منذ أربعة أعوام ونحن نقف أمام مشهد تظاهرات تُرفع فيها شعارات مختلفة، وكثيرًا ما كانت متناقضة في أهدافها وشعاراتها المرفوعة، فمنها ما كانت تدعو إلى دولة مدنية وتهاجم رجال الدين، ومنها ما كانت تكتفي بالدعوة إلى إلغاء الرواتب التقاعدية للبرلمانيين وامتيازاتهم ومنها ما كانت تهاجم دعاة الدولة المدنية ومنها ما كانت ترفع رايات طائفية وصورًا لرجال دين مثل الخميني وخامنئي ومقتدى الصدر، وهكذا يمكن القياس على ذلك في تشكيل رؤية موضوعية عما يشهده العراق من تظاهرات بكل ما تحمله من خلطة عجيبة، من الصعب وفقا لذلك أن تفرز شيئا مهما يحمل ملامح واضحة ومحددة، يمكن المراهنة عليه في تغيير أو تصحيح مسار المشهد السياسي.

في نهاية شهر أبريل (نيسان) 2016 أعلن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر (زعيم حركة الأحرار وقائد ميليشيا السلام) اعتكافه لمدة شهرين، مختتما بذلك ولو بصورة مؤقتة مشهدًا اصطبغت به تظاهرات واعتصامات شهدتها العاصمة العراقية بغداد بلون التيار الصدري، دافعا بذلك إلى الخلف متظاهري التيار المدني الذين كان لهم قصب السبق في تحشيد التظاهرات عندما انطلقت مع مطلع العام 2011.

كان مشهد الختام الذي تجسد في اقتحام جماعة الصدر مبنى البرلمان أقرب في حبكته إلى أن يكون مشهدا مسرحيا ضعيفا من أن يكون مشهدا واقعيا ومنطقيا، خاصة مع اقتحامهم أسوار المنطقة الخضراء الإسمنتية بكل سلاسة وسهولة، وسط ترحيب وقبلات وابتسامات عبرت عنها عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية المسؤولة عن حراسة هذه المنطقة الحساسة التي يتحصن فيها ساسة العراق وتضم بين جوانبها وعلى مساحاتها الواسعة المطلة على نهر دجلة أرفع وأهم المؤسسات العليا التي تمثل هيبة وكيان الدولة العراقية.

ازدادت ملامح المشهد ترهلاً وهشاشة بدخول المتظاهرين إلى داخل مبنى البرلمان العراقي وكأنهم مجموعة من الأصدقاء ذاهبين إلى موعد في مقهى شعبي.

طيلة بقائهم في المبنى الذي استمر لعدة ساعات لم تعترضهم أي قوة أمنية، حتى بدا المبنى خاليا تماما من أي قوة تحرسه، والأهم في هذه اللحظات الغريبة والمريبة عندما تصرف المقتحمون بشكل هادئ ولم يبدُ عليهم الانفعال ولا التوتر، كما لم يصدر عنهم ما هو متوقع دائما في مثل هذه اللحظات من جماهير غاضبة ومحرومة ــ خاصة في العراق ــ من أعمال نهب وتخريب وتدمير وحرق للممتلكات العامة وقتل للشخصيات السياسية، بل على العكس من ذلك كانت عدسات القنوات الفضائية تنقل للمشاهدين مباشرة وعلى الهواء ما يُعد في نظر أي مراقب سلوكا منضبطا أظهرته الجماهير المقتحمة، ولا نستطيع أن نقول عنه إلاّ أنه كان مفاجئا ولم يعكره حتى حالة الاعتداء بالضرب التي وقعت على اثنين أو ثلاثة من نواب البرلمان صادف تواجدهم أمام آلاف مؤلفة من جماهير لا يمكن التشكيك بما تحمله من غضب ونقمة على طاقم سياسي فشل وأساء كثيرًا في إدارة البلاد منذ عام 2003.

التجربة في تونس ومصر

فيما لو ألقينا نظرة تأمل لقراءة تظاهرات العراق التي كان التيار المدني يقودها قبل أن تصادرها جماعة الصدر، سنخرج منها بتصور يقودنا إلى الاعتقاد بأن من كان يدعو إليها لم يكن يملك القدرة على أن يتحكم بما يردده أو يُرفعه المتظاهرون من هتافات وأهازيج وشعارات، وهذا يعود إلى أن الدعوة للتظاهر كانت تتم عادة عبر صفحات الفيس بوك وكان الداعون إليها عددًا محدودًا من الأسماء المعروفة في الوسط الثقافي، بينهم شعراء وكتاب وصحفيون يحسبون بالنهاية على الحزب الشيوعي العراقي وأصدقائه ومؤيديه ومريديه، وتترواح أعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين ولم يكن من بينهم شخصيات سياسية معروفة.

ما كان يدفعهم إلى التظاهر يأتي في سياق تأثرهم الشديد بما كانت تشهده ساحات التحرير من تظاهرات واحتجاجات منظمة في عدد من البلدان العربية خاصة في تونس ومصر.

هذا ما يمكن ملاحظته بما كانوا يكتبونه من تعليقات تعكس مدى إعجابهم واندهاشهم بما كان يجري في تونس ومصر من حراك جماهيري اتسم بتنظيم ووعي عاليين، وهذا ما شكل بالتالي حافزًا قويًا لعدد من أولئك المثقفين الشباب العراقيين في أن يستنسخوا تلك التجارب الثورية، من غير أن يحاولوا دراستها ومعرفة الآليات والسبل التنظيمية التي كانت تدار بها، ولم يسجل حتى الآن أن التقى بشكل مباشر دعاة التظاهرات في العراق بنظرائهم المصريين والتونسيين، في محاولة منهم لدراسة تجربتهما والخروج منها برؤية خاصة تعينهم على أن يكونوا أكثر تنظيمًا وانضباطًا خاصة وأن هاتين التجربتين قدمتا ما اعتبره العالم نموذجًا فريدًا في الاحتجاج والضغط السلمي الثوري، لتصبحا مصدر إلهام للعديد من شعوب العالم بغض النظر عن تلك التحليلات التي ذهبت بعيدًا في التشكيك بمصداقية ووطنية الجهات التي كانت تقف وراء تنظيم تلك التظاهرات ورجحت تبعيتها إلى دوائر استخباراتية أجنبية وتنفيذها لأجندة مشبوهة تهدف إلى زعزعة الأمن وتدمير مؤسسات الدولة.

خطاب ديماغوجي

بعد عام 2003 ما من شيء في العراق يدعو الناس إلى التزام الصمت والإحجام عن السخط أو الاحتجاج بعد أن اكتشفوا بأنهم قد وقعوا ضحية فخ كبير نصبته لهم جميع القوى والأحزاب المشاركة في العملية السياسية خاصة تلك التي كانت تعارض نظام البعث وتنادي بالدفاع عن مظلوميتهم وحريتهم التي سلبها النظام السابق.

ولربما لن نكون مغالين عندما ندعم الفكرة التي بات يرددها كثير من العراقيين بأن النظام السابق بكل الأخطاء التي سُجلت ضده أصبح من الصعب مقارنته مع ما اقترفه النظام الجديد من كوارث أقلها شيوع الفساد المالي وأكثرها ضياع ثلث البلاد تحت سلطة تنظيم الخلافة (داعش) حتى أن البلد أصبح على شفا حفرة من التقسيم إلى دويلات طائفية.

القوى والأحزاب السياسية التي تحكم العراق هذه الأيام باسم الديموقراطية والتعددية كشفت في منظومة نظامها السياسي الذي أنشأته عن طائفية متجذرة في أيديولوجيتها، بموجبها تمكنت من أن تقسم المجتمع العراقي إلى ولاءات متعددة، بعد أن نجحت في تمزيقه إلى ملل ونحل وطوائف كل واحدة منها منعزلة عن الأخرى، وهي بذلك أرادت ــ وهذا ما تشير إليه الوقائع ــ أن تمحو شعورًا جمعيًا بالمواطنة كان الجميع يلتقي عنده في اللحظات الحرجة التي تواجه البلاد، ونجحت بما سعت إليه إلى حد كبير، ومن خلال هذه الأيديوولوجيا أرادت أن تتاجر بطوائفها وكأنها سلعة للبيع بما كانت قد تعرضت له حسب زعمها من تهميش وظلم في العهود والأنظمة السابقة التي توالت على حكم العراق، وهذا ما أنتج بالتالي وضعًا خطيرًا بموجبه باتت الطوائف تعيش حالة انغلاق على ذاتها من بعد أن تغلغلت في داخلها فكرة تتمحور في شيطنة الطوائف الأخرى حتى في تلك الحالات التي تتعرض فيها أي طائفة إلى محنة تستدعي التعاطف معها.

وراء هذا الخطاب الديماغوجي يختفي ما يصح أن نطلق عليه (شرعنة الهيمنة على مفاصل الدولة) وصولًا إلى الانفراد بإدارتها، بذلك يتحقق ما تسعى إليه في أن تكون بمأمن من المحاسبة والمساءلة على ما ترتكبه من انتهاكات وسرقات وتجاوزات وجرائم، خاصة وأن كل ما يجري يتم باسم الطائفة ولأجلها ومن خلالها.

النتيجة النهائية أن سقطت البلاد تحت مطحنة صراع طائفي راح ضحيته المئات من الأبرياء، وخضعت الدولة والمجتمع شيئا فشيئا تحت سلطة ميلشيات طائفية أمست تملك ولوحدها سلطة الشارع، حتى أن الدولة أمامها أضحت عاجزة عن إثبات حضورها وهيبتها.

في مثل هذا الوسط الموبوء أمست ثروات البلاد سائبة أمام ساسة لصوص حتى وصلت في نهاية العام 2015 إلى ما هو عليه من إفلاس تام عجزت بسببه الدولة عن تأمين رواتب موظفيها.

كان من الطبيعي أن تكون هذه الأرضية دافعًا قويًّا لكي تنطلق منها الاحتجاجات والتظاهرات في مطلع العام 2011، ولم تكن تظاهرات ما يسمى بالربيع العربي التي كانت قد اجتاحت عددًا من البلدان العربية سوى حافز لها لكي تعلن عن نفسها بعد أن بقيت تتفاعل عواملها في الصدور والضمائر خلال الفترة التي اعقبت التغيير السياسي في عام 2003.

أسباب سلمية التظاهرات

معظم التظاهرات التي شهدتها البلدان العربية مع مطلع العام 2011 كانت في بدايتها سلمية واستمرت على هذه الصورة عدة أشهر سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن وحتى مصر وإن كان وضعها مختلفا عن بقية البلدان وهذا يعود إلى رسوخ المؤسسات العسكرية وبقائها محافظة على عناصر قوتها، لكن جميعها انتهت باستعمال خيار العنف، إلاّ أن درجة حدته قد اختلفت بين هذا البلد وذاك، إلى أن وصل تصاعد وتيرتها حد المواجة المسلحة، ولتنتهي على الصورة التي هي عليها اليوم في ليبيا واليمن وسوريا، ولربما ما جرى في سوريا من عنف قد تجاوز في دمويته كل ما هو متوقع خاصة من قبل النظام وحلفائه، بل ارتقت الجرائم المرتكبة في بلد الياسمين إلى مستوى جرائم حرب، تورط في ارتكابها جيش النظام وحزب الله وسلاح الجو الروسي وفيلق القدس الإيراني والمليشيات المسلحة العراقية ومرتزقة أفغان وهنود وباكستانيون جندهم الحرس الثوري الإيراني، هذا إضافة إلى تنظيم داعش والنصرة والقاعدة، وفيما لو كان هنالك عدالة أممية ينبغي أن يحاسب جميع المسؤولين والمتورطين بما ارتكبوا من انتهاكات وجرائم في سوريا أمام المحكمة الدولية لمجرمي الحرب.

الملاحظ أن التظاهرات التي شهدها العراق بقيت سلمية ولم ينجرف المتظاهرون فيها إلى خيار الاعتداء على أي فرد من الأجهزة الأمنية، رغم أن السلطة مارست العنف في أكثر من مدينة ولأكثر من مرّة ولم تترد في استعمال القسوة معهم خاصة مع جماعة التيار المدني، واستثنت في تعاملها من هذا العنف جماعة مقتدى الصدر، واتسم سلوكها معهم بالاحترام والتقدير بل كان فيه الكثير من التودد بشكل يدعو إلى الريبة والشك في حقيقة العلاقة التي بينهما، والدور الخفي الذي يلعبه التيار الصدري بهذه التظاهرات خدمة للنظام القائم.

تظاهرات العراق لم تخرج عن إطار دعوتها إلى الإصلاح من داخل النظام نفسه (سواء جماعة التيار المدني أو الصدريين) وحتى عندما اشتدت حدة الشعارات وارتفع سقف المطالب فيها إلى الدعوة بإقالة نوري المالكي في نهاية عام 2011 وإلى تغيير الطاقم الحكومي الذي يعمل معه لم يكن المتظاهرون يهدفون من وراء ذلك إلى قلب نظام الحكم، ويقف وراء ذلك سبب جوهري يتعلق بوجود مشاعر خوف جمعية لدى قطاع واسع من العراقيين ــ خاصة لدى القوى السياسية الشيعية ــ من حدوث فراغ فيما لو حصل تغيير أو انقلاب قد يعصف بنظام الحكم القائم تكون نتيجته فوضى شاملة على الأقل في بغداد والمدن العراقية التي ما يزال حزب البعث يملك فيها قاعدة وجمهورًا كبيرًا يتعاطف معه ويحن إليه كما في الموصل والأنبار وصلاح الدين، خاصة بعد فشل النظام الجديد في تقديم بديل أفضل منه.

ليس هنالك من شك في أن البعثيين لن يتوانوا من استغلال الفراغ الأمني فيما لو حدث للعودة مرة أخرى إلى الواجهة، مبتدئين بالعمل على تحريك المتظاهرين بما يخدم تطلعهم إلى اقتحام المنطقة الخضراء، سعيا منهم لاقتناص السلطة لمرة ثالثة (المرة الأولى كانت عام 1963 والثانية عام 1968)، هذا الحلم بالعودة لم يمت في داخلهم، بل مازال يداعبهم، ولربما لديهم شعور قوي بأنهم باتوا على موعد قريب معه، وهذا ما يمكن تلمسه في خطابات عزة الدوري نائب الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمين العام لحزب البعث حاليًا، التي يخرج بها على الناس بين فترة وأخرى عبر أشرطة فيديو وصوتية مسجلة.

البعثيون لم يبخلوا بالعمل بهذا الاتجاه بكل ما يتوفر لديهم من إمكانات، لذا لم ولن يترددوا في أن يضعوا أيديهم بأيدي جماعات إسلامية مع أنهم كانوا طيلة فترة حكمهم التي دامت 35 عاما من أشد أعدائهم، وكانوا قد أنزلوا بهم أشد العقوبات وأودعوهم السجون والمعتقلات، كما هوالحال مع الجماعات السلفية والوهابية والإخوان المسلمين.

هذا التراجع عن ثوابت أيديولوجية ما كان من الممكن أن يلجأ اليه البعثيون عندما كانوا في ذروة عزهم وسلطتهم، إلاّ أنهم انساقوا إليه بعد فقدانهم للسلطة من أجل أن يكون الطريق أمامهم معبدًا لهزيمة النظام القائم والعودة مرة أخرى إلى الحكم.

من هنا لم يكن في حسبان المتظاهرين ــ وقد مضى على استمرارهم في التظاهر أكثر من أربعة أعوام ــ أن يرفعوا من وتيرة احتجاجهم إلى الحد الذي تبلغ به طموحاتهم الثورية أن يسقطوا نظام الحكم، أوأن يرفعوا السلاح ضده، كما حصل في بلدان عربية أخرى لم تشهد تظاهراتها سوى ربيعا يتيما تحول فيما بعد وبسرعة دراماتيكية إلى خريف ومن ثم إلى شتاء عاصف دمر كل شيء أمامه.

لربما كان هذا سبب جوهري ضاعف من مخاوف المحتجين فحرصوا على ألا تنجرف حركتهم إلى مسار يفضي بهم إلى اختيار العنف والمواجهة المسلحة مع النظام بعد أن كانوا قد ذاقوا مرارة الحروب عقودًا طويلة ما يزال طعمها في القلب حارقا.

البعض من المراقبين للأوضاع لايتوانى عن ترجيح العامل الطائفي الذي يَجتمع تحت مظلته غالبية المتظاهرين سواء في بغداد أومدن وسط وجنوب العراق مع الطبقة السياسية التي تمسك بزمام السلطة في أن يكون هذا العامل قد لعب دورا أساسيا في ألا تتحول التظاهرات إلى ما هو أكبر مما هي عليه فيسقط بسببها نظام الحكم.

وعلى الرغم من واقعية هذا الرأي وإمكانية حصوله في البيئة العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص إلاّ أن ذلك لن يكون مانعًا أمام المحرومين فيما لو وصل بهم سوء الحال والأحوال إلى الدرجة التي لن يكون فيها المُشتَركُ الطائفي عائقا أو مانعا للتغيير الجذري سواء رضيت إيران أم لم ترضَ، لأنها وقبل غيرها كانت تسعى إلى أن يلتف الشيعة تحت هذا الهاجس، فلم تبخل بأي جهد ووسيلة من أجل أن تدق إسفين الشك والكراهية وعدم الثقة ما بين الشيعة والسنة، وأظنها قد تلقت رسالة قاسية وغير متوقعة عندما رددت أعداد كبيرة من المتظاهرين داخل مبنى البرلمان بشعارات منددة بتدخل إيران في الشأن العراقي (هذا العراق عراقي فليسمع الإيراني) ولم يمنع اعتذار مقتدى الصدر للإيرانيين إزاء ما صدر من المتظاهرين بحق السلطة الإيرانية من أن يعيد المتظاهرون بعد عدة أيام ترديد نفس الشعارات والهتافات في وسط العاصمة بغداد عند نصب التحرير، وهذا يعني أن كل محاولات نظام الملالي في طهران لسلخ العراقيين عن محيطهم العربي واحتوائهم داخل مشروع تصدير نظام ولاية الفقيه محكوم عليه بالفشل وأن كل الأحزاب والمليشيات التي تدعمها لا تشكل شيئا مهما في قناعات الشيعة العرب ولن تجعل منهم حصان طروادة للتمدد في المنطقة. ولعل التفجيرات الشديدة التي حدثت في مدينة الصدر وسط بغداد والتي راح ضحيتها العشرات من القتلى جلهم من الشيعة تعبير صريح عن غضب ايران من تلك الهتافات.

غياب القيادة والتنظيم

من كان يتابع ما يجري في ساحة التحرير كل يوم جمعة لابد أن يسأل نفسه: إلى متى ستبقى هذه التظاهرات على ما هي عليه من غير أن يكون لها أي تأثير واضح على المشهد السياسي العراقي بشكل عام وعلى عمل الحكومة العراقية بشكل خاص؟

طيلة الأعوام الماضية الاربعة لم يتمكن المتظاهرون أن يصلوا إلى مرحلة يستطيعون فيها تطوير آليات فعلهم الاحتجاجي، بل على العكس تبدو كما لو أنها ظلت تراوح في مكانها وبقيت في إطار التلويح بالشعارات ولم يتم تجاوزها إلى خطوة أكبر وأكثر فاعلية، بمعنى أن تتحول إلى ممارسات تشكل باستمرارها وتصاعدها وتنظيمها وسيلة ضغط قوية ومؤثرة على الحكومة والبرلمان لكي يستجيبا ويخضعا لإرادة المحتجين من بعد أن يشعرا أن ما يجري في الشارع من عمل منظم هو أكبر من أن يتم التعامل معه بتجاهل ولا مبالاة كما هو حاصل.

بقاء التظاهرات على هذه الصورة غير الفاعلة وهذا التأثير المحدود جدا يعود أولا إلى كونها تفتقد إلى قيادة شابة منظمة تملك رؤية وأفقا يؤهلها لأن تلعب دورا في إحداث ضغط حقيقي وتغيير في جوهرالنظام السياسي القائم.

وفيما يتعلق بالتيار المدني حتى هذه اللحظة لا يمكن تحديد قيادة فعلية تقود تظاهراته رغم وجود بعض الأشخاص الذين يحرصون دائما على أن يكونوا في مقدمتها، وعلى أن يتحدثوا باسم المتظاهرين من غير أن يملكوا تفويضا جماهيريا يمنحهم الحق في أن يكونوا قادتها، ومن غير أن يملكوا برنامجا واضحا لطرحه على الناس فيما لو تقدموا بخطوة ناجحة نحو عتبة التغيير.

غياب هذه القيادة الشابة المنظَّمة والمنظِّمة لربما يعود إلى ضعف الحياة الحزبية في العراق، سواء في الفترة التي سبقت سقوط نظام البعث أو بعدها.

غياب التعددية

قبل عام 2003 ارتكب حزب البعث خطأ كبيرا عندما أنهى التعددية الحزبية في المشهد السياسي العراقي واحتكر الساحة لوحده ليتحرك فيها خاصة بعد انقلابه على الجبهة الوطنية في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي وكانت الجبهة تضم إلى جانب حزب البعث، الحزب الشيوعي وعدد من الأحزاب والتيارات الأخرى القومية، ولتنتهي هذه السياسة الإقصائية عام 79 بنسف مشروع الجبهة الوطنية وذلك بملاحقة عناصر الحزب الشيوعي العراقي وهروبهم إلى خارج العراق.

كان لهذا الانقلاب أثر سيء على المشهد السياسي خاصة على العمل الحزبي بالشكل الذي أوصله إلى حالة من الغياب التام، ومن بقي يعمل تحت الارض من المعارضين السياسين كان يعمل وفق آليات العمل السري الذي ينحصر إطاره في حدود هدف واحد هو إسقاط النظام بالسبل التي يتيحها العمل السري وليس العلني الذي عادة ما يكفله الدستور ويمنحه القدرة على التحرك بشكل طبيعي من أجل توسيع قواعده وإيصال أفكاره وبرامجه إلى الناس.

هذا الوضع انعكس بتداعياته على مساحة الخبرة لدى الأحزاب في عملها التنظيمي بين أوساط الناس، واقتصر عملها في إطار الأعمال التي تدخل ضمن المواجهة السرية العنيفة مع السلطة القائمة بقصد إيذائها وصولا إلى إسقاطها بالقوة، وبذلك تخلفت آليات العمل الحزبي السلمي.

كان من الممكن أن تكون هذه التظاهرات وسيلة ضغط قوية وفاعلة، وأن تتجدد حيويتها وآلية عملها، لو لم يتم اللجوء إلى اغتيال الناشط والفنان المسرحي هادي المهدي الذي يعد بحق أبرز من دعا إليها وقادها بنشاط افتقده أولئك الذين جاءوا بعده ممن يحسبون أنفسهم قادة التظاهرات.

ويمكننا القول بأن اغتيال المهدي في 8 سبتمبر (أيلول) 2011 لم يكن إلاّ إدراكا من قبل الجهة التي حرضت عليه بأهميته وخطورته، وأن غيابه هو وأمثاله سيدفع بالتظاهرات شيئا فشيئا إلى أن تدخل في لحظة تكون فيها غائبة حتى وإن كانت حاضرة.

قيادة التظاهرات ــ سواء جماعة التيار المدني أو الصدريين ــ إضافة إلى كونها لاتملك رؤية شاملة في إصلاح الأوضاع السياسية التي تعاني منها البلاد، فهي لا تملك من الجدية الكافية لأن تمارس دورًا قويًّا وضاغطًا على الحكومة العراقية بالشكل الذي يجعلها تشعر بأنها عاجزة عن مقاومة المتظاهرين وكسر شوكتهم، خاصة وأن عددًا من الوجوه التي تتصدر التظاهرات قد سُجِّل عليها عديد من الملاحظات التي تشكك بمصداقيتها، بل إن شبهات تحوم حول بعضها تشير إلى وجود علاقات سرية تربطها مع شخصيات تنتمي للأحزاب الممسكة بالسلطة، وبعضها الآخر انكشف سعيها الواضح بالوصول إلى أي موقع وظيفي في سلم السلطة رغم أنها فشلت فشلاً ذريعا بالانتخابات النيابية الأخيرة عندما رشحت نفسها ولم تستطع أن تكسب الحد الأدنى من الأصوات التي تؤهلها لنيل مقعد في البرلمان.

الاعتصامات في مدن الغربية

لابد هنا أن نستذكر الاعتصامات التي امتدت لفترة تزيد عن العام في المدن ذات الأغلبية العربية السنية (الأنبار، الموصل، صلاح الدين، الحويجة) لأنها كانت أيضا في بدايتها تدعو إلى إجراء إصلاحات في العملية السياسية إضافة إلى مطلبها الأساسي المتمحور في إطلاق سراح السجناء ــ من النساء والرجال ــ الذين ينتمون إلى هذه المدن، إلا أن مسار تلك التظاهرات بدأ يظهر عليه حركة مُريبة عندما بدأت تتصاعد أصوات نشاز من بين المعتصمين كانت تدعو إلى الزحف نحو بغداد فكان شعار(قادمون يا بغداد) الذي تم رفعه آنذاك مبعث قلق شديد للحكومة العراقية وللقوى الشيعية خاصة، وهذا ما دفع نوري المالكي الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك إلى أن يخطط ويعجّل في إنهائها بأي ثمن وهذا ما أشار إليه في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات العراقية عندما قال: «إما أن ينهوا اعتصامهم أو يُنهَوا».

وهذا ماحصل فعلا عندما تقدمت قوات الجيش والقوات الأمنية وأزالت خيم المعتصمين بحجة وجود عناصر تابعة لتنظيم الخلافة (داعش) بين صفوفهم، فأطلقت عليهم الرصاص، ليسقط عدد من القتلى والجرحى، فكان ذلك بداية لتدهور الأوضاع في مدن الأنبار والتي انتهت بدخول تنظيم الخلافة (داعش) إلى المدينة مستغلا حالة الفوضى وغياب السلطة. كذلك بنفس الطريقة تم التعامل مع المعتصمين في قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك وسقط منهم ما لا يقل عن 60 قتيلا كلهم من المدنيين.

لربما العامل الذي ساهم في تعميق المخاوف لدى السلطة في بغداد من المتظاهرين في ساحات اعتصام مدن الغربية وخاصة في الأنبار، هو بروز خطاب ديني بدا متطرفا، وأخذ يتقدم صفوف المعتصمين في مرحلة متأخرة من عمر الاعتصامات، حتى أنه طغى على الصوت العشائري الذي يمكن وصفه بالمعتدل مقارنة معه والذي كان له السبق والريادة في تشكيل تلك الاعتصامات، ولم يكن للصوت العشائري من أهداف سوى المطالبة بإطلاق سراح السجناء والسجينات ممن لم يثبت عليهم جرم، وغير هذا المطلب لم يكن للقوى العشائرية أهداف سياسية تصل بهم مثلا إلى الزحف نحو بغداد كما عبّر عن ذلك رجال الدين بعد أن خطفوا قيادة التظاهرات والاعتصامات لصالحهم، بل إن الرموز العشائرية التي كانت في تلك الاعتصامات كان لها صلات وثيقة مع بغداد مثل الشيخ أحمد أبو ريشه الذي كان يقود ما يدعى بالصحوات التي سبق أن قاتلت القاعدة وهزمتها في الأعوام (2007، 2008، 2009).

هنا لابد أن نشير إلى وجود فارق جوهري في طبيعة البنية الاجتماعية للقوى التي كانت تشارك في تظاهرات المدن ذات الأغلبية العربية السنية، إذ غلبت عليها الصفة العشائرية ، بينما البنية الاجتماعية للقوى التي كانت تشارك في تظاهرات بغداد وبقية مدن العراق (الوسط والجنوب) قد غلبت عليها الطبقة المتوسطة ومعها انضوت شرائح وفئات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، ولهذا كانت الشعارات المرفوعة هنا تدعو إلى تحسين الوضع المعيشي والخدمات وإيجاد وظائف والقضاء على المفسدين على غير ما كانت عليه في المدن ذات الأغلبية العربية السنية التي كانت تطالب بإطلاق سراح أبنائهم من السجون بعد أن وصل عددهم للآلاف، ومعظمهم تم القبض عليهم نتيجة وشاية كيدية من مخبر سري.

كوردستان العراق

مدن إقليم كوردستان العراق ــ وعلى سبيل المثال مدينة السليمانية ــ كانت هي الأخرى قد شهدت في مطلع عام 2011 تظاهرات واحتجاجات لكنها كانت محدودة، وتحركت على إيقاع الربيع العربي، ولم تستمر إلاَّ لفترة قصيرة جدا، والتقت مطالب المشاركين فيها من حيث المحتوى مع مطالب المتظاهرين في بغداد، ذلك لأن الإقليم هو الآخر يشهد تفاوتا طبقيا واضحا، خاصة بعد العام 2003 إذ شهد الإقليم نموا سريعا في حركته العمرانية وانتعاشًا واضحًا في مستوى المعيشة، بنفس الوقت انعكس هذا الانتعاش والنمو بتأثير سلبي على شرائح وفئات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، ومع كل هذا يبقى المستوى المعيشي في إقليم كوردستان العراق بكل الأحوال أفضل بكثير مما هو عليه في مدن العراق، وقد يكون ذلك سببا في عدم استمرار التظاهرات في الإقليم. إلا أنّ انخفاض أسعار النفط منذ النصف الثاني من العام 2015 وحجب رواتب موظفي الإقليم من قبل بغداد لربما بدأ يترك أثرا سلبيا على المناخ العام في الإقليم وإذا ما استمر الحال كما هو عليه ولم يتم التوصل إلى إجراءات فاعلة تخفف من ثقل الأزمة الاقتصادية على المواطن في الإقليم فإن النتائج لن تكون مطمئنة، فالجوع كافر وليس لأي سلطة مهما كانت قوية القدرة على أن تمسك بلجام الأوضاع حتى النهاية .

ماذا بعد استمرار التظاهر؟

اليوم يطرح سؤال أساسي بعد هذا المسار الطويل الذي سارت به تظاهرات بغداد وبقية مدن العراق:

هل حققت أي مكسب يمكن أن يجعلنا نثق بإمكانية المراهنة عليها وعلى ضرورة استمرارها؟

بشكل عام لا يبدو أنها قد حققت شيئا من المطالبات الشعبية حتى مع ما يجري من تداعيات بدأت بإقالة رئيس البرلمان سليم الجبوري على إثر الضغط الذي مارسه التيار الصدري على حكومة العبادي بدعوته إلى إلغاء المحاصصة الحزبية والطائفية والذي انتهى باقتحام أسوار المنطقة الخضراء ودخول مبنى البرلمان.

بتقديرنا لم يكن لهذه التظاهرات ولا الاعتصام داخل البرلمان الدور الرئيس بما نشهده من تداعيات، بقدر ما يعود السبب إلى ما أصاب الحكومة والدولة العراقية من عجز اقتصادي وضعها على رصيف الإفلاس، بالشكل الذي دفعها إلى أن تستدين من البنك الدولي عام 2015 ولمرتين، في المرة الأولى اقترضت مبلغا قدره مليار و900 مليون دولار، وفي المرة الثانية مبلغا قدره مليار و200 مليون دولار.

عندما تفشل التظاهرات في مثل هذا الوضع الذي وصلت إليه البلاد ولمدة أربعة أعوام متواصلة في أن ترغم الحكومة على أن تستجيب لواحد من مطالبها الأساسية، الذي يتمثل في إيقاف الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان (مجموع رواتبهم خلال شهر واحد فقط تصل إلى 9 مليارات و60 مليون دينار)، عند ذاك لا يمكن النظر إلى التظاهرات على أنها ذات جدوى بصورتها وقيادتها الحالية سواء بتيارها المدني أو جماعة الصدر.

سُبل التفعيل

لكي ينضج عمل المتظاهرين بالشكل الذي يكون منظما وموحدا في شعاراته وأهدافه وليس كما هو عليه الآن من ارتجال وفوضى ينبغي مراعاة النقاط الاتية:

– خلق بناء تنظيمي سياسي يجمع المتظاهرين، من خلاله ينحو العمل إلى المركزية في القرارات، بذلك تنتفي الصورالعفوية والعشوائية في التحرك.

– العمل على رسم خارطة طريق للتظاهرات تحدد الأهداف وسبل تحقيقها.

– تطوير آليات العمل بين الناس بشكل مباشر لرفع مستوى وعيهم بأهمية الممارسات الجماهيرية، كالتظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات باعتبارها وسائل سلمية لإحداث التغيير المنشود.

– توسيع رقعة المشاركة والتفاعل مع التظاهرات وألا يقتصر الأمر على من يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» على سبيل المثال، بل ينبغي إجراء لقاءات مباشرة مع الناس، في الشوارع والحارات والمقاهي الشعبية وحيثما يمكن اللقاء بهم وجهًا لوجه.

– دراسة تجارب النشطاء في الدول الأخرى مثل تونس ومصر، خاصة بعد أن نجحوا في خلق عديد من الفعاليات، من خلالها حافظواعلى سلمية حراكهم الاحتجاجي وحافظوا على مؤسسات الدولة من عبث العابثين.

أخيرًا لابد من الإقرار بأن المجتمع العراقي مقارنة مع مجتمعات أخرى (مثل التونسي والمصري) ما يزال يفتقر إلى وعي كافٍ بأهمية التنظيم في الحراك المجتمعي المدني، وهذا ما يبدو لنا سببًا جوهريًّا أبقى التظاهرات دون فاعلية تذكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مظاهرات
عرض التعليقات
تحميل المزيد