كانت «هونج كونج» مستعمرة بريطانية حتى عام 1997 وهي آخر مستعمرة يتخلى عنها التاج البريطاني في اتفاق بريطاني صيني سيئ، ففي الوقت الذي كان باستطاعة الصين تحريرها عسكريًّا إلا أنها قبلت باتفاق ملغم؛ حيث مُنح الإقليم حكمًا ذاتيًّا واسعًا يكاد يكون دولة، لمدة 50 عامًا، وكما هي عادة الدول الاستعمارية تعمل قبل انسحابها على إيجاد وصنع مشكلة يستحيل حلها مثل هذا الاتفاق؛ حتى يتسنى لها التدخل بشكل أو بآخر، فبريطانيا وفرنسا لا تزالان تعتبران نفسيهما أوصياء على لبنان وروندا واليمن ومالي وتونس وليبيا وغيرهما من المستعمرات السابقة، بل ويدعمون الانقلابات إذا ما خرجوا عن الولاء والطاعة.

هذا عندما يكون الطرف الآخر ضعيفًا، لكن الوضع هنا يختلف؛ حيث إن التنين الصيني ليس مثل باقي الدول، فالصين تتبع طريقًا طويلًا وواضحًا، وتتخذ خطواتها بعد دراسة، وإذا ما أقدمت على شيء ما فلا تتراجع أبدًا، ولنا في الحرب التجارية مع أمريكا أكبر وأقرب مثال.

«ندين بأكبر درجات الحزم هذه الأفعال شبه الإرهابية» تصريح للناطق باسم مكتب شئون هونج كونج وماكاو في الحكومة الصينية، «تشو لوينغ»، فالوضع لم يعد مثل السابق، حيث المظاهرات المطالبة بإلغاء قانون تسليم المطلوبين للصين، ولاحقًا المطالبة باستقالة الحكومة، استجابت سلطة الإقليم بتجميد مشروع القانون في الأسابيع الأولى إلا أن المظاهرات استمرت بدون أفق، حتى تدخل متظاهرون ملثمون مجهولون، وأحدثوا أعمال شغب؛ ما دفع الصين إلى مطالبة بريطانيا والغرب بالكف عن التدخل بشئونها الداخلية في إشارة إلى أعمال العنف تلك.

مع دخول المظاهرات أسبوعها العاشر، واتجاهها صوب مطار هونج كونج المطار الثامن في العالم الذي يسافر عبره 200 ألف مسافر يوميًّا، وأصبح الوضع يمس سمعة الإقليم الاقتصادية، ويأثر بقوة الصين المعنوية، ومع انعدام الحل الوسط، فإسقاط مشروع القانون نهائيًّا يعني بأن جميع أعداء بكين لن يتجهوا إلى مكان بعيد لثلاثين عامًا على الأقل، بل سيكونون على بعد مرمى حجر، وإذا ما أُلغي هذا القانون المهم الآن نهائيًّا فلن يعود أبدًا.

ومع تعاظم قوة الصين ثاني أقوى اقتصاد بالعالم، وتنامي قدراتها العسكرية؛ يستحيل أن تقبل بوضع كهذا، وأن تصبح لديها مشكلة مستعصية جديدة بعد مشكلة تايوان.

هذا لا يعني بأن المتظاهرين كلهم عملاء لبريطانيا أو غيرها من أعداء الصين، لكن عندما تندلع شرارة الاحتجاج أو الثورة لمواجهة شخص ما يحكمك، أو ظلم معين تطالب بتغييره خاصة أن تلك المطالب لاقت قبولًا من مجموعة لا بأس بها من الشعب.

في هذا الوقت يضيع العقل والمنطق، وتصبح الجموع الثائرة جامحة جدًّا، مثل الفيضان، ويصعب تخيل نهاية هذا الشلال، وإلى أين المصب، وبلا شك سيحاول أعداء الصين خلق الفوضى، وصب الزيت على النار، والاستفادة بقدر الإمكان.

وبالتأكيد لن يستمر الأمر هكذا طويلًا، سيصبح الأمل على بعض التنازلات، ومع التنازل الذي قدمته سلطة الإقليم بتجميد مشروع القانون، والذيقوبل بالرفض من قِبل المتظاهرين، فقد وصلت بكين إلى أكبر شيء ممكن تقديمه، فليس من عادة الحزب الشيوعي الحاكم التراجع إلى الخلف، ولن ينتقص من سيادته على الإقليم إلى الأبد.

بدأ الحديث مؤخرًا عن مؤشرات لإرسال قوات صينية باتجاه هذا الإقليم، وعادت إلى الأذهان أحداث ميدان «تيانانمن» في بكين القرن الماضي.

وبالفعل الحل الأمني هو ما سيحدث؛ فَقَدْبَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى، خاصة بعد اقتحام المطار محور اقتصاد الإقليم، وبعد التدخل الواضح لبريطانيا، فلا يمكن للصين القوة العالمية أن تحشر في زاوية هونج كونج، فهل سيتمكن المتظاهرون من ترك التعنت والعودة إلى منازلهم خاصة أن الدول تتبادل المطلوبين؟ فما بالك بدولة واحدة، فليس من المعقول أن يتحصن أعداء الصين في جيبها! وفي أحسن الأحوال قد تفض الصين الاعتصام كما فعلت أمريكا في «وول ستريت» عندما تم فض الاعتصام بعذر تنظيف المكان من القمامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد