لا تزال المظاهرات المناوئة للعنصرية في الولايات المتحدة تجوب الشوارع وترفع شعارات تعبر عن ديمومة واستمرار في التظاهر والمطالبة بإزالة رموز العنصرية والاستعباد من المدن والمطالبة بإقرار الحقوق للفئات التي تعرضت للتميز على مدى سنوات مضت. وعليه وفي سبيل كشف الأسباب التي تجعل من هذه المظاهرات مستمرة يجب البحث بشكل أعمق في الجذور التاريخية للرق وتجارة العبيد في الولايات المتحدة.

تاريخيًا ومنذ اكتشاف أراضي الولايات المتحدة مارس المهاجرون الجدد سياسات تميّزية وتطهيرية ضد السكان الأصليين في الولايات المتحدة. لا بل تدخل هؤلاء المهاجرون البيض وعملوا على إثارة الفتن والنزاعات بين القبائل هناك لإثارة الحروب فيما بينهم وتعزيز سلطتهم هناك. واستمرت هذه الممارسات إلى زمن بعيد لتظهر فيما بعد تجارة الرقيق التي كان يمارسها بعض التجار البريطانيين والأمريكيين. وتقوم هذه التجارة على جلب العبيد والرق من أفريقا عبر سفن إلى الولايات المتحدة ليموت منهم من يموت في الطريق إلى الولايات المتحدة، ومن يصل منهم كانت تتم معاملتهم معاملة قاسية كما كان حال العبيد في كل مكان.

 وفي التاريخ الحديث للولايات المتحدة وإلى زمن قريب كانت تتم عمليات الفصل بين «السود» والبيض في كل مكان تقريبًا. إلى أن قامت الحركات التحررية والمناهضة للعنصرية وحصلت على امتيازات وكافحت وحصلت على حقوقها «بأذرعها».

فلا ننسى المرأة القوية (روزا باركس) التي قررت الجلوس في أماكن مخصصة للبيض في وسائل النقل؛ ولا يمكن أن ننسى كفاح «مارتن لوثر كينج» ونضاله في سبيل التحرر من مظاهر العنصرية ومظاهرها في الولايات المتحدة. وبالفعل فقد تحولت الولايات المتحدة إلى دولة حريات وأقرت المساواة فيما بين أبنائها. إلا أن العنصرية لم تختف من عالمها الواقعي، لا بل أصبحت هذه العنصرية تتجه نحو الأسوأ.

وللإجابة بشكل مباشر على السؤال الذي تمّ طرحه سنقول: بالفعل لا يوجد عنصرية في الولايات المتحدة، ولكن على الورق وعالم القوانين فقط، أما في الواقع فقد غيّرت العنصرية من ثوبها، وبدأت تظهر بمظاهر جديدة متمثلة بإقصاء السود أو ذوي البشرة الملونة إلى حواشي المدن والأحياء الفقيرة، بالإضافة لسهولة انتشار المخدرات والجريمة في هذه المناطق واختلاف التعامل مع هذه الظروف من قبل الشرطة والأمن هناك. ناهيك عن الوضع المزري الذي شهدته المدارس بهذه الأحياء والمستوى التعليمي المتدني الذي كان يتلقاه الفقراء في المدارس بشكل عام وذوي البشرة السوداء بشكل خاص.

 كل هذا، وزاد الطين بلة تعامل عناصر الشرطة مع المتهمين والمظنون بهم بارتكاب جرائم. إذ تتحدث إحصاءات عن أن الشرطة الأمريكية عندما تحاول إلقاء القبض على متهم، إذا كان هذا الشخص من ذوي البشرة السوداء فاحتمالية مقتله تتجاوز 50٪. وهو ما يثبته الواقع الذي نشهده اليوم بعد حادثة «فلويد»، حيث لم يتجنب رجال الشرطة في أكثر من حالة قتل مواطنين من ذوي البشرة السوداء أبدًا. ومع غياب الإصلاحات الجذرية في المنظومة السياسية ككل وفي سلك الشرطة والأمن، كان لكل هذه العوامل الأثر الأكبر، كما أنّ هذه العوامل ساهمت باحتقان شديد عانى منه السود على مدى سنوات مضت، لينفجر هذا الاحتقان في كل الولايات الأمريكية تزامنًا مع مقتل «فلويد» وصرخاته المؤثرة بأنني «لا أستطيع التنفس».

نحن نرى بدورنا بأنّ هذه الديمومة مستمرة طالما هناك تجاهل من المنظومة الحاكمة في الولايات المتحدة، وطالما أن هذه المنظومة تقوم بتجاهل الحقوق المشروعة والمطالب المحقة التي يطالب بها المتظاهرون. ولا يبدو الرئيس دونالد ترامب واعٍ بالدرجة الكافية لتجنّب الكارثة. فبدلًا عن إقرار إصلاحات جذرية وتأمين مطالب المحتجين، يتحدى الرئيس المتظاهرين ويقر قانونًا لمعاقبة من يحاول تخريب أو إزالة التماثيل المنتشرة في أرجاء الولايات المتحدة والتي يعبر العديد منها عن العبودية والظلم الذي عانى منه السكان الأصليون.

وتطبيقًا لهذا القانون الصارم اعتقل مسؤولو إنفاذ القانون الفيدراليون اليوم الخميس رجلًا في واشنطن يسمونه «زعيم عصابة» على إثر المحاولة الأخيرة لتدمير تمثال «أندرو جاكسون» في ميدان «لافاييت» بالقرب من البيت الأبيض.

حيث أخبرت مصادر تطبيق القانون شبكة «فوكس نيوز» أنه تم القبض على «جيسون تشارتر» في مقر إقامته صباح الخميس، ووجهت إليه تهمة تدمير الممتلكات الفيدرالية. تم القبض عليه من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي وشرطة بارك الأمريكية كجزء من قوة عمل مشتركة. وعلى ما يبدو فإنّ «جيسون» تنتظره مدة طويلة من السجن بحسب تهديدات ترامب الأخيرة. ويبدو بأنّ المعركة مستمرة بين ترامب والمتظاهرين في ظل إصرار الرئيس على حماية رموز العنصرية بوصفهم تاريخيًا لا يمكن الاستغناء عنه.

على أية حال هذه المظاهرات مستمرة ضد العنصرية، وهذا الرئيس مستمر بعنصريته، والكلمة الفصل هي للشعب الأمريكي بتقرير مصيره (ومصيرنا) في الانتخابات المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد