لا يؤلم الجرح إلا من به الألم، كلماتٌ يردّدها كل محروم، ذاق مرارة الحرمان، ولسَعَتْه ناره، وتتنوع آثار وتبعات هذه الكلمة؛ لكثرة نوافذ الحرمان في هذه الحياة، والمحروم لغة هو: الخاسر الفاقد غير المتمكن من الوصول إلى بغيته، وهو الخائب وتتلازم أحيانًا الكلمتان ويتحقق المعنيان ويتناوبان على قلب الإنسان فالمحروم هو الخائب، الذي انتظر شيئًا ولم يصل إليه، والخائب هو الذي خسر وحرم من شيء كان يبني عليه الآمال العراض، فوصل إلى العجز والضعف؛ ولهذا نجد الجاحظ يربط بين الضعف والحرمان فيقول في إحدى رسائله: «ومن محروم قد أضعفه الحرمان».

«والعجز هو شريك الحِرمان» كما قال ابن القيم، وهكذا فإننا نسرح في القول لنرى هيئة ذلك المحروم عاجِزًا أمام ما حُرِم منه سواء أكان الحرمان وظيفة أو مالًا أو ولدًا أو أبًا وأمًّا أو وطنًا يتفيَّأ ظلاله.

وفي الأدب العربي وجدنا روايات عنونت بالحرمان،مثل: «رواية الحرمان الكبير»، ولكنها لم تتقصَّ كلّ أنواع الحرمان، وإنما طالت نوعًا من أنواع الرغبة النسوية بالتخلص من قيود تتوافق مع رؤية الكاتبة وترى أنّ هذه القيود حرمَتِ النساء من أشياء ترغب في الحصول عليها.

واليوم أعلى درجات الحرمان الوطن؛ لأنّك إذا غدوت بلا وطن حُرمت الحياة، والوطن لا ينحصر حرمانه بحرمان حدوده الجغرافية، وإنما بالحرمان ممن سكن الديارا من أولئك الذين شكّلوا لك دائرة الحياة الحقيقية: أهلك من أصول وفروع، وأصعب أنواع حرمان الوطن هو الحرمان الجبري لا الحرمان الاختياري.

في المفهوم الديني الحرمان هو أن تُحرم من حلاوة الطاعة وتغوص في المعصية مما يعني الحرمان من سعادة الدراين الدنيا والأخرى ويُبنى على هذا الكلام خطُّ الحياة، أي أنّ الذي يطيع ربّه ويبني حياته على اتباع الأوامر وتجنب النواهي، يصبح ما يُحْرَم منه من ظلال الدنيا بدون أثر قلبيٍّ عليه، فهو حقق ووصل وكسب الثروة الأكبر وهي رضا الخالق وفهم حقيقة الدنيا، وبهذا الإيمان الذي يغمر القلب، يتلاشى مفهوم الحرمان عند صاحبه، لتذوّقه حلاوة إيمان يرى الخير في كل المقادير ويرى القدر يهديه دائمًا وأبدًا إلى كلّ جميلٍ يكتب له على صفحات الزمن، ولكن يأتينا سؤال يتفق مع طبيعة الإنسان القائمة على العجز هل عدد من يصلون إلى هذه الحقيقة أو إلى هذا التسليم يمكن أن يكون كبيرًا أم أنها مجرّد كلمات تؤمن بها القلوب، ولكنّ الإنسان العاجز بطبعه يقصر عن الوصول إلى هذه الدرجة من الرقي في سلم التدين؛ خاصة عند حرمانه من الأمور الدنيوية التي تهزّه كحرمانه من وطنه أو ولده أو بيته أو عمله، هنا يصعُب إلا على أولي العزم أن يتحكّموا بمشاعرهم وأحاسيسهم، وربما يغلب جانب العجز الإنساني، فتتفلت كلمات ويحترق القلب من الحرمان عند غالبية بني الإنسان، عدا أولئك الذين يُعدون من القلة في جعل المصائب التي تأتي تترى سببًا في علو صبرهم وقوة تحملهم.

خطورة الحرمان أنها لا تقتصر على فرد دون آخر فهي تصل حتى إلى الحكام إذ إن الحرمان يجعل الحاكم ضعيفًا بل يهدّد سلطانه ستة أمور على رأسها: الحرمان، كما ذكر لنا ابن المقفع على لسان دِمنة: «قال دمنة: إنما يؤتى السلطان ويفسد أمره من قبل ستة أشياء: الحرمان والفتنة والهوى والفظاظة والزمان والخرق». وبيّن ابن المقفع معنى الحرمان عند السياسي فقال: «فأمّا الحرمان فأن يحرم صالح الأعوان والنصحاء والساسة من أهل الرأي والنجدة والأمانة». ومنه نستشف أنّ لكلّ مكانة أو لكل موقع حرمانًا يتناسب معه.

وفي مؤانسة أبي حيان التوحيدي نجده يبين أنّ الحرمان يسبب السخط فيقول: «والمحروم ساخط».

فكل آلام القلب تأتي من شعور المرء بأنه محروم، فيعجز ويخيب ويصبح المنكسر المتلقّف لصدقة الشفقة بسبب معاناته من الحرمان.

فلن تجد إنسانًا، بل نفسك نفسها لن تجدها عارفة لراحة بالٍ ولا للاستقرار، وصوت الحرمان يتردد ويتحرك بين حناياها؛ فصوت الحرمان يفقدك ذكرى الماضي الجميل، ومتعة الحاضر المشرق، وأمل المستقبل المُفْرِح، إنه قاتلٌ للزمن ومن يقتل زمنه فهو بحكم الميت وإن تحرك جسده، الحرمان مصيبته أنه صوت الداخل، ومن يحصر نفسه بداخله المؤلم، لن يبصر شمس الواقع المزهر المشرق، هكذا يرى الفلاسفة وعلماء النفس، بل حتى كل حكيم؛ حتى إننا صرنا نرى الصورة التي انتشرت لسجينين أحدهما لا يرى من نافذة السجن إلا قضبانها؛ لأنه أسر نفسه داخل شرنقة الحرمان من الحرية، وآخر يرى الخضرة في الخارج، وشروق الشمس، وترقرق الماء، ولمعان انعكاس شعاع الشمس على صفحات الماء؛ لأنه أبى الاستسلام لصوت الحرمان، ورأى العالم الخارجي، فوجد الدنيا مبتسمة، ووجد صور الحياة المتجددة، فأحياه أمل الحرية من جديد.

فالذي يريد مقاومة الحرمان عليه أن يسمع صوت الخارج عليه أن يعرف أنّ الحياة قائمة على معادلة حرمان وعطاء، على ليل ونهار، على نجاح وفشل، على كبوة ونهوض، وأخطر ما يوصل إلى الحرمان هو الحرص الشديد على شيء؛ حتى يعتقد هذا الحريص أن الحياة مختصرة في حرصه على تحصيل هذا الشيء، وهذا ما أشار إليه الجاحظ في إحدى رسائله قائلًا: «ومن حرص يعود إلى الحرمان …»، إذًا ليقي الإنسان نفسه من علّة الحرمان عليه ألا يحرص على مرغوب؛ لأنّ من خضع لعلة الحرص عاد إلى الحِرمان كما قال الجاحظ، فالناجح يركز على شيء فإذا فقده، انتقل إلى فسحة أخرى من فسح الزمن.

وحول المعنى الذي ذكره الجاحظ دندن ابن المقفع بقوله في الأدب الصغير: «وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ» وكأنه يوحي أنّ عدم الرضا بما في اليد والحزن على ما لم يكتب القدر لك الوصول إليه يجعلك تذوق مرارة الحِرمان واستيحاشه.

أتساءل هنا سؤالا فلسفيًّا وهو: هل الحِرمان من متع الحياة هو المؤدّي إلى خسارة السعادة، وبالمقابل هل الحاصل على مرغوبات الحياة وشهواتها يحقق السعادة لقلة تغوّل وحش الحرمان عنده؟ هنا علينا أن نقوم بتجارب على أناس حقيقيين يقبلون الخضوع إلى هذا الاختبار ونراقب عينة الاختبار الموزعة على قسمين: قسم نال كل ما يطمح إليه الإنسان من موجودات وظلال الدنيا، وآخر يحلم بالوصول إلى ما حرم منه.

طبعًا أنا لا أؤمن بتلك المقولات التي تقال لتسلي الفقير وترضيه بحاله، من مثل أنّ الغني محروم من راحة البال التي يعيشها الفقير، وأنّ الغني محروم من الرضا؛ لأنّ الواقع ومشاهداته تثبت أن الحرمان خفق قلب داخلي لا علاقة له بغنى أو فقر، فربما ترى غنيًّا جمع سعادة الظاهر والداخل وفقيرًا جمع الحرمان الظاهري والداخلي، والعكس يكون صحيحًا.

تتلخص مسألتنا هنا في أنّ الإنسان عليه ألا يجعل هذه الكلمة ترافقه صوتًا ومعنًى، صوت شكاية لساني، وصوت ألمٍ داخليٍّ، عليه ألا يفتح نافذةً لصوت كلمة الحرمان، فمن فتح النافذة لها تمكّنت تمكُّن السرطان وانتشرت وامتدّت وصَعُب مكافحتها. هناك خيط دقيق بن الطموح للوصول إلى هدف يُسعِد وبين أن يكون السعي من أجل التخلص من شعور الحرمان، وهنا تتجلّى ميزة سمة الرضا فالراضي يطمح ويسعى إلى هدفه، ولا يشعر بأنه محروم بل يشعر أنّ العطايا التي تحيط به هي المرجل الذي يدفعه دائمًا إلى الأمام فهو سعيد في جميع الأحوال.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد