في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان الطبيب والعالم النمساوي الشهير “سيجموند فرويد” يبدأ في تكوين أسطورته الخاصة كمؤسس لعلم التحليل النفسي وعلم النفس الحديث، بعد تخرجه في كلية الطب جامعة فيينا، بعدما أمضى عشر سنوات من العمل الجاد في دراسة ماهية العقل الباطن أو العقل اللاواعي للإنسان The subconscious وكيفية عمله، وتأثيره على تصرفات الإنسان قاطبة، وأثناء بحث فرويد عن صفات العقل الباطن، لاحظ أن هذا العقل الباطن عندما يعجز عن حل بعض مشاكله، أو عندما يكون التوتر المتولد من بعض الأفكار فوق احتمال الشخص نفسه، فإن العقل الباطن يقوم تلقائيًا وبمعزل عن إدراك العقل الواعي، ببعض الحيل والآليات من أجل تلافي الشعور بالقلق أو التوتر أو الضغط الناتجين، ومن أجل حماية الذات من التهديد، فيقوم مثلًا بإنكار الحقيقة أو تغييرها أو التلاعب بها، وبذلك يتخلص الفرد من القلق والتوتر الناتج من تلك المشكلة بدلًا من التخلص من المشكلة نفسها، هذه الحيل لقبها فرويد بالآليات أو الدفاعات النفسية Defense mechanisms، واصطلح على تسميتها في الموروث الشعبي المصري البسيط بـ”دفن الرأس في الرمال”.

الأشخاص الطبيعيون عادة ما يستخدمون أساليب دفاعية مختلفة خلال مراحل حياتهم المختلفة، هذه الآليات الدفاعية يمكنها أن تصبح مرضية عندما يؤدي الاستخدام المتكرر لها إلى صعوبات في التكيف، والذي يتسبب بدوره في حالة نفسية أو جسدية أسوأ، إذ أن الغرض من الدفاعات النفسية هو حماية الشخص لنفسه من التوتر والتهديد، بالإضافة إلى إيجاد مأوى وملجأ معنوي يحميه من الموقف الذي لا يستطيع مسايرته في الوقت الراهن، كما تصبح الدفاعات النفسية خطرة عندما تعمي الفرد عن رؤية عيوبه ومشاكله الحقيقية ولا تعينه على مواجهة المشكلة بصورة واقعية.

والحيل النفسية في المجمل ليست مرضًا، وإن اختلف الأطباء على كونها اضطرابًا أو خللًا نفسيًّا Disorder، أو أنها مجرد “نضوج أو عدم نضوج” في الشخصية Maturity or Immaturity، أو أن بعض الحيل النفسية يمكن أن تندرج تحت بند “النضوج وعدم النضوج”، والبعض الآخر يصنف على أنه خلل أو اضطراب نفسي، وتشترك كل الدفاعات النفسية في صفتين، الأولى أنها تعمل على اللاوعي، والثانية أنها تشوه الواقع والحقيقة بغرض تقليل القلق والتوتر الذي يشعر به الشخص، وتظهر الآليات النفسية عادة بين شعوب الدول التي تعاني من انقسامات وصراعات داخلية وتحزُّب وحكم ديكتاتوري، ودائمًا ما يعاني مؤيدو الأنظمة الديكتاتورية من الاستخدام المتكرر للدفاعات النفسية، خصوصًا الآليات المستخدمة في إنكار الحقيقة أو التلاعب بها أو إعادة تشكيلها، وتضم قائمة الدفاعات النفسية عددًا كبيرًا من الآليات الدفاعية، إلا أنه ليس هناك حسم أو دليل علمي على عدد محدود من هذه الدفاعات، بالرغم من محاولات “أنا فرويد” التي قامت بها سنة 1936 لتقسيم هذه الدفاعات النفسية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر:

 

التماهي أو التوحد  Identification
وهو إدماج موضوع أو فكرة أو التوحد والتقارب اللاواعي مع الأشخاص الذين يحملون نفس الأفكار، كأن يضيق بعض معارضي الأنظمة الديكتاتورية ذرعًا بالضغط والتوتر الناتجيْن عن كونهم ينتمون للفئة الأضعف، حتى يصل بهم الضغط إلى نقطة الانهيار، فيلجأ بعضهم إلى الانضمام والتوحد والتقارب مع الأغلبية المؤيدة للنظام، واعتناق مبادئ كان ضدها في السابق تمامًا، وذلك كله بغرض التخلص من الضغط، ولا يتوقف العقل الباطن عند تلك النقطة، بل إمعانًا في التماهي، يعادي الفرد أفكاره وتوجهاته القديمة والسابقة، والجماعة التي كان ينتمي إليها في السابق وبشكل عنيف.
التقدير المثالي Idealization
هي المبالغة في التقدير ورفع الشأن للأشخاص والأشياء، وتخيل العديد من القدرات الإعجازية غير الحقيقية، بما يعمي الفرد عن حقيقة الشخص أو الشيء ويحرمه من الموضوعية، وغالبًا يكون الشخص محل هذا التقدير هو الرمز الذي يدور الجميع في فلكه، كالحاكم أو الرئيس الذي يقدسه ويدعمه الأغلبية، أو أحد المسئولين ذوي الشأن والمكانة في الدولة، أو القيادة الدينية، أو القيادة الحزبية، انتهاء برئيس أو رب العمل، والتقدير المثالي سبب رئيسي في آليات دفاعية تالية مثل التبرير والإزاحة والإنكار.
التبرير  Rationalization
هو محاولة إيجاد أسباب وتفسيرات مقبولة للسلوكيات أو الدوافع غير المقبولة بل والخاطئة في معظم الأحيان، وهو ما قد يريح الإنسان مؤقتا، ولكنه يعود عليه بعدم التوازن لاحقًا، وهو كذب لا شعوري، غير مدرك المصدر لخلق الأعذار لعمل فاشل، وكذب خفي على صاحبه لاعتقاده بأنه على حق، وهو يختلف تمامًا عن الكذب الواعي لأن الكذب هو حالة شعورية مقصودة، وغالبًا ما ينتج هذا التبرير من التقدير المثالي السابق للشخص، وعادة ما يكون هذا الشخص من القيادات أو الرموز الدينية أو السياسية، فإن أخطأ هذا الشخص، وقام بما يتناقض مع التقدير المثالي الذي رسمه العقل الباطن في السابق، يقع العقل الباطن في صراع داخلي بين الصورة التي رسمها في السابق، وبين الواقع، فإما أن تنهار صورة الرمز بداخله، وهذا الأمر مؤلم نفسيًا، وإما أن يلجأ العقل الباطن لتبرير هذا الخطأ بطريقة لا تجعل التقدير المثالي السابق ينهار، ومن ثم يخمد القلق والضغط المتولد.

الإحلال أو الإزاحة  Displacement

هي أن يقوم العقل الباطن بإلصاق المسئولية في أي شخص آخر غير الرمز المنزه عن الخطأ، لكن الفارق تلك المرة أنه لا ينفي الخطأ بل يعترف به، لكنه يلصقه بأي شخص آخر غير الرمز المسئول الحقيقي عن الخطأ، أي أنها هي إعادة توجيه اللوم نحو أشخاص غير الأشخاص الأصلية، أو تحويل المشاعر من مصدرها الحقيقي إلى شيء آخر أكثر أمانًا وقبولًا اجتماعيًا، فمثلًا يحول الشعب غضبه من فشل القائد المهلم إلى الوزراء والمسئولين المحيطين بالقائد، أو يحول الشعب غضبه من فشل الأوضاع من القائد إلى الشعب نفسه، أو مثلما حول البعض غضبهم من انتهاكات الداخلية وتعريتها لإحدى المتظاهرات، والتي عرفت بـ”ست البنات”، إلى الفتاة نفسها، وألقوا اللوم عليها بقولهم “إيه اللي وداها هناك”، وغالبًا ما ينتج هذا الإحلال من التقدير المثالي السابق للشخص.

 

الإسقاط  Projection
هو محاولة العقل اللاواعي لا شعوريا، لإسقاط ما لديه من سلبيات على الغير، كأن يرتشي أحدهم فيدعي أن المجمتع كله فاسد ولا سبيل للإصلاح. ويتميز الإسقاط عن غيره من آليات الدفاع بكونه يتشكل بنوازع الفرد الذاتية، وشخصيته، وإرادته. فليس صحيحًا أن الإسقاط كله لا شعوري.
التفكير المجرد  Intellectualization

هو فصل الجانب الوجداني من الموقف والتركيز على التفاصيل فقط، لأن مواجهة المشاعر التي يسببها هذا الموقف تثير لديه قلقًا غير محتمل، مثل الزوجة التي تدقق في جميع تفاصيل الجنازة أو المعاش فور وفاة زوجها، كأن ينتفض البعض من سخرية بعض الشباب من الشرطة المصرية، متناسين الانتهاكات الجمة التي يمارسها الجهاز بحق الشعب.

 

القمع أو الكبت Repression
و
هو محاولة دفن أو إخفاء الأحاسيس أو الأفكار المؤلمة من وعي الإنسان، أو نقلها من العقل الواعي إلى اللاواعي، وكبتها داخل النفس بشكل لا شعوري، لكون هذه المشاعر غير مقبولة أو مرفوضة من المجتمع، وهذه الأحاسيس أو الأفكار بدورها قد تعود لتظهر على السطح بصورة رمزية لاحقًا.

الإنكار  Denial

هو رفض لاشعوري للاعتراف بالواقع أو الموقف المؤلم المسبب للتوتر أو القلق، ويحدث هذا الإنكار للحد من القلق ولحماية الشخص من الصدمة العاطفية والحزن الشديد، على سبيل المثال من خلال رفض حقائق معينة حدثت بالفعل كوفاة قريب أو صاحب، أو حدوث كارثة بعينها، لكن أهم الأمثلة على الإنكار هي المتعلقة بتقديس رموز بعينها.

ومن أكثر الأمثلة شيوعًا إنكار وجود مرض خطير ومحاولة البحث عن تفسير آخر للأعراض المصاحبة، أو إنكار الجوانب السلبية للأنظمة الديكتاتورية من قتل وقمع واعتقال وتعذيب من قبل مؤيدي النظام حتى لا يضطرهم العقل الواعي لمعارضته، ويعتبر الإنكار هو أشد الحيل النفسية خطورة على الإطلاق؛ لأن الإنكار كـ Defense mechanism يشمل إنكار المصاب بحقيقة ما بداخله، لذا فالمصاب هو آخر من يمكن أن يصدق أنه مريض بالإنكار، لذا فهو حتى لا يعطي لعقله الفرصة لاكتشاف أعماقه، ويرفض العقل اللاواعي أي محاولة خارجية لعلاج اضطراب الإنكار، لأنه يعي جيدًا أن الإنكار كـ Defense mechanism هو وسيلة مريحة للعقل ولتقليل الألم كالمخدرات، ويرفض حتى مناقشة حقيقة مرضه، ولا يتخلص العقل اللاواعي من حيلة الإنكار إلا عندما يتعرض المصاب إلى درجة شديدة من الضغط النفسي لا يصمد أمامها الإنكار ولا أي وسيلة دفاعية أخرى، فتنهار كل الحيل الدفاعية دفعة واحدة، ويبدأ عندها العقل اللاواعي في التفكير في حقيقة إصابته السابقة، ومن ثم يدرك أنه كان حبيسًا في سجن الإنكار، وغالبًا ما يحدث أن تنقلب توجهات المصاب إلى النقيض تمامًا، فنجد أمثلة عديدة لأشخاص من مؤيدي الأنظمة الديكتاتورية يمارسون الإنكار بشكل دائم ومستمر، حتى يحدث حدث جلل في حياتهم فيجعلهم ينتقلون من النقيض إلى النقيض تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد