سؤال لايزال يؤرقني ويؤرق الكثير… لماذا تفشل كل محاولات التغيير والإصلاح في مجتمعاتنا؟ لماذا، بالرغم من كل ما يتم إبداعه من كتب، ومؤلفات، ومقالات، وبرامج توعوية، سواء تلك التي تجد لها سبيلًا إلى الفضائيات أو حتى تلك التي يتم تقديمها بأبسط الإمكانات على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه لا يحدث أي أثر يذكر لكل ذلك؟

لماذا لا تغيرنا خطبة الجمعة، والتي نسمعها كل أسبوع؟ وإذا ما حدث تغيير، فإنه لا يلبث أن يكون مجرد تَغيُر سطحي ومؤقت؟!

إن الوجود بما فيه من شكوك وألم وحرية ومسؤولية، وفقدان للمعنى وبحث عنه، وفقدان للهوية ومحاولة تحقيقها …إلخ، تلك الدراما الإنسانية التي هي جزء من الوجود الإنساني في تقلباته، كل ذلك قد يشكل تهديدًا كبيرًا للإنسان الفرد؛ لدرجة أنه يحاول أن يُنكر أو يُحرف هذا الواقع باستخدام آليات الدفاع النفسي المتعددة، كالسلوكيات القهرية أو الإسقاطات أو خلافه.

فنحن نواجه قلقنا من الوجود بآليات الدفاع النفسية فنحصن أنفسنا داخل قلاع وحصون هي في واقع الأمر أصنام تحجب عنا الحقيقة، لا حقيقة الوجود فحسب، بل حقيقة أنفسنا أيضًا!

وقد تجلب لنا هذه السلوكيات الدفاعية شكلًا سطحيًا مؤقتًا من الشعور بالأمن، ولكن في النهاية وفي التحليل الأخير، وعلى المدى البعيد، فإنها تتسبب في مشاكل أكثر مما تخفف منها.

ولأن الإنسان يسعي بالفطرة لتحقيق فاعليته فإن السقوط في آليات الدفاع النفسي؛ تصيبه بالعجز، وفقدان القدرة على تحقيق كامل قدراته، والتعامل مع ظروفه المحيطة بأكثر الطرق فاعلية وابتكارًا.

فينتهى الحال إلى حياة مقيدة منكمشة تعوزها الفاعلية والحيوية، فيقترب الإنسان أكثر من نموذج الحيوان الاجتماعي الذي لا هَم له إلا أن يدور في ساقية؛ فيأكل وينام ليعمل ليتزوج فينجب حتى يموت! تلك هي أهدافه العليا في الحياة.

إن هناك فارقًا بين التغيير والإصلاح، فالتغيير لابد وأن يسبق أية محاولة للإصلاح، حيث إن التغيير هو قوة موجهة للداخل، بينما يكون الإصلاح قوة موجهة للخارج، فالتغيير هو الحلقة الأولى {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أما الإصلاح فإنه يصبح محاولة قدر الاستطاعة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} والتغيير يتحقق فى حياة الفرد ويحاسب عليه، بينما الإصلاح قد لا يتحقق في حياته، ولا يسأل عنه بعد مماته، فكثير من فلاسفة الغرب لم يعرهم أحد اهتمامًا أثناء حياتهم، وبعد عشرات السنين من رحيلهم ظهرت كتاباتهم وأحدثت الإصلاح المرغوب!

ولكن كيف يمكن أن يضل الناس أنفسهم ويحسبون أنهم مهتدون؟

خذ على سبيل المثال قضية الحرية وما تسببه لنا من قلق وجودى، حيث نقوم بخداع أنفسنا بأن نلجأ للتسويف كي نتجنب صنع اختيارتنا، أو نصاب بالبلادة واللامبالة والتي تظهر بوضوح في انتشار السخرية من أمور تهدد حياتنا ومستقبلنا، وكأنها حياة أناس آخرين!

وننغمس أكثر وراء النزوات والدوافع الحيوانية، فنحن أكثر شعوب الأرض التي بالرغم من الحالة الاقتصادية المتردية، إلا أنها لا تتوقف عن الزواج والإنجاب والاستهلاك! فضلًا عن انتشار الأعراض الوسواسية والقهرية في سلوكياتنا، ناهيك عن إلقاء شماعة المسؤولية على الآخرين ليحملوها عنا، سواء كان القدر أو الحكومة والنظام، أو حتى الأحلام والأبراج، وما شاع انتشاره في الفضائيات مؤخرًا، كل تلك محاولات من أجل التخلص من عبء الحرية ومن مسؤولية الاختيار وصنع القرار وتحمل تبعاته.

حتى عندما نقوم بفعل شيء ما، فإنه غالبًا ما يكون تمردًا لا ثورة، والتمرد بالرغم من أنه يتشابه ظاهريًا مع الحرية، إلا أنه ليس إلا هروب من الحرية ومن عبء تحمل المسؤولية، فالمتمرد هو شخص في موقف رد الفعل، لا الفعل، هو يفعل عكس ما يقره الآخرون ويختارونه، هو دائمًا معترض ودائمًا مخالف. فلو أن النظام الحاكم مثلًا اتخذ قرارًا ربما يكون في مصلحته، فإنه سيقف منه موقف المعارضة أيضًا! في النهاية والتحليل الأخير هي محاولة لتجنب ضرورة التفكير والتنصل من عبء المسؤولية والاختيار.

إن التمرد هو فعل عبثي لا معنى له؛ لأنه مجرد مخالفة، من هنا تنتشر الشخصية الفهلوية التي تحب أن تكسر القوانين والقواعد وتخالفها! تلك الشخصية التي تمتاز بالتكيف السريع، والخنوع الوضيع، والسخرية، والمبالغة في توكيد الذات -وهو ما يختلف عن الثقة بالنفس – والعجز عن العمل الجماعي تبعًا لذلك فهو يرى أنه رئيس جمهورية نفسه! فضلًا عن محاولة الوصول للأهداف عبر أقصر الطرق وأسرعها فكل ما يتطلب وقتًا وإتقانًا يُعرض عنه، لذلك نحن شعوب استهلاكية لا تُنتِج.

من هنا نفهم هروب البعض من الحرية والثورة والعودة مجددا لأحضان الاستبداد والتمرد، إنه ذلك العقد غير المكتوب بين المستبد الطاغية وبين شعبه، فهو يحررهم من عبء الحرية! فيتحمل اللوم والمسؤولية على كل شيء.

في مقابل أنهم يتمكنون من الاستمرار في عبادة أصنامهم في سلام نفسي، فهم أفضل شعوب الأرض لولا حكامهم! وهم أغنى شعوب الأرض لولا حكامهم! ونسوا أنه كما تكونوا يولى عليكم! وأنهم هم من استكان لهؤلاء الحكام! فلا يمكن أن يستخف حاكم قومه إلا إذا كانوا فاسقين!

لذلك فالتمرد هو الابن غير الشرعي للاستبداد، بينما تظل الثورة ابنة الحرية.

فالثورة تكشف وتعرى المجتمع وتفضحه أمام نفسه، أما التمرد فهو الذي يستر ويغطي ويدفن العيوب ويسقطها على الآخرين، فدائمًا ما يوجد مؤامرة ما، ولولا تلك المؤامرة لكنا وكنا! (وذلك هو الفرق بين 25 يناير و30 يونيو).

إن الوعى قادر على إحداث تغيير، والتغيير الحقيقي لابد وأن ينتهى بإصلاح، ولكن لا يمكن أن يُحدِث الوعى أدنى تأثير طالما ظل الناس عن الحق مُعرضين.

لذلك فنحن في حاجة إلى مرحلة ما قبل المعرفة تلك الحالة التي نقوم فيها بهدم تلك الأصنام التي نصنعها بداخلنا، أن نُعرى ونكشف أساليب خداع الذات التي نقوم بها حتى نتمكن من مواجهة واقعنا كما هو، وأن نتعامل مع الحقائق كما هي لا كما نرغب في رؤيتها، ونتحمل مسؤولية قراراتنا وأفعالنا، ولا نهرب منها ونعلقها على شماعات متعددة.

والتغلب على ذلك الأمر لن يكون سهلًا، وهو عمل يتطلب استمرارية صب الماء على الحجر حتى يتفتت في النهاية.

فليس الهدف أن نعلم الناس ما يعلمونه بالفعل، بل أن يكون هناك فاعلية لما تعلموه، ولا تتأتى تلك الفاعلية إلا عبر كشف الزيف والخداع والأساطير التي نصنعها ونؤمن بها ونُسلِم لها، ولن تحقق هذه الأمة أية طفرة حقيقية طالما ظلت تلك الأصنام والأساطير التي نؤمن بها، والتى تقف عائقًا بين الحقائق الموضوعية والحقيقة الذاتية، فالأفكار تؤثر على العالم ليس بمقتضي معانيها المنتحلة، وطبائعها المؤقتة، وفهمها المشوه، إنما وفق معانيها الأصلية وطبائعها الحقيقية.

إن رسالة القرآن بدأت بهدم الأصنام المادية حول الكعبة، وفي عصرنا الحالي والذى لا يعدو كونه جاهلية حديثة فحسب، فالأصنام شهدت تطورًا، فلم تعد في صورة حجر، بل صارت أصنامًا معنوية تقبع داخل نفوسنا تحيط بكعبة أخرى مهمة وهي قلوبنا {إلا من أتى الله بقلب سليم} فإن كانت الأصنام المادية تحول بيننا وبين توحيد الله، فإن أصنامنا المعنوية تحول بيننا وبين ذلك القلب السليم، ذلك القلب الذى إِذَا صَلَحَ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ.

ذلك القلب السليم الذى نستفتيه ولو أفتانا الناس وأفتونا أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
إنها أصنام من العجوة نبنيها نحن، ثم نأكلها وقتما نجوع، من هنا تصبح الغاية تبرر الوسيلة، ومن هنا تسقط الأخلاق وتسقط القدرة على التجاوز والتسامي، ومن هنا يتفشي فى المجتمع كل أنماط السلوكيات السيئة والتى لا يُفلِح معها تقويم ولا نُصح ولا إرشاد، لأن أصنام التبريرات النفسية حاضرة وبقوة تُحرِف الكلم عن مواضعه، وتجعل الخطيئة فى الآخرين، وتجعل المصائب تحدث بسببهم، فيظل كل منا كالذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وما هؤلاء إلا الأخسرون أعمالًا. فلا تحدثني عن نتائج ولا عن أهداف تحققت؛ لأننا لسنا سوى “الأخسرين أعمالًا” طالما ظلت تلك الأصنام تحيط بكعبة قلوبنا فلم تجعلنا مع الفريق الذي هدى، إنما مع الفريق الذي حق عليهم الضلالة {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} وما تلك الشياطين إلا نفوسنا وتلك الأصنام التي تحيط بقلوبنا؛ فتجعلنا نظن أننا أصبحنا مهتدين، بالرغم من أننا نوالي الشياطين!

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنسانيات, دين, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد