بعد أن ينقضي كل شيء فقط، تنظر خلفك لتمعن النظر، فتجد أن كل الأمور كانت لتؤدي بك إلى هذه النهاية.

طفل بدأ حياته بكسر في سنته الأمامية وانكشاف للعصب وآلام دفعته للذهاب لطبيب الأسنان وبدأ معاناة أخرى وهي معاناة (حقنة التخدير) يكبر وتكبر معه ذكرياته السيئة عن عيادة الأسنان وأدواتها ليجد نفسه طبيب أسنان يخافه الصغار والكبار وربما يكرهونه.

«أسوأ ما يمكن أن يتعرض له فمك في هذه الحياة: أن تغلقه السلطة ويفتحه طبيب الأسنان». *محمد الرطيان، كاتب سعودي

علاقة متوترة

غرفة لها رائحة يكرهها الكثيرون وأدوات كثيرة تشبه إلى حد ما أدوات النجارة ولكن يراها المرضى أدوات تعذيب، وكرسي يكرهه المرضى ويحملهم بحُبٍ رغم ذلك، وساعات طويلة مملة يقضيها المريض في غرفة الانتظار، علاقات متوترة تلك التي تنشأ بين المرضى وبين طبيب الأسنان.

المريض لا يحب آلام الأسنان بالطبع ويريد لها علاجًا عاجلًا ولا يحب الذهاب لطبيب الأسنان، لأنه ربما يحمل في عقله أفكارًا سلبية نقلها له ربما أحد المرضى عن تجربة بائسة مع طبيب الأسنان، أو ربما صورها له الإعلام أو فيلم رعب قديم أو أنه هو بنفسه قد مر بتلك التجربة وهو طفل وما زالت ذكراها عالقة بأذهانه.

كل ذلك يدفعه لتأجيل زيارته للطبيب مفضلا المسكنات أحيانًا والمكيفات أحيانًا والوصفات المنزلية أحيانًا اخرى، لكن كل ذلك يزيد من حدة المشكلة بل ويزيد من تكلفة العلاج مستقبلا.

الطبيب لا يحب أن يسمع مثل تلك الجمل المتكررة (كأنا لا أطيق أطباء الأسنان) وكأنه يتحدث إلى خشبة لا تعي شيئًا ولا تشعر، أو (هل تؤلمني إبرة البنج؟)، كل السخافات المكررة التي لا يخلو يومه من سماعها، وبالطبع يؤلمه ألم المريض ويريد التخفيف عنه ولكن تكدره الأجواء والأساطير التي يؤمن بها الكثير من البشر عن علم طب الأسنان الخزعبلي.

أحدهم يقول لك أن طبقة الجير تحمي الأسنان من السقوط والآخر يقول أن التنظيف يؤذي الأسنان، هل معنى ذلك أن النظافة مضرة بالصحة؟! بالطبع لا بل دعني أشرح لك تأثير تلك الطبقة الجيرية بعيدًا عن الرائحة الكريهة والمنظر غير الملائم تماما، تتسبب تلك الطبقة -والتي يقع تحتها الآلاف من البكتيريا- في العديد من أمراض اللثة مما يؤدي لهبوطها بالتدريج وتآكل الأربطة التي تساعد على تثبيت الأسنان باللثة والعظام مما يؤدي إلى ما يعرف بالعامية بلخلخة الأسنان ومن ثم سقوطها وفقدانها، بل وأن هناك دراسات أثبتت ارتباط مشاكل القلب والسكر ببكتيريا الفم الناتجة عن الإهمال.

ويأتي أحدهم طالبًا متوسلًا منك أن تقتلع كل أسنانه وتركب له طاقمًا صناعيًا مثل صديقه حتى لا يأتيه وجع الأسنان مرة أخرى!

والأعجب من ذلك أن تأتيك سيدة بطفلها كي تقتلع ضروسه اللبنية حتى يستبدلها بضروس دائمة في أسرع وقت كما نصحتها جارتها من قبل وكأنها بذلك تنسف علمًا كاملًا في طب الأسنان يسمى (dentition).

بالطبع هؤلاء لا يدركون أي شيء عن طب الأسنان وهذا أمر طبيعي وواجب على الطبيب نشر العلم الذي تعلمه وأن يعمل على تثقيف المريض قبل علاجه ويجب على المريض الإصغاء له والعمل ينصيحته دون تفلسف.

في غرفتك كطبيب أسنان لا تفارقك بالطبع رائحة البصل والثوم وجميع الأطعمة وكل ذلك أصبح معتادًا ولكن أن يأتي أحدهم برائحة جاز في فمه معللا ذلك بأنه كان يتناوله لتخفيف الألم فهذا أمر غريب!

كطبيب أسنان سيُدلي لك الجميع باعترافات لم يكونوا ليعترفوا بها لأحد من قبل كأن يقطع عملك مريض هامسًا أنه يتعاطى المخدرات فلذلك لا بد عليك أن «تزود له البنج» على حد قوله، أو أن تنبهك مرافقة المريضة بأنها «خوافة وبيغمى عليها»، سيعترف المتزوجون حديثًا أمامك بحبهم ويمارسون بعض الحركات الرومانسية كأن يقاطعك أحدهم بقوله «براحة ومعلش أصلها بتخاف» ويمسك يدها متصعبًا على حالها.

ستستمتع يوميا بعروض البالية على وقع أنغام من الآهات، سيركب فوق رأسك المرافق الفضولي مدعي المعرفة مشخصًا للحالة أحيانًا وناصحًا أحيانًا ومستعجلًا إنهاء الجلسة أحيانًا أخرى، هو في كثير من الأوقات ما يكون مُقلِقًا للطبيب لا أكثر.

ولا تتعجب إن انهال أب باللكمات والسباب لطفله لأنه فقط لا يريد أن يفتح فمه ليأخذ إبرة البنج، الأطفال يكرهونك لا بد أن تعي ذلك، الكثير من الناس يعتقدون أنك ساحر والكثير منهم يرون أنك نصاب، والقليل من يعرف أنك بشر وأنك ربما تكون سببًا لتخفيف آلامه، الطبيب البشري نفسه لا يعرف الكثير عن عملك.

الحل

الوضع معقد جدًا لكن حاول أن تكون لطيفًا فقط، نبرتك هادئة، صبور بقدر ما تستطيع ذلك، متفهمًا جهل من أمامك بعملك حتى وإن كان يحاول أن يُظهِرَ غير ذلك.

وتذكر أنك عندما كنت طفلًا وكُسِرت سنُك وذهبت إلى طبيب الأسنان لم تكن أبدًا سعيدًا ولم تكن تحبه ولم تكن تعلم أن هذا الانطباع سوف يحمله الأطفال والكبار عنك غدًا لأنك سوف تصبح أنت طبيب الأسنان المرعب الذي لا يحبه أغلب الناس ولا يعرفون عنه سوى أنه يمتلك وحشًا يسمى «حقنة البنج» وأدوات تعذيب أخرى.

المريض لا بد أن يعلم أنه مهما بلغ خوفه من ألم زيارة طبيب الأسنان فهو لن يعادل ألمه من المشكلة نفسها وتطورها والتي سوف يسعى الطبيب لحلها، لا بد وأن يعيش التجربة بنفسه.

بالطبع هناك بعض الآلام التي قد تختلف من جنس لآخر ومن شخص لشخص وحتى في الشخص الواحد قد تختلف الآلام، فهناك معدل للألم يختلف بين البشر ، قد تأتي لطبيب وتمدحه ويراه آخر بأنه لا يصلح بأن يكون طبيبًا لأنه ربما شعر بألم أثناء جلسة علاجه.

الطبيب صديقك ليس عدوك فلا داعي للخوف، ولا داعي لكتمان أي سر في تاريخك المرضي فهناك من يخفي كونه مريض ضغط مثلا فقط لكي لا يمانع الطبيب في إجراء عملية اقتلاع ضرس قد تؤدي به إلى عواقب أكبر.

أطفالك أمانة لا بد أن تحفظها فلا داعي للمزيد من الحلوى والمواد الصناعية وعليك بأن تعلمه كيفية الحفاظ على أسنانه فهي كنز لا يعلم أهميته إلا من يفقدها.

أخيرًا الوقاية خير من العلاج فلا بد أن تهتم بنظافة أسنانك حتى تتجنب طبيب الأسنان وغرفته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد