في حواره التلفزيوني مع عماد أديب في حملته الرئاسية عام 2005 أنه بعد الحرب كان كل طموحه أنه يعين سفيرًا لمصر في لندن لأن «إنجلترا بلد إكسلانسات»، وهذا يعكس مدى البلادة والسطحية في التفكير، وعمق عقدة النقص المترسبة داخل مبارك ابن قرية «كفر مصيلحة»، وداخل سوزان ثابت ابنة الممرضة «ليلي ماي بالمز»، وحفيدة «تشارلز» عامل الفحم الفقير في قرية «بونتي بريد Ponty Pridd»، إحدى قرى مقاطعة ويلز البريطانية، والتي يبدو أنهم لم يكونوا قد شفوا منها حتى ذلك الوقت.

وتشير روايات كثيرة إلى أنه بعد تعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية، كان حسنى مبارك يجلس في هدوء وصمت بجوار السادات يستمع لما يقوله بعناية، ويبتسم بأدب للنكات التي يطلقها السادات حتى لو لم يفهم مغزاها، كان الرئيس السادات صاحب تاريخ، ولديه بعض القراءات السياسية والخبرات، كما كان مولعًا بالسخرية من السياسيين اليساريين الذين يقولون كلامًا ضخمًا وألفاظـًا وتعريفات سياسية مثل الإمبريالية والرجعية، ولم يكن مبارك على دراية بمثل هذه الكلمات وربما لم يفكر في التعرف عليها، كان مبارك نموذجيًا بالنسبة لرئيس مثل أنور السادات، عصبي وكثير الحركة وقراراته مفاجئة، وبالتالي فقد كان حسنى مريحًا بالنسبة للسادات، ولم يثبت أبدًا أنه عارضه، لدرجة أن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي عندما رآه لأول مرة بجوار السادات لم يتصور أن هذا هو الرجل الثاني في مصر، واعتقد أنه مجرد مساعد درجة ثانية للسادات أو موظف كبير في الرئاسة .

وقاد القدر ورصاصات خالد الإسلامبولي مجتمعين، مبارك نصف الموهوب، إلى كرسي الرئاسة ليصنع أسطورة الضربة الجوية الأولى الزائفة عن نفسه، كقائد حربي لا يمتلك أي تاريخ حقيقي كسابقيه، ولا عسكري ولا سياسي، ورسخ الإعلام المصري لأسطورة الضربة الجوية الأولى ودورها في تحقيق النصر وصنع منه بطلًا زائفـًا لحرب أكتوبر، لدرجة تزييف صورة «هيئة عمليات حرب أكتوبر» الشهيرة، والتي يظهر فيها مبارك جنبًا إلى جنب مع السادات، حيث إن مبارك كان متواجدًا في مركز قيادة القوات الجوية يوم 6 أكتوبر ولم يكن بصحبة السادات، والصورة الحقيقية التي تم حجبها لاحقـًا تضم وزير الدفاع الفريق أحمد إسماعيل على يمين السادات، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان على يسار السادات، أما الصورة التي تم رسمها في بانوراما أكتوبر وظهر فيها مبارك بجانب السادات حقيقية فقد تم التقاطها بعد حرب أكتوبر، فليس من المنطقي أن يتجاوز مبارك كل قياداته العليا ويقف بجانب السادات مباشرة،
لم يزيف مبارك التاريخ فحسب، وإنما عمل على حجب كل ما يشير إلى بطولات قياداته ورؤسائه وزملائه، فقد منعت الرقابة فيلم «حائط البطولات» من العرض لأنه يتحدث عن المشير محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي، ويظهر مدى إسهامه في إنجاح الحرب، خشية سقوط أسطورة الضربة الجوية الأولى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد