التظاهرات والاحتجاجات الأخيرة في إيران، هناك من قال عنها إنها كانت تظاهرات حاشدة، وهناك من فند ما حصل بأنه مجرد تظاهرات عادية وزوبعة في فنجان، والسبب الرئيس لهذه الاحتجاجات كما قيل هو الضائقة الاقتصادية العميقة التي تعيشها إيران، والتي تمثلت بارتفاع الأسعار وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، إلا أن هناك من اعتبر هذه التظاهرات ليست ضد البطالة والوضع الاقتصادي المتردي، بل للتدخل الإيراني في سياسات دول المنطقة، وإنفاقها الأموال من أجل تمرير هذه السياسة، وأن النظام الإيراني بات يحظى بشعبية في الخارج أكثر منه في الداخل.

الأسباب الحقيقية هي أكثر شمولية وتتعلق بأمراض مزمنة وأصيلة مثل البطالة التي لا تقل عن 12% وارتفاع الأسعار وتقليص الدعم ورفع الضرائب والفساد الكبير وغياب أفق اقتصادي رغم رفع العقوبات عن الدولة كجزء من الاتفاق النووي، إضافة إلى تدخل إيران في عديد الدول أبرزها سوريا والعراق واليمن.

المظاهرات والاحتجاجات في إيران لم تنسب إلى أي حركة أو تيار سياسي معين، كما ولم يحث أي حزب سياسي الإيرانيين على النزول للشارع، حتى إن زعماء المعارضة الذين ألهبوا مشاعر الإيرانيين في 2009م ما زالوا رهن الإقامة الجبرية، إلا أن هذه المظاهرات في الوقت نفسه ليست فقط تعبيرًا احتجاجيًا مقطوعًا عن السياق السياسي الداخلي الإيراني، فالاصطلاحيون الذين لم يقوموا بدعم الاحتجاجات، كان بإمكانهم أن يعرضوا بواسطتها قوتهم الجماهيرية ضد سلوك النظام الذي كبح التقدم وحقوق الإنسان، في حين أن المحافظين كان بإمكانهم التدليل بواسطتها على عدم حيلة خصمهم الرئيس روحاني، إلا أن هذه الاحتجاجات حثت النخبة الحاكمة الإيرانية في الطرفين لبذل الجهود من أجل التوصل إلى تفاهمات لتهدئة الغضب.

فالمتظاهرون الذين خرجوا بالآلاف إلى الشوارع للإعراب عن مظالمهم، رفعوا ولأول مرة شعارات لا تدعو إلى استقالة الرئيس روحاني وحكومته فحسب، وإنما أيضًا وصلت إلى الدعوة لإسقاط المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، حيث هتف الحشود في طهران وبعض المدن الأخرى بهتافات (الموت للديكتاتور)، كما ردد المتظاهرون أيضًا هتافات مثل (شاه رضا، طيب الله ثراك)، وترديد مثل هذه الهتافات دليل على مستوى لم يسبق له مثيل من الغضب وكسر المحرمات، ولكنها كانت من باب ضرورة التركيز على مطالبهم أولًا وليس أكثر من ذلك، حيث تعد هذه الاحتجاجات الأولى منذ مظاهرات عام 2009م، وذلك عندما خرج الإيرانيون للتعبير عن رفضهم نتيجة الانتخابات الرئاسية التي جرت آنذاك بداعي التزوير، وذلك عقب إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد.

فروحاني الذي وصل للسلطة في مايو (أيار) 2013م، نجح في قيادة مفاوضات مع المجتمع الدولي، أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015م، ما أسهم في رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على بلاده، غير أن الآمال بانتعاش الاقتصاد ذهبت سدى، فعدد قليل فقط من الشركات دخل السوق الإيرانية، خاصة بعد التهديدات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، كما أن فشل خطط روحاني لتحسين الاقتصاد ومعيشة الناس وما رافقه من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية الأساسية، وخفض الدعم الذي تقدمه الحكومة للمواطن الإيراني، أديا إلى حالة استياء كبيرة من الحكومة.

هذه الاحتجاجات تطورت عقب أن قدم روحاني موازنته للعام الفارسي الجديد الذي يبدأ في مارس (آذار) القادم، وإعلانه عن رفع سعر البنزين، وهو ما ترافق مع غلاء أسعار بعض المواد الغذائية، مما اضطر الشعب إلى النزول للشارع للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروفهم المعيشية، خصوصًا وأن روحاني رفع شعارات اقتصادية بحتة في حملته الانتخابية الأخيرة، وهو ما جعله يفوز على منافسه المحافظ، فالنسب المرتفعة من معدلات البطالة كانت موجودة خلال ولاية الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ومثلت حافزًا مهمًا لانتخاب روحاني بديلًا عنه.

هذا وقد طالب الرئيس روحاني الإيرانيين بعدم اللجوء إلى العنف، وذلك بعد تقارير تحدثت عن مهاجمة المحتجين عددًا من المصارف والمباني البلدية في عدة مدن إيرانية، من ضمنها مبنى الحكومة المحلية بالعاصمة طهران، كما حذر بأن الحكومة سترد بقوة على مثيري الاضطرابات ومخالفي القانون، وهو ما قامت به الشرطة من استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين والقيام بسلسلة اعتقالات لمثيري الشغب والفوضى، إلا أنه في الوقت ذاته أعرب عن تأييده لحق المتظاهرين في التعبير عن آرائهم.

المظاهرات المحلية ليست أمرًا جديدًا في إيران، قبل الاتفاق النووي وبعده أيضًا، فالمعلمون وموظفو البلديات وموظفو الشركات الحكومية خرجوا في السنوات الأخيرة في مظاهرات وقاموا بالإضرابات على خلفية الضائقة الاقتصادية وعدم دفع الرواتب في الوقت المحدد وظروف العمل الصعبة، لكن في كل مرة نجح النظام في ثني المتظاهرين عن موقفهم بواسطة ضخ الزيادات في الأجور، وإجراء المفاوضات التي أدت إلى الاستجابة لمعظم طلبات المتظاهرين، دون أن ننسى استخدام القوة والقبضة الحديدية ضدهم في كثير الأحيان.

الانتشار الجغرافي للمظاهرات الأخيرة في المدن المختلفة في إيران يمكنه خلق الانطباع بأن الدولة تشتعل، لكن عدد المتظاهرين في كل مدينة قليل نسبيًا ويمكن استيعابه، إلا أن الاستمرار كان مرتبطًا بالطريقة التي يحسب فيها النظام خطواته، سواء في النضال السياسي بين النخب الحاكمة أو أمام الجمهور، لأنه من غير الممكن التنبؤ إلى أين ستمضي الاضطرابات، فهي من الممكن أن تتخذ منعطفات غير متوقعة ومفاجئة، فالمشكلة مع المظاهرات هي أن بدايتها لا يمكنها أن تظهر كيفية تطورها، حيث توجد للمظاهرات ديناميكية معدية، وهذه العدوى جربتها الأنظمة في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، لهذا استجابت الحكومة الإيرانية فورًا للاحتجاجات وتراجعت عن خططها لزيادة أسعار الوقود، كما وعدت بزيادة المدفوعات النقدية للفقراء وتوفير المزيد من الوظائف في السنوات المقبلة، إضافة إلى أنها عملت على ضبط النفس وعدم الانجرار وراء نظرية المؤامرة، لأن هذه الحركة الجماهيرية هي لمعالجة الشؤون المطلبية المعيشية لا أكثر ولا أقل.

التظاهر لأجل التغيير وتحسين الوضع الاقتصادي هو حق ومطلب شرعي، وليس هناك من محرك لثورة الناس سوى الفقر والبطالة والشعور أن ثروات البلاد تذهب سدى ولا يستفيد أهلها منها، وهنا تكمن المصيبة الكبيرة، فالنجاح العسكري والسياسي لإيران ولا سيما في الشرق الأوسط، منحها مكانة الدولة العظمى الإقليمية وعزز في الحقيقة من مكانتها الدولية، ولكن ذلك جاء على وتر حساس هو رفاه ومستوى معيشة المواطن الإيراني الذي يدفع من أمواله ثمن الحرب في سوريا والعراق واليمن، حيث تدور المواجهة بالوكالة بين إيران والسعودية لبسط النفوذ في المنطقة، فالسياسة الخارجية عندما تكون ناجحة تزيد من الفخر القومي، لكنها لا تستطيع التعويض عن فشل السياسة الداخلية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، وما نرجوه دائمًا هو سلامة الشعوب وتحسين ظروفها دون سفك قطرة دم واحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

صحيفة رأي اليوم
صحيفة القدس العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد