سأل مواطن سويدي أحد العراقيين المقيمين في مدينة مالمو عن سبب التظاهرات في العراق، فقال له العراقي: إنهم يطالبون بتوفير الماء والكهرباء، امتعض السويدي من الجواب وقال للعراقي: أنا استفسرت عن مطالبهم وليس حقوقهم.

انقضت 15 عامًا قبل أن يشعر العراقيين بالسأم والإحباط من الطبقة السياسية الحاكمة التي لطالما بررت عجزها وتقاعسها عن توفير الخدمات بذريعة عدم الاستقرار الأمني والانشغال بمحاربة الإرهاب، إلا أن انتهاء الحرب على «تنظيم الدولة (داعش)» كان البداية لمرحلة وعي شعبي وشبه إجماع جماهيري على رفض عملية سياسية لاحقتها الشبهات منذ اليوم الأول لتشكيلها، فالعراقيون تيقنوا بأن لا أمل في الإصلاح في ظل حكم الأحزاب المتورطة بملفات فساد أهدرت ونهبت نحو ألف مليار دولار كشف عنها الشركاء أنفسهم خلال حملات التسقيط المتبادلة بينهم بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 من مايو (أيار) عام 2018، والتي تخللتها عمليات تزوير أفقدت أي شرعية لها إن وجدت أساسًا بعد ثبوت وجود نحو 3 ملايين بطاقة انتخابية مزورة اعترفت بها لجنة تقصي الحقائق البرلمانية.

بدأت شرارة الرفض الشعبي من البصرة جنوبي العراق التي يحيط بها الماء إلا أن لا ماء صالح للشرب فيها والتي امتلأت مستشفياتها بآلاف المرضى ممن تسمموا نتيجة التلوث، فضلًا عن انعدام الكهرباء وارتفاع نسبة البطالة والفقر، كلها أسباب كانت داعية لانطلاق تظاهرات غاضبة سرعان ما ارتفع سقف مطالبها من توفير الخدمات والوظائف إلى المطالبة بوطن وهو شعار ردده المحتجون حين أكدوا أنهم باتوا يخشون على مستقبل أبنائهم وأحفادهم في ظل يأس أصبح يخيم على واقع بلاد تصدرت مراتب متقدمة عالميًا من حيث ارتفاع مستوى الفساد وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية فضلًا عما تورده بين الحين والآخر مؤسسات مختصة بالتصنيفات العالمية بشأن مستوى الأمان ودرجة رفاهية الشعوب وجودة التعليم والصحة كمؤسسة غلوبال بيس أنديكس، ومؤسسة هينيلي وبارتنرز.

لربما تراجعت حدة الاحتجاجات مؤخرًا بعد شهرين من تظاهرات واعتصامات حاشدة، إلا أنها أربكت الأحزاب وفاجأتها بسبب نوعية الهتافات التي ندد فيها المتظاهرون بفشل القيادات الشيعية في إدارة البلاد، فلطالما اعتبرت الأحزاب الحاكمة جنوب العراق بأنه قاعدتها الشعبية وركيزتها الجماهيرية بعد جهود بذلتها من أجل التثقيف بأن المظلومية وقعت عليهم تحت حكم الأنظمة العلمانية والمدنية وبالتالي بررت ترسيخ فكرة ضرورة تثبيت أركان حكم ديني يضمن انسيابية ممارسة المناسك والشعائر المذهبية دون قيود أو ملاحقات، وفي الحقيقة لم يكن ذلك أكثر من وسيلة إشغال مارستها التيارات الدينية مستغلة حالة من الكبت العاطفي لدى جمهور واسع يدفعه حب التقرب للأئمة وهو ما اعترف به النائب السابق في مجلس النواب عزت الشابندر الذي قال: حين حكم الشيعة العراق جعلوا اللطم والمشي إلى كربلاء أكبر مكاسبهم وآخر طموحاتهم، وإذا بأحداث البصرة تحطم الآمال وتهدم صروحا ظن الموالون لنظام الحكم في طهران بأنهم أحكموا قبضتهم على العراقيين عبر الترهيب الفكري وتجريم من يجرأ على تجاوز الخطوط الحمر ولو همسا، فإذا بصور مفجر الثورة الإيرانية الخميني ومعه المرشد الأعلى خامنئي تحرق وسط شوارع البصرة وسط هتافات تندد بالدور الإيراني الداعم للأحزاب في العراق ليتطور الأمر إلى حرق القنصلية الإيرانية في منطقة البراضعية بالمدينة المنكوبة نفسها وسط عجز قوات مكافحة الشغب عن صد المتظاهرين ومنعهم من اقتحام المبنى ليكمل المحتجون رسالتهم التي أرادوا إيصالها عبر حرق مقار ومكاتب فصائل مليشيات الحشد بمختلف مسمياتها وعناوينها.

طهران استشعرت الخطر بعد موجة الغضب الشعبي في العراق وأدركت أن مكاسبها التي أنفقت من اجلها المليارات لربما تذهب أدراج الرياح خاصة وإن الأمر تزامن مع تنامي صراع النفوذ بينها وبين الولايات المتحدة التي أعلن رئيسها ترمب عن سلسلة عقوبات ضد طهران بسبب برنامجها النووي، ولأن إيران تحاول أن تضغط خارجيا لتخفيف القيود عليها داخليا فإنها تصر على أن يبقى العراق بمثابة الحديقة الخلفية والجبهة المتقدمة التي يمكن استخدامه في أي مفاوضات مستقبلًا، وعليه سارعت بتحريك بيادقها وأمرتهم بإعادة التموضع والانتشار، بل إنها أوعزت بتشكيل ما أطلق عليه بالحشد التعبوي في البصرة وهو عبارة عن تسعة ألوية من الفصائل المسلحة قيل إنهم سيكونون من المتطوعين ظاهريًا، إلا أن الواقع يقول: إنه نسخة من الباسيج الإيراني المرتبط مباشرة بقيادات الحرس الثوري في طهران والذي سيتولى ملاحقة وتصفية الناشطين في الاحتجاجات والمتظاهرين عمومًا، حيث إنهم لن يكونوا مقيدين بما اتفق عليه كشرط لدخول العملية السياسية والمشاركة في مناصب حكومية، فحتى أسماءهم لن تدون ضمن سجلات كما هو الأمر مع الـ150 ألف عنصر من مليشيا الحشد، ولن يمكن حلهم وتسريحهم كما أكد ذلك نائب رئيس هيئة مليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس الذي قال: إن الحشد لم يؤسس بأمر إداري ليحل بأمر إداري، بل إنه شكل بفتوى دينية!

ووسط كل هذا الكم الهائل من الترهيب الذي يلاقيه المتظاهرون العزل وعزوف العالم عن دعمهم، فإنهم ما زالوا يصرون على مواصلة احتجاجاتهم، فهم جيل عفوي لا ينضوي تحت راية أي حزب ولا يجمعه سوى تطلعاته كما وصفته صحيفة لموند الفرنسية التي نقلت عن بعضهم قولهم إن أيقونات شيعية اعتاد الناس تقديسها أصبح المتظاهرون الغاضبون اليوم يستهجنونها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد