أورد ديوجين لايرتيوس (وهو مؤرخ وليس ديوجين الذي سنتحدث عنه) في كتابه ‘مختصر ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة’، حكاية تجمع بين ديوجين الكلبي و الإسكندر الأكبر، تقول بأن هذا الأخير وقف يوما على ديوجين الكلبي الذي كان في برميله يستمتع بأشعة الشمس، فقال له الإسكندر “أنا الملك اسكندر الأكبر”، فَرد ديوجين “و أنا الكلب ديوجين”، فسأله الإسكندر “أما تخافني” فقال له ديوجين “أأنت طيب أم سيء؟”، فقال “بل طيب”، فقال ديوجين “و من ذا الذي يخاف من الطيب”. أُعجب الإسكندر بهذا الجواب فقال له “إني أراك في حاجة لأشياء كثيرة ومن سروري و فرحي اعانتك و مساعتك عليها فسلني ماتريد” فقال له ديوجين “تحول من هذه الجهة فقد منعت عني ضوء الشمس”.

ينظر الكلبيون كمدرسة أسسها شخص اسمه انتيسينيس للسعادة من وجهة نظر سقراطية. حيث يعتقدون أنها تكمن في الفضيلة و هذه الأخيرة تنبع من الحكمة، بمعنى أن الحصول على الحكمة سيجعل الفضيلة حاضرة و هذا كاف ليعيش الإنسان سعيدا.

لقد وصل أنتيسينيس إلى نتيجة متطرفة، مفادها أن الخير كله يكمن في الفضيلة و الشر كله يكمن في الرذيلة، و إن ربطنا الفضيلة بالحكمة فالرذيلة سنربطها بالجهل، مما يعني أن هناك في الحياة حكيم فاضل يعيش سعيدا و جاهل رذيل يعيش تعيسا. و هنا نصل إلى نتيجة أخرى مفادها أن ما يوجد خارج الحكمة و الجهل لا يعني شيئا، فالثروة و المناصب و اللذة و الألم و المرض و الموت . كلها لا معنى لها، إنها فقط توجد في حياة الإنسان و لكنها لا تتعلق لا بالحكمة و لا بالجهل، أي لا تتعلق لا بالسعادة و لا بعدمها.

تأثَّر ديوجين بأفكار أنتيسينيس، و لكنه انتقد أستاذه لأنه –حسب رأيه- لم يعش ما آمن به، لهذا سماه “الطبل الذي لا يسمع سوى دقات نفسه”. لهذا لم يرغب في أن يكون مجرد قائل و إنما أن يفعل مايقوله، فالأقوال و الأفعال خطوط متوازية إن لم تتقاطع فلن تتطابق، و لكن يمكن التقريب بينها و من يفعل ذلك يكون حقا صادقا فيما يقول.

سنعود إلى القصة أعلاه. فحين وقف عليه الإسكندر الأكبر قائلا بأنه “الملك اسكندر الأكبر” كانت ردة فعل ديوجين باردة جدا، بل غير مبالية و غير مكترثة فقد رد عليه “أنا الكلب ديوجين”، و هذه رمزية مثيرة لسخرية باطنية، و كأنه يقول له “إن كنت ملكا فقد عرَّفت نفسك على كلب، و هذا الكلب ليس أقل منك قيمة و لكن ثقافتكم جعلته أقل قيمة، و هذا بسبب جهلكم بحقيقة الحياة”

حُكي يوما أنه خرج من مَقبرة، و سأله أحد الأرستقراطيين ماذا كنت تفعل هناك، فأجابه “كنت أبحث عن عظام أبيك و لكن لم أستطع أن أفرق بينها و بين عظام العبيد”. ستلمس هنا حكمة رائعة، و هي مايُريد ديوجين توضيحها، فلافرق بين الكلب والعبد و الملك. فأين يكمن الفرق إذن؟ ما الذي يجعل الإنسان ذو قيمة؟ مادامت الموت ستجعله مع الحيوانات مجرد عظام؟

الملك إسكندر الأكبر لم يكن مجرد ملك عادي كما هو في وقتنا الحالي. إنه يُعتبر من أكبر الفاتحين في التاريخ البشري، لدرجة أن بعض المؤرخين اعتقدوا بأنه الملك ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم، فالإسكندر الأكبر لم يُهزم في أية معركة، و قد حطم الجبروت الفارسي في تلك الفترة و غزا الهند و بابل و شبه الجزيرة العربية و مصر التي توجد بها مدينة الإسكندرية التي سُمِّيت على اسمه.

إذن ليس ملكا بسيطا كماهو في مرحلتنا الراهنة، و مع ذلك لم يستطع أن يُحطم بهيبته بساطة ديوجين، لأن هذا الأخير كان مستقلا، لا يخشى أحدا، و لا يأبه لما يملكه الإسكندر الأكبر، بل يسخر مما يملكه، فحين قال له هذا الملك “إني أراك في حاجة لأشياء كثيرة ومن سروري و فرحي اعانتك و مساعدتك عليها فسلني ماتريد”. فرد ديوجين “تحول من هذه الجهة فقد منعت عني ضوء الشمس”

ففي هذا الحوار الثنائي و البسيط توجد نظرتين متناقضتين. فالإسكندر الأكبر ينظر إلى الحياة على أنها الحصول على الحاجات، و لكن ديوجين كان ينظر إلى الحياة على أنها حياة، على أنها ضوء الشمس و الهواء النقي و الطبيعة الصافية و انعزال الضجيج؛ فديوجين لايكترث بالثروة و لا بالمنصب، لأنه يعلم بأن الحياة ليست في السعي خلف الأشياء و إنما في عيش الحياة ببساطتها. فقد حُكي بأنه كان يأكل العدس و رآه احد المارة من الأرستقراطيين فقال له “لو توددتَ للملوك لما أكلت العدس”، فأجابه ديوجين ساخرا “لو أكلَتَ العدس لما اضطررتَ لتملُّق الحكام”

إذن، من منهما التابع؟ من منهما السيد و من منهما العبد؟ من يملك القيمة؟ هل الإسكندر الأكبر أم ديوجين؟ الرأي العام ينظر إلى ديوجين بأنه مجرد مشرد حكيم، و ينظر إلى الإسكندر الأكبر على أنه ملك عظيم، بمعنى أن الإسكندر الأكبر أكثر قيمة من ديوجين. و لكن السؤال هو أين تكمن قيمة الإسكندر الأكبر؟

بالطبع، سيقول الرأي العام أو (المثرثرون) بأن الإسكندر الأكبر يملك النفوذ و السلطة و الثروة، و كل هاته الأمور تعطيه قيمة. بمعنى أن الرأي العام يُعطي للإسكندر الأكبر القيمة ليس لأنه يملكها في ذاته؛ و إنما لأنه يملك الثروة و السلطة و النفوذ، أي يملك مايحتاجونه و أيضا ما يخشونه. فالرأي العام يُعطي القيمة للشخص ليس لأنه يملكها في ذاته و إنما لأنه يملك مايحتاجونه أو مايخشونه، و الحاجة و الخوف ترتبط بالأشياء و ليس بالأشخاص، إذن الإسكندر الأكبر لا يملك القيمة، و إنما يملك الأشياء التي يطمح لها الناس، فإن فَقَدها فلن تتبقى له قيمة.

أما ديوجين فلا يملك شيئا، لا يملك مايحتاجه الرأي العام(الناس)، فهل يملك القيمة؟ أولا ديوجين لا يأبه للرأي العام، بل يسخر منه، و يحتقره، فهو يعتقد بأن الناس مجرد أغبياء، لهذا لا ينتظر منهم أن يُعطوه القيمة، فمن أين سيتمدها إذن؟

إن ديوجين يملك القيمة في استقلاليته، فهو لا يرتبط بأي شيء و لايرتبط بأي شخص، و قد أكد هاته القيمة في اللحظة التي سخِر فيها من الإسكندر، ففي هاته اللحظة قام بثورة. فالإسكندر اعتقد بأنه ملك على الجميع، و على الجميع أن يحترموه و لكن ديوجين فضَّل أشعة الشمس على الإسكندر، و اعتبر بأن الإسكندر مجرد عائق يحول بينه وبين الطبيعة. فديوجين في الحوار السابق أكد بأنه لا يضع نفسه ضمن أشياء أو أتباع الإسكندر، بل يعتبر نفسه إنسانا له قيمة في ذاته.

و بما أن ديوجين لم يتملق الإسكندر أو يخشاه فإنه قد أكد قيمته كذات حية. فالخوف من الموت يقضي على القيمة. فمثلا موظف وبًّخه رئيسه في الشركة، فإنه سيختار بين اختيارين إما أن يثور على رئيسه و يُعيد لنفسه الإعتبار، أو أن يَحني رأسه و يرضى بالوضع من أجل البقاء في الشركة لتوفير المال. فالموظف تابع لرئيسه، و هذا يعني أنه أقل قيمة منه، أي أن الموظف لن يحصل على قيمته إلا حين يثور ساخرا أو غاضبا أو ضاربا، ليؤكد استقلاليته و عدم أفضلية قيمة الرئيس على قيمته. و ديوجين عاش ساخرا.

إذن ديوجين لم يأبه بما يأبه له الرأي العام، لهذا لم يكترث بوجود الإسكندر الأكبر أمامه، و هنا لم تسقط قيمته، و ظلت في سمائها تتلألأ نورا سيظل شعاعها خالدا يسطع من صفحات التاريخ. بالطبع، ستسقط قيمة الإسكندر الأكبر التي اعتقد بأنها تُستمد من الرأي العام، و ستبقى قيمة ديوجين الذي اعتقد بأن قيمته يستمدها من داخله و لا أحد يُمكنه أن يعطيَها له أو أن يأخذها منه.

لقد عاش مستقلا بكرامة و حرّاً مشاغبا. لهذا سيقول الإسكندر بعد ما أُعجب باستقلالية ديوجين “لو لم أكن الإسكندر العظيم لوددت أن أكون ديوجين” فبهذا القول يكون قد وضع العظمة خلال التاريخ في جانبين. جانبه هو كملك عظيم فاتح آسيا الذي لم يُهزم في أية معركة، و جانب ديوجين الرجل الزاهد المُستقِل الذي لا يتملق الملوك و لا يأبه برأي الرأي العام و لا يقلق بشأن الحياة و مصيرها، و لا يسعى بأن يحصل على القيمة من الناس بامتلاك الأشياء التي يحتاجونها. إنه عاش بكرامة يشعر بإنسانيته في ذاته و لايرتبط بأحد و لا بشيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد